في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ ثُمَّ يَتَوَفَّىٰكُمۡۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡ لَا يَعۡلَمَ بَعۡدَ عِلۡمٖ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٞ قَدِيرٞ} (70)

51

ومن الأنعام والأشجار والثمار والنحل والعسل إلى لمسة أقرب إلى أعماق النفس البشرية ، لأنها في صميم ذواتهم : في أعمارهم وأرزاقهم وأزواجهم وبنيهم وأحفادهم . فهم أشد حساسية بها ، وأعمق تأثرا واستجابة لها :

( والله خلقكم ثم يتوفاكم ، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا ، إن الله عليم قدير ) .

( والله فضل بعضكم على بعض في الرزق ، فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء . أفبنعمة الله يجحدون )?

( والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا ، وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ، ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون ؟ ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون ؟ ) . .

واللمسة الأولى في الحياة والوفاة ، وهي متصلة بكل فرد وبكل نفس ؛ والحياة حبيبة ، والتفكر في أمرها قد يرد القلب الصلد إلى شيء من اللين ، وإلى شيء من الحساسية بيد الله ونعمته وقدرته . والخوف عليها قد يستجيش وجدان التقوى والحذر والالتجاء إلى واهب الحياة . وصورة الشيخوخة حين يرد الإنسان إلى أرذل العمر ، فينسى ما كان قد تعلم ، ويرتد إلى مثل الطفولة من العجز والنسيان والسذاجة . هذه الصورة قد ترد النفس إلى شيء من التأمل في أطوار الحياة ، وقد تغض من كبرياء المرء واعتزازه بقوته وعلمه ومقدرته . ويجيء التعقيب : ( إن الله عليم قدير )ليرد النفس إلى هذه الحقيقة الكبيرة . أن العلم الشامل الأزلي الدائم لله ، وأن القدرة الكاملة التي لا تتأثر بالزمن هي قدرة الله . وأن علم الإنسان إلى حين ، وقدرته إلى أجل ، وهما بعد جزئيان ناقصان محدودان .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ ثُمَّ يَتَوَفَّىٰكُمۡۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡ لَا يَعۡلَمَ بَعۡدَ عِلۡمٖ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٞ قَدِيرٞ} (70)

خَلَق الإنسانَ في أحسن تركيب ، وأملح ترتيب ، في الأعضاء الظاهرة والأجزاء الباطنة ، والنور والضياء ، والفهم والذكاء ، ورَزَقَه من العقل والتفكر ، والعلم والتبصر ، وفنون المناقب التي خُصَّ بها من الرأي والتدبير ، ثم في آخر عمره يجعله إلى أرذل العمر مردوداً ، ويرى في كل يوم أَلَماً جديداً .

ويقال : { وَمِنكُم من يُردُّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ } ، وهو : أن يرد إلى الخذلان بعد االتوفيق ؛ فهو يكون في أول أحوال عمره مطيعاً ، ثم يصير في آخر عمره عاصياً .

ويقال : أرذل العمر أن يرغب في عنفوان شبابه في الإرادة ، ويسلك طريق الله مدةً ، ثم تقع له فترةٌ فيفسخ عقد إرادته ، ويرجع إلى طلب الدنيا . وعند القوم هذه رِدَّةٌ في هذا الطريق .

ويقال : أرذلُ العمر ، رغبةُ الشيخ في طلبٍ .

ويقال : أرذلُ العمر ، حُبُّ المرءِ للرياسة .

ويقال : أرذلُ العمر ، اجتماع المظالم على الرجل ، وألا يُرْضِيَ خصومَه .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ ثُمَّ يَتَوَفَّىٰكُمۡۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡ لَا يَعۡلَمَ بَعۡدَ عِلۡمٖ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٞ قَدِيرٞ} (70)

شرح الكلمات :

{ إلى أرذل العمر } : أي أخسه من الهرم والخرف ، والخرف فساد العقل .

المعنى :

/د67

وقوله تعالى في الآية الأخرى ( 70 ) { والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئاً } ، هذه آية أخرى أجل وأعظم في الدلالة على قدرة الله وعلمه وحكمته ورحمته ، وهي موجبة لعبادته وحده ، وملزمة بالإيمان بالبعث الآخر . فخلق الله تعالى لنا وحده ، وهو واحد ونحن لا يحصى لنا عد ، ثم إماتته لنا موتاً حقيقياً يقبض أرواحنا ولا يستطيع أحد أن يموت ، ولا يتوفى أبداً . ثم من مظاهر الحكمة أن يتوفانا من آجال مختلفة اقتضتها الحكمة ؛ لبقاء النوع واستمرار الحياة إلى نهايتها . فمن الناس من يموت طفلاً ، ومنهم من يموت شاباً ، وكلها حسب حكمة الابتلاء والتربية الإلهية ، وآية أخرى : أن منا من يرد إلى أرذل عمره ، أي : أرداه وأخسه ، فيهرم ويخرف ، فيفقد ما كان له من قوة بدنٍ وعقل ، ولا يستطيع أحد أن يخلصه من ذلك إلا الله ، مظهر قدرة ورحمة . أرأيتم لو شاء الله أن يرد الناس كلهم إلى أرذل العمر ، ولو في قرنٍ أو قرنين من السنين ، فكيف تصبح حياة الناس يومئذٍ ؟ وقوله : { إن الله عليم قدير } ، تقرير لعلمه وقدرته ؛ إذ ما نتج وما كان ما ذكره من خلقنا ووفاتنا ، ورد بعضنا إلى أرذل العمر ، إلا بقدرة قادر وعلم عالم ، وهو الله العليم القدير .

/ذ70