وعندما يتم استعراض الصور الثلاث يرتد السياق في السورة نداء للناس كافة ، وأمرا للبشرية جمعاء ، أن تختار الصورة الكريمة المستقيمة . الصورة النقية الخالصة . الصورة العاملة النافعة . الصورة المهتدية المفلحة . . صورة المتقين :
( يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون . الذي جعل لكم الأرض فراشا ، والسماء بناء ، وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ، فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون ) . .
إنه النداء إلى الناس كلهم لعبادة ربهم الذي خلقهم والذين من قبلهم . ربهم الذي تفرد بالخلق ، فوجب أن يتفرد بالعبادة . . وللعبادة هدف لعلهم ينتهون إليه ويحققوه :
( لعلكم تتقون ) . . لعلكم تصيرون إلى تلك الصورة المختارة من صور البشرية . صورة العابدين لله . المتقين لله . الذين أدوا حق الربوبية الخالقة ، فعبدوا الخالق وحده ؛ رب الحاضرين والغابرين ، وخالق الناس أجمعين ، ورازقهم كذلك من الأرض والسماء بلا ند ولا شريك .
قوله سبحانه وتعالى : " يا أيها الناس اعبدوا ربكم " قال علقمة ومجاهد : كل آية أولها " يا أيها الناس " فإنما نزلت بمكة ، وكل آية أولها " يا أيها الذين آمنوا " فإنما نزلت بالمدينة . قلت : وهذا يرده أن هذه السورة والنساء مدنيتان وفيهما يا أيها الناس . وأما قولهما في " يا أيها الذين آمنوا " [ النساء : 19 ] الآية فصحيح . وقال عروة بن الزبير : ما كان من حد أو فريضة فإنه نزل بالمدينة ، وما كان من ذكر الأمم والعذاب فإنه نزل بمكة . وهذا واضح .
و " يا " في قوله : " يا أيها " حرف نداء " أي " منادى مفرد مبني على الضم ، لأنه منادى في اللفظ ، و " ها " للتنبيه . " الناس " مرفوع صفة لأي عند جماعة النحويين ، ما عدا المازني فإنه أجاز النصب قياسا على جوازه في : يا هذا الرجل . وقيل : ضمت " أي " كما ضم المقصود المفرد ، وجاؤوا ب " ها " عوضا عن ياء أخرى ، وإنما لم يأتوا بياء لئلا ينقطع الكلام فجاؤوا ب " ها " حتى يبقى الكلام متصلا . قال سيبويه : كأنك كررت " يا " مرتين وصار الاسم بينهما ، كما قالوا : ها هو ذا . وقيل لما تعذر عليهم الجمع بين حرفي تعريف أتوا في الصورة بمنادي مجرد عن حرف تعريف ، وأجروا عليه المعرف باللام المقصود بالنداء ، والتزموا رفعه ؛ لأنه المقصود بالنداء ، فجعلوا إعرابه بالحركة التي كان يستحقها لو باشرها النداء تنبيها على أنه المنادي ، فاعلمه .
واختلف من المراد بالناس هنا على قولين : أحدهما : الكفار الذين لم يعبدوه ، يدل عليه قوله : " وإن كنتم في ريب " [ البقرة : 23 ] الثاني : أنه عام في جميع الناس ، فيكون خطابه للمؤمنين باستدامة العبادة ، وللكافرين بابتدائها . وهذا حسن .
قوله تعالى : " اعبدوا " أمر بالعبادة له . والعبادة هنا عبارة عن توحيده والتزام شرائع دينه . وأصل العبادة الخضوع والتذلل ، يقال : طريق معبدة إذا كانت موطوءة بالأقدام . قال طرفة :
وظِيفًا وظيفًا فوق مَوْرٍ مُعَبَّدِ{[334]}
والعبادة : الطاعة . والتعبد : التنسك . وعبدت فلانا : اتخذته عبد ا .
قوله تعالى : " الذي خلقكم " خص تعالى خلقه لهم من بين سائر صفاته إذ كانت العرب مقرة بأن الله خلقها ، فذكر ذلك حجة عليهم وتقريعا لهم . وقيل : ليذكرهم بذلك نعمته عليهم . وفي أصل الخلق وجهان : أحدهما : التقدير ، يقال : خلقت الأديم للسقاء إذا قدرته قبل القطع ، قال الشاعر{[335]} :
ولأنت تفْرِي ما خلقت وبع *** ض القوم يخلق ثم لا يفْرِي
وقال الحجاج : ما خلقت إلا فريت ، ولا وعدت إلا وفيت . الثاني : الإنشاء والاختراع والإبداع ، قال الله تعالى : " وتخلقون{[336]} إفكا " [ العنكبوت : 17 ] .
قوله تعالى : " والذين من قبلكم " فيقال إذا ثبت عندهم خلقهم ثبت عندهم خلق غيرهم ، فالجواب : أنه إنما يجري الكلام على التنبيه والتذكير ليكون أبلغ في العظة ، فذكرهم من قبلهم ليعلموا أن الذي أمات من قبلهم وهو خلقهم يميتهم ، وليفكروا فيمن مضى قبلهم كيف كانوا ، وعلى أي الأمور مضوا من إهلاك من أهلك ، وليعلموا أنهم يبتلون كما ابتلوا . والله أعلم .
قوله تعالى : " لعلكم تتقون " " لعل " متصلة باعبدوا لا بخلقكم ، لأن من ذرأه الله لجهنم لم يخلقه ليتقي . وهذا وما كان مثله فيما ورد في كلام الله تعالى من قوله : " لعلكم تعقلون ، لعلكم تشكرون ، لعلكم تذكرون ، لعلكم تهتدون " فيه ثلاث تأويلات .
الأول : أن " لعل " على بابها من الترجي والتوقع ، والترجي والتوقع إنما هو في حيز البشر ، فكأنه قيل لهم : افعلوا ذلك على الرجاء منكم والطمع أن تعقلوا وأن تذكروا وأن تتقوا . هذا قول سيبويه ورؤساء اللسان قال سيبويه في قوله عز وجل : " اذهبا إلى فرعون إنه طغى ، فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى " [ طه : 43 - 44 ] قال معناه : اذهبا على طمعكما ورجائكما أن يتذكر أو يخشى{[337]} . واختار هذا القول أبو المعالي .
الثاني : أن العرب استعملت " لعل " مجردة من الشك بمعنى لام كي . فالمعنى لتعقلوا ولتذكروا ولتتقوا ، وعلى ذلك يدل قول الشاعر :
وقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا *** نكفُّ ووثقتم لنا كل موثق
فلما كففنا الحرب كانت عهودكم *** كلمعِ سرابٍ في الملا مُتَأَلِّقِ
المعنى : كفوا الحروب لنكف ، ولو كانت " لعل " هنا شكا لم يوثقوا لهم كل موثق ، وهذا القول عن قطرب والطبري .
الثالث : أن تكون " لعل " بمعنى التعرض للشيء ، كأنه قيل : افعلوا متعرضين لأن تعقلوا ، أو لأن تذكروا أو لأن تتقوا . والمعنى في قوله " لعلكم تتقون " أي لعلكم أن تجعلوا بقبول ما أمركم الله به وقاية بينكم وبين النار . وهذا من قول العرب : اتقاه بحقه إذا استقبله به ، فكأنه جعل دفعه حقه إليه وقاية له من المطالبة ، ومنه قول علي رضي الله عنه : كنا إذا احمر البأس اتقينا بالنبي صلى الله عليه وسلم ، أي جعلناه وقاية لنا من العدو . وقال عنترة :
ولقد كررتُ المُهْرَ يَدْمَى نَحْرُه *** حتى اتقتنِي الخيلُ بابني حِذيَمِ
{ يا أيها الناس } لما قدم اختلاف الناس في الدين وذكر ثلاث طوائف : المؤمنين ، والكافرين والمنافقين ، أتبع ذلك بدعوة الخلق إلى عبادة الله وجاء بالدعوة عامة للجميع لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى جميع الناس .
{ اعبدوا ربكم } يدخل فيه الإيمان به سبحانه وتوحيده وطاعته ، فالأمر بالإيمان به لمن كان جاحدا ، والأمر بالتوحيد لمن كان مشركا ، والأمر بالطاعة لمن كان مؤمنا .
{ لعلكم } يتعلق بخلقكم : أي خلقكم لتتقوه كقوله :{ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون }[ الذاريات : 56 ] أو بفعل مقدر من معنى الكلام : أي دعوتكم إلى عبادة الله لعلكم تتقون ، وهذا أحسن . وقيل يتعلق بقوله :{ اعبدوا } وهذا ضعيف .
وإن كانت لعل للترجي فتأويله أنه في حق المخلوقين جريا على عادة كلام العرب .
وإن كانت للمقاربة أو التعليل فلا إشكال ، والأظهر فيها : أنها لمقاربة الأمر نحو عسى ، فإذا قالها الله : فمعناها أطباع العباد ، وهكذا القول فيها حيث ما وردت في كلام الله تعالى .
{ الأرض فراشا } تمثيل لما كانوا يقعدون وينامون عليها كالفراش فهو مجاز وكذلك السماء بناء .
{ من الثمرات } من للتبعيض أو لبيان الجنس ، لأن الثمرات هو المأكول من الفواكه وغيرها والباء في به سببية ، أو كقولك : كتبت بالقلم لأن الماء سبب في خروج الثمرات بقدرة الله تعالى .
{ فلا تجعلوا } لا ناهية أو نافية ، وانتصب الفعل بإضمار أن بعد الفاء في جواب اعبدوا والأول أظهر .
{ أندادا } يراد به هنا الشركاء المعبودون مع الله جل وعلا .
{ وأنتم تعلمون } حذف مفعوله مبالغة وبلاغة أي وأنتم تعلمون وحدانيته بما ذكر لكم من البراهين ، وفي ذلك بيان لقبح كفرهم بعد معرفتهم بالحق ، ويتعلق قوله ب { لا تجعلوا } بما تقدم من البراهين ، ويحتمل أن يتعلق بقوله : { اعبدوا } والأول أظهر .
الأولى : هذه الآية ضمنت دعوة الخلق إلى عبادة الله بطريقين :
أحدهما : إقامة البراهين بخلقتهم ، وخلقة السماوات والأرض والمطر والثمرات .
والآخر : ملاطفة جميلة بذكر ما لله عليهم من الحقوق ، ومن الإنعام ، فذكر أولا ربوبيته لهم ، ثم ذكر خلقته لهم وآباءهم ، لأن الخالق يستحق أن يعبد ، ثم ذكر ما أنعم الله به عليهم من جعل الأرض فراشا والسماء بناء ، ومن إنزال المطر ، وإخراج الثمرات ، لأن المنعم يستحق أن يعبد ويشكر ، وانظر قوله : { جعل لكم } . و{ رزقا لكم } : يدلك على ذلك ، لتخصيصه ذلك بهم في ملاطفة وخطاب بديع .
الثانية : المقصود الأعظم من هذه الآية : الأمر بتوحيد الله وترك ما عبد من دونه لقوله في آخرها :{ فلا تجعلوا لله أندادا } ، وذلك هو الذي يترجم عنه بقولنا : لا إله إلا الله ، فيقتضي ذلك الأمر بالدخول في دين الإسلام الذي قاعدته التوحيد ، وقول : لا إله إلا الله : تكون في القرآن ذكر المخلوقات ، والتنبيه على الاعتبار في الأرض والسماوات والحيوان والنبات والرياح والأمطار والشمس والقمر والليل والنهار ، وذلك أنها تدل بالعقل على عشرة أمور : وهي :
أن الله موجود ، لأن الصنعة دليل على الصانع لا محالة .
وأنه واحد لا شريك له ، لأنه لا خالق إلا هو { أفمن يخلق كمن لا يخلق }[ النحل : 17 ] .
وأنه حي قدير عالم مريد ، لأن هذه الصفات الأربع من شروط الصانع ، إذ لا تصدر صنعة عمن عدم صفة منها .
وأنه قديم لأنه صانع للمحدثات ، فيستحيل أن يكون مثلها في الحدوث .
وأنه باق ، لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه .
وأنه حكيم ، لأن آثار حكمته ظاهرة في إتقانه للمخلوقات وتدبيره للملكوت . وأنه رحيم ، لأن في كل ما خلق منافع لبني آدم ، سخر لهم ما في السماوات ، وما في الأرض ، وأكثر ما يأتي ذكر المخلوقات في القرآن في معرض الاستدلال على وجوده تعالى ، وعلى وحدانيته .
فإن قيل : لم قصر الخطاب بقوله :{ لعلكم تتقون } على المخاطبين دون الذين من قبلهم ، مع أنه أمر الجميع بالتقوى ؟ فالجواب : أنه لم يقصره عليهم ، ولكنه غلب المخاطبين على الغائبين في اللفظ ، والمراد الجميع .
فإن قيل : هلا قال لعلكم تعبدون مناسبة لقوله اعبدوا ؟ فالجواب : أن التقوى غاية العبادة وكمالها فكان قوله :{ لعلكم تتقون } أبلغ وأوقع في النفوس .