في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَوَكُلَّمَا عَٰهَدُواْ عَهۡدٗا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ} (100)

75

ثم يلتفت إلى المسلمين - وإلى الناس عامة - منددا بهؤلاء اليهود ، كاشفا عن سمة من سماتهم الوبيئة . . إنهم جماعة مفككة الأهواء - رغم تعصبها الذميم - فهم لا يجتمعون على رأي ، ولا يثبتون على عهد ، ولا يستمسكون بعروة . ومع أنهم متعصبون لأنفسهم وجنسهم ، يكرهون أن يمنح الله شيئا من فضله لسواهم ، إلا أنهم - مع هذا - لا يستمسكون بوحدة ، ولا يحفظ بعضهم عهد بعض ، وما من عهد يقطعونه على أنفسهم حتى تند منهم فرقة فتنقض ما أبرموا ، وتخرج على ما أجمعوا :

( أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم ؟ بل أكثرهم لا يؤمنون ) . .

وقد أخلفوا ميثاقهم مع الله تحت الجبل ، ونبذوا عهودهم مع أنبيائهم من بعد ، وأخيرا نبذ فريق منهم عهدهم الذي أبرموه مع النبي [ ص ] أول مقدمه إلى المدينة ؛ وهو العهد الذي وادعهم فيه بشروط معينة ، بينما كانوا هم أول من أعان عليه أعداءه ؛ وأول من عاب دينة ، وحاول بث الفرقة والفتنة في الصف المسلم ، مخالفين ما عاهدوا المسلمين عليه . .

وبئس هي من خلة في اليهود ! تقابلها في المسلمين خلة أخرى على النقيض ، يعلنها رسول الله [ ص ] في قوله " المسلمون تتكافأ دماؤهم ، وهم يد على من سواهم يسعى بذمتهم أدناهم " . . يسعى بذمتهم أدناهم ، فلا يخيس أحد بعهده إذا عاهد ، ولا ينقض أحد عقده إذا أبرم ، ولقد كتب أبو عبيدة - رضي الله عنه - وهو قائد لجيش عمر - رضي الله عنه - وهو الخليفة يقول : إن عبدا أمن أهل بلد بالعراق . وسأله رأيه . فكتب إليه عمر : إن الله عظم الوفاء ، فلا تكونون أوفياء حتى تفوا . . فوفوا لهم وانصرفوا عنهم . . وهذه سمة الجماعة الكريمة المتماسكة المستقيمة . وذلك فرق ما بين أخلاق اليهود الفاسقين وأخلاق المسلمين الصادقين .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَوَكُلَّمَا عَٰهَدُواْ عَهۡدٗا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ} (100)

قوله تعالى : { أوكلما عاهدوا عهدا } الواو واو العطف ، دخلت عليها ألف الاستفهام كما تدخل على الفاء في قوله : { أفحكم الجاهلية

{[998]} " [ المائدة : 50 ] ، { أفأنت تسمع الصم{[999]} } [ الزخرف : 40 ] ، { أفتتخذونه وذريته{[1000]} } [ الكهف : 50 ] . وعلى ثم كقوله : { أثم إذا ما وقع{[1001]} }[ يونس : 51 ] هذا قول سيبويه . وقال الأخفش : الواو زائدة . ومذهب الكسائي أنها أو ، حركت الواو منها تسهيلا . وقرأها قوم أو ، ساكنة الواو فتجيء بمعنى بل ، كما يقول القائل : لأضربنك ، فيقول المجيب : أو يكفي الله . قال ابن عطية : وهذا كله متكلف ، والصحيح قول سيبويه . " كلما " نصب على الظرف ، والمعني في الآية مالك بن الصيف ، ويقال فيه ابن الضيف{[1002]} ، كان قد قال : والله ما أخذ علينا عهد في كتابنا أن نؤمن بمحمد ولا ميثاق ، فنزلت الآية . وقيل : إن اليهود عاهدوا لئن خرج محمد لنؤمن به ولنكونن معه على مشركي العرب ، فلما بعث كفروا به . وقال عطاء : هي العهود التي كانت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين اليهود فنقضوها كفعل قريظة والنضير ، دليله قوله تعالى : { الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون{[1003]} }[ الأنفال : 56 ] .

قوله تعالى : { نبذه فريق منهم } النبذ : الطرح والإلقاء ، ومنه النبيذ والمنبوذ ، قال أبو الأسود :

وخبرني من كنت أرسلت إنما *** أخذت كتابي معرضاً بشمالكا

نظرت إلى عنوانه فنبذته *** كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا

آخر :

إن الذين أمرتهم أن يعدلوا *** نبذوا كتابك واستحلوا المَحْرَما

وهذا مثل يضرب لمن استخف بالشيء فلا يعمل به ، تقول العرب : اجعل هذا خلف ظهرك ، ودبرا منك ، وتحت قدمك ، أي اتركه وأعرض عنه ، قال الله تعالى : { واتخذتموه وراءكم ظهريا{[1004]} } [ هود : 92 ] . وأنشد الفراء :

تميمَُ بنَُ زيد لا تكونن حاجتي *** بظهر فلا يعيا علي جوابها{[1005]}

قوله تعالى : { بل أكثرهم } ابتداء . { لا يؤمنون } فعل مستقبل في موضع الخبر .


[998]:راجع ج 6 ص 214
[999]:راجع ج 8 ص 346
[1000]:راجع ج 10 ص 420
[1001]:راجع ج 8 ص 351.
[1002]:في 1، ب، ح: "الصيت" بالتاء المثناة، وفي ج: "الصيب" بالباء. والتصويب عن سيرة ابن هشام ص 352 طبع أوربا.
[1003]:ج 8 ث 30.
[1004]:ج 9 ص 91
[1005]:البيت للفرزدق يخاطب تميم بن زيد القيني وكان على السند. (عن النقائض ص 381) طبع أوربا.