في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُ إِلَيۡكَۖ وَجَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۚ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ} (25)

20

ويمضي السياق يصور حال فريق من المشركين ؛ ويقرر مصيرهم في مشهد من مشاهد القيامة . . يصور حالهم وهم يستمعون القرآن معطلي الإدراك ، مطموسي الفطرة ، معاندين مكابرين ، يجادلون رسول الله [ ص ] وهم على هذا النحو من الاستغلاق والعناد ، ويدعون على هذا القرآن الكريم أنه أساطير الأولين ؛ وينأون عن سماعه وينهون غيرهم عنه أيضا . . يصور حالهم هكذا في الدنيا في صفحة ، وفي الصفحة الأخرى يرسم لهم مشهدا كئيبا مكروبا ؛ وهم موقوفون على النار محبوسون عليها ، وهي تواجههم بهول المصير الرعيب ؛ وهم يتهافتون متخاذلين ؛ ويتهاوون متحسرين ؛ يتمنون لو يردون إلى الدنيا فيكون لهم موقف غير ذلك الموقف ، الذي انتهى بهم إلى هذا المصير . فيردون عن هذا التمني بالتصغير والتحقير :

( ومنهم من يستمع إليك ، وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ، وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ، حتى إذا جاؤوك يجادلونك ، يقول الذين كفروا : إن هذا إلا أساطير الأولين . وهم ينهون عنه وينأون عنه ، وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون . ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا : يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين ! بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ، ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ، وإنهم لكاذبون ) . . إنهما صفحتان متقابلتان : صفحة في الدنيا يرتسم فيها العناد والإعراض ؛ وصفحة في الآخرة يرتسم فيها الندم والحسرة . . يرسمها السياق القرآني ، ويعرضهما هذا العرض المؤثر الموحي ؛ ويخاطب بهما الفطر الجاسية ؛ ويهز بها هذه الفطر هزا ، لعل الركام الذي ران عليها يتساقط ، ولعل مغاليقها الصلدة تتفتح ، ولعلها تفيء إلى تدبر هذا القرآن قبل فوات الأوان .

( ومنهم من يستمع إليك ، وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ، وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ) . .

والأكنة : الأغلفة التي تحول دون أن تتفتح هذه القلوب فتفقه ؛ والوقر : الصمم الذي يحول دون هذه الآذان أن تؤدي وظيفتها فتسمع . .

وهذه النماذج البشرية التي تستمع ؛ ولكنها لا تفقه ، كأن ليس لها قلوب تدرك ؛ وكأن ليس لها آذان تسمع . . نماذج مكرورة في البشرية في كل جيل وفي كل قبيل ، في كل زمان وفي كل مكان . . إنهم أناسي من بني آدم . . ولكنهم يسمعون القول وكأنهم لا يسمعونه . كأن آذانهم صماء لا تؤدي وظيفتها . وكأن إدراكهم في غلاف لا تنفذ إليه مدلولات ما سمعته الآذان !

وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها . حتى إذا جاؤوك يجادلونك . يقول الذين كفروا : إن هذا إلا أساطير الأولين . .

فأعينهم ترى كذلك . ولكن كأنها لا تبصر . أو كأن ما تبصره لا يصل إلى قلوبهم وعقولهم !

فما الذي أصاب القوم يا ترى ؟ ما الذي يحول بينهم وبين التلقي والاستجابة . بينما لهم آذان ولهم عيون ولهم عقول ؟ يقول الله - سبحانه - :

( وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا . وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها )

وهذا يعبر عن قضاء الله فيهم بألا يتلقى إدراكهم هذا الحق ولا يفقهه ؛ وبألا تؤدي أسماعهم وظيفتها فتنقل إلى إدراكهم ما تسمع من هذا الحق فتستجيب له ، مهما يروا من دلائل الهدى وموحيات الإيمان .

غير أنه يبقى أن نلتمس سنة الله في هذا القضاء . . إنه سبحانه يقول : ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) . .

ويقول : ( ونفس وما سواها ، فألهمها فجورها وتقواها ، قد أفلح من زكاها ، وقد خاب من دساها ) . . فشأن الله - سبحانه - أن يهدي من يجاهد ليبلغ الهدى ؛ وأن يفلح من يزكي نفسه ويطهرها . . فأما هؤلاء فلم يتوجهوا إلى الهدى ليهديهم الله ؛ ولم يحاولوا أن يستخدموا أجهزة الاستقبال الفطرية في كيانهم ، فييسر الله لهم الاستجابة . . هؤلاء عطلوا أجهزتهم الفطرية ابتداء ؛ فجعل الله بينهم وبين الهدى حجابا ؛ وجرى قضاؤه فيهم بهذا الذي جرى جزاء على فعلهم الأول ونيتهم الأولى . . وكل شيء إنما يكون بأمر الله . ومن أمر الله أن يهدي من يجاهد ، وأن يفلح من يتزكى . ومن أمر الله أن يجعل على قلوب المعرضين أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ، وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها . . والذين يحيلون ضلالهم وشركهم وخطاياهم على إرادة الله بهم ، وعلى قضائه فيهم ، إنما يغالطون في هذه الإحالة . والله سبحانه يجبههم بالحق ، وهو يحكي أقوالهم في هذا الشأن ويسفهها : ( وقال الذين أشركوا : لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ، ولا حرمنا من دونه من شيء . كذلك فعل الذين من قبلهم . فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ؟ ولقد بعثنا في كل أمة رسولا : أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ، فمنهم من هدى الله ، ومنهم من حقت عليه الضلالة ، فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) . . فدل هذا على إنكار الله عليهم قولهم ؛ وعلى أن الضلالة إنما حقت عليهم - بعد النذارة - بفعلهم . .

والذين أثاروا قضايا القضاء والقدر ، والجبر والاختيار ، وإرادة العبد وكسبه . . ليجعلوا منها مباحث لاهوتية ، تخضع لما تتصوره عقولهم من فروض وتقديرات ، إنما يجانبون منهج القرآن في عرض هذه القضية في صورتها الواقعية التقريرية البسيطة ؛ التي تقرر أن كل شيء إنما يكون بقدر من الله ؛ وأن اتجاه الإنسان على هذا النحو أو ذاك داخل في حدود فطرته التي خلقه الله عليها ، والتي جرى بها قدر الله فكانت على ما كانت عليه ؛ وأن اتجاهه على هذا النحو أو ذاك تترتب عليه نتائج وآثار في الدنيا والآخرة يجري بها قدر الله أيضا ، فتكون . . وبهذا يكون مرجع الأمر كله إلى قدر الله . . ولكن على النحو الذي يرتب على إرادة الإنسان الموهوبة له ما يوقعه قدر الله به . . وليس وراء هذا التقرير إلا الجدل الذي ينتهي إلى المراء !

والمشركون كانت معروضة عليهم أمارات الهدى ودلائل الحق وموحيات الإيمان ، في هذا القرآن ، الذي يلفتهم إلى آيات الله في الأنفس والآفاق ؛ وهي وحدها كانت كفيلة - لو اتجهت إليها قلوبهم - أن توقع على أوتار هذه القلوب ، وأن تهز فيها المدارك الغافية فتوقظها وتحييها ، لتتلقى وتستجيب . . إلا أنهم هم لم يجاهدوا ليهتدوا ؛ بل عطلوا فطرتهم وحوافزها ؛ فجعل الله بينهم وبين موحيات الهدى حجابا ؛ وصاروا حين يجيئون إلى الرسول [ ص ] لا يجيئون مفتوحي الأعين والآذان والقلوب ؛ ليتدبروا ما يقوله لهم تدبر الباحث عن الحق ؛ ولكن ليجادلوا ويتلمسوا أسباب الرد والتكذيب :

( حتى إذا جاؤوك يجادلونك يقول الذين كفروا : إن هذا إلا أساطير الأولين ) . .

والأساطير جمع أسطورة . وكانوا يطلقونها على الحكايات التي تتضمن الخوارق المتعلقة بالألهة والأبطال في قصص الوثنيات . وأقربها إليهم كانت الوثنية الفارسية وأساطيرها .

وهم كانوا يعلمون جيدا أن هذا القرآن ليس بأساطير الأولين . ولكنهم إنما كانوا يجادلون ؛ ويبحثون عن أسباب الرد والتكذيب ؛ ويتلمسون أوجه الشبهات البعيدة . . وكانوا يجدون فيما يتلى عليهم من القرآن قصصا عن الرسل وأقوامهم ؛ وعن مصارع الغابرين من المكذبين . فمن باب التمحل والتماس أوهى الأسباب ، قالوا عن هذا القصص وعن القرآن كله : ( إن هذا إلا أساطير الأولين ) !

وإمعانا في صرف الناس عن الاستماع لهذا القرآن ، وتثبيت هذه الفرية . . فرية أن هذا القرآن إن هو إلا أساطير الأولين . . كان مالك بن النضر ، وهو يحفظ أساطير فارسية عن رستم واسفنديار من أبطال الفرس الأسطوريين ، يجلس مجلسا قريبا من رسول الله [ ص ] وهو يتلو القرآن . فيقول للناس : إن كان محمد يقص عليكم أساطير الأولين ، فعندي أحسن منها ! ثم يروح يقص عليهم مما عنده من الأساطير ، ليصرفهم عن الاستماع إلى القرآن الكريم !

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُ إِلَيۡكَۖ وَجَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۚ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ} (25)

قوله تعالى : " ومنهم من يستمع إليك " أفرد{[6283]} على اللفظ يعني المشركين كفار مكة . " وجعلنا على قلوبهم أكنة " أي فعلنا ذلك بهم مجازاة على كفرهم . وليس المعنى أنهم لا يسمعون ولا يفقهون ، ولكن لما كانوا لا ينتفعون بما يسمعون ، ولا ينقادون إلى الحق كانوا بمنزلة من لا يسمع ولا يفهم . والأكنة الأغطية جمع كنان مثل الأسنة والسنان ، والأعنة والعنان . كننت الشيء في كنه إذا صنته فيه . وأكننت الشيء أخفيته . والكنانة معروفة{[6284]} . والكنة ( بفتح الكاف والنون ) امرأة أبيك ، ويقال : امرأة الابن أو الأخ ؛ لأنها في كنه . " أن يفقهوه " أي يفهموه وهو في موضع نصب ، المعنى كراهية أن يفهموه ، أو لئلا يفهموه{[6285]} . " وفي آذانهم وقرا " عطف عليه أي ثقلا ، يقال منه : وقرت أذنه ( بفتح الواو ) توقر وقرا أي صمت ، وقياس مصدره التحريك إلا أنه جاء بالتسكين . وقد وقر الله أذنه يقرها وقرا ، يقال : اللهم قر أذنه . وحكى أبو زيد عن العرب : أذن موقورة على ما لم يسم فاعله ، فعلى هذا وقرت ( بضم الواو ) . وقرأ طلحة بن مصرف ( وقرا ) بكسر الواو ، أي جعل ، في آذانهم ما سدها عن استماع القول على التشبيه بوقر البعير ، وهو مقدار ما يطيق أن يحمل ، والوقر الحمل ، يقال منه : نخلة موقر وموقرة إذا كانت ذات ثمر كثير . ورجل ذو قرة إذا كان وقورا بفتح الواو ؛ ويقال منه : وقر الرجل ( بقضم القاف ) وقارا ، ووقر ( بفتح القاف ) أيضا .

قوله تعالى : " وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها " أخبر الله تعالى بعنادهم لأنهم لما رأوا القمر منشقا قالوا : سحر ، فأخبر الله عز وجل بردهم الآيات بغير حجة .

قوله تعالى : " حتى إذا جاؤوك يجادلونك " مجادلتهم قولهم : تأكلون ما قتلتم ، ولا تأكلون ما قتل الله ، عن ابن عباس . " يقول الذين كفروا " يعني قريشا ، قال ابن عباس : قالوا للنضر بن الحرث : ] ما يقول محمد ؟ قال : أرى تحريك شفتيه وما يقول إلا أساطير الأولين مثل ما أحدثكم عن القرون الماضية ، وكان النضر صاحب قصص وأسفار ، فسمع أقاصيص في ديار العجم مثل قصة رستم واسفنديار فكان يحدثهم . وواحد الأساطير أسطار كأبيات{[6286]} وأباييت ، عن الزجاج . قال الأخفش : واحدها أسطورة كأحدوثة وأحاديث . أبو عبيدة : واحدها إسطارة . النحاس : واحدها أسطور مثل عثكول{[6287]} . ويقال : هو جمع أسطار ، وأسطار جمع سطر ؛ يقال : سطر وسطر . والسطر الشيء الممتد المؤلف كسطر الكتاب . القشيري : واحدها أسطير . وقيل : هو جمع لا واحد له كمذاكير وعباديد{[6288]} وأبابيل أي ما سطره الأولون في الكتب . قال الجوهري وغيره : الأساطير الأباطيل والترهات . قلت : أنشدني بعض أشياخي :

تطاول ليلي واعْتَرتني وَسَاوِسِي *** لآت أتَى بالتُّرَّهات الأباطيل


[6283]:الزيادة عن ابن عطية، أبو حيان: وحد الضمير في "يستمع" حملا على لفظ "من" وجمعه في "على قلوبهم" حملا على معناها.
[6284]:يعني جعبة السهام، وقبيلة من مضر وبها سميت أرض الكنانة.
[6285]:في ج: يفقهوه.
[6286]:كذا في ا و ب و هـ و ك. وفي ز و ع: أنياب وأنابيب. وكلاهما جمع وجمع الجمع فليتأمل.
[6287]:العثكول: العذق، وقيل: الشمراخ وهو ما عليه البسر من عيدان الكباسة.
[6288]:العباديد والعبابيد بلا واحد من لفظهما: الفرق من الناس، والخيل الذاهبون في كل وجه، والآكام والطرق البعيدة.