في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِنَّمَآ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ ٱلۡبَلۡدَةِ ٱلَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُۥ كُلُّ شَيۡءٖۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ} (91)

59

وفي النهاية تجيء الإيقاعات الأخيرة : حيث يلخص الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] دعوته ومنهجه في الدعوة ؛ ويكلهم إلى مصيرهم الذي يرتضونه لأنفسهم بعد ما مضى من بيان ؛ ويختم بحمد الله كما بدأ ، ويدعهم إلى الله يكشف لهم آياته ، ويحاسبهم على ما يعملون :

إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها ، وله كل شيء ، وأمرت أن أكون من المسلمين ، وأن أتلوا القرآن ، فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ، ومن ضل فقل : إنما أنا من المنذرين . وقل : الحمد لله ، سيريكم آياته فتعرفونها . وما ربك بغافل عما تعملون . .

وهم كانوا يدينون بحرمة البلدة الحرام والبيت الحرام ؛ وكانوا يستمدون سيادتهم على العرب من عقيدة تحريم البيت ؛ ثم لا يوحدون الله الذي حرمه وأقام حياتهم كلها عليه .

فالرسول [ صلى الله عليه وسلم ] يقوم العقيدة كما ينبغي أن تقوم ، فيعلن أنه مأمور أن يعبد رب هذه البلدة الذي حرمها ، لا شريك له ؛ ويكمل التصور الإسلامي للألوهية الواحدة ، فرب هذه البلدة هو رب كل شيء في الوجود ( وله كل شيء )ويعلن أنه مأمور بأن يكون من المسلمين . المسلمين كل ما فيهم له . لا شركة فيهم لسواه . وهم الرعيل الممتد في الزمن المتطاول من الموحدين المستسلمين .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّمَآ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ ٱلۡبَلۡدَةِ ٱلَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُۥ كُلُّ شَيۡءٖۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ} (91)

قوله تعالى : " إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها " يعني مكة التي عظم الله حرمتها ، أي جعلها حرما آمنا ، لا يسفك فيها دم ، ولا يظلم فيها أحد ، ولا يصاد فيها صيد ، ولا يعضد فيها شجر ، على ما تقدم بيانه في غير موضع . وقرأ ابن عباس : " التي حرمها " نعتا للبلدة وقراءة الجماعة " الذي " وهو في موضع نصب نعت ل " رب " ولو كان بالألف واللام لقلت المحرِّمِها ؛ فإن كانت نعتا للبلدة قلت المحرمة هو ، لا بد من إظهار المضمر مع الألف واللام ؛ لأن الفعل جرى على غير من هو له ، فإن قلت الذي حرمها لم تحتج أن تقول هو . " وله كل شيء " خلقا وملكا " وأمرت أن أكون من المسلمين " أي من المنقادين لأمره ، الموحدين له