( فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ) . .
ذلك أن سنة الله قد جرت على أن لا تقبل التوبة بعد ظهور بأس الله : فهي توبة الفزع لا توبة الإيمان :
( سنة الله التي قد خلت في عباده ) . .
وسنة الله ثابتة لا تضطرب ولا تختلف ولا تحيد عن الطريق .
وعلى هذا المشهد العنيف . مشهد بأس الله يأخذ المكذبين . ومشهدهم يستغيثون ويفزعون ، ويعلنون كلمة الإذعان والتسليم . تختم السورة . فيتناسق هذا الختام مع جوها وظلها وموضوعها الأصيل .
ولقد مررنا في ثنايا السورة بقضايا العقيدة التي تعالجها السور المكية : قضية التوحيد ، وقضية البعث ، وقضية الوحي . . ولكنها لم تكن هي موضوع السورة البارز . إنما كانت المعركة بين الحق والباطل ، والإيمان والكفر ، والصلاح والطغيان ، هي البارزة ، وكانت ملامح المعركة هي التي ترسم " شخصية السورة " . . وسماتها المميزة لها بين سور القرآن . . .
قوله جل ذكره : { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآَثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } . . الآيات .
أمَرَهم بالاعتبار بِمَنْ كانُوا قبلهُمْ ؛ كانوا أشدّ قوةً وأكثر أموالاً وأطولَ أعماراً ، فانجرُّوا في حِبَالِ آمالهم ، فوقعوا في وهْدَة غرورهم ، وما في الحقُّ عن مراده فيهم ، واغتروا بسلامتهم في مُدّةِ ما أرخينا لهم عنان إمهالهم ، ثم فاجأناهُم بالعقوبة ، فلم يُعْجِزُوا لله في مُرادِه منهم .
فلمَّا رأوا شِدَّةَ البأسِ ، ووقعوا مذلّةِ الخيبة واليأس تمنّوا أن لو أُعيدُوا إلى الدنيا من الرأس . . فقابلهم الله بالخيبة ؛ وخرطهم في سِلكِ مَن أبادهم من أهل الشِّرْكِ والسّخْطِ .
{ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا } أي : في تلك الحال ، وهذه { سُنَّةَ اللَّهِ } وعادته { الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ } أن المكذبين حين ينزل بهم بأس الله وعقابه إذا آمنوا ، كان إيمانهم غير صحيح ، ولا منجيًا لهم من العذاب ، وذلك لأنه إيمان ضرورة ، قد اضطروا إليه ، وإيمان مشاهدة ، وإنما الإيمان النافع الذي ينجي صاحبه ، هو الإيمان الاختياري ، الذي يكون إيمانًا بالغيب ، وذلك قبل وجود قرائن العذاب .
{ وَخَسِرَ هُنَالِكَ } أي : وقت الإهلاك ، وإذاقة البأس { الْكَافِرُونَ } دينهم ودنياهم وأخراهم ، ولا يكفي مجرد الخسارة ، في تلك الدار ، بل لا بد من خسران يشقي في العذاب الشديد ، والخلود فيه ، دائما أبدًا .
تم تفسير سورة المؤمن بحمد الله ولطفه ومعونته ، لا بحولنا وقوتنا ، فله الشكر والثناء
{ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ ( 85 ) }
فلم يك ينفعهم إيمانهم هذا حين رأوا عذابنا ؛ وذلك لأنه إيمان قد اضطروا إليه ، لا إيمان اختيار ورغبة ، سنة الله وطريقته التي سنَّها في الأمم كلها أن لا ينفعها الإيمان إذا رأوا العذاب ، وهلك عند مجيء بأس الله الكافرون بربهم ، الجاحدون توحيده وطاعته .
قوله تعالى : { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا } عذابنا ، { سنة الله } قال : نصبها بنزع الخافض ، أي : كسنة الله . وقيل : على المصدر . وقيل : على الإغراء ، أي : احذروا سنة الله ، { التي قد خلت في عباده } وتلك السنة أنهم إذا عاينوا عذاب الله آمنوا ، ولا ينفعهم إيمانهم عند معاينة العذاب . { وخسر هنالك الكافرون } بذهاب الدارين ، قال الزجاج : الكافر خاسر في كل وقت ، ولكنه يتبين لهم خسرانهم إذا رأوا العذاب .
وقد بين - سبحانه - أن إيمانهم هذا لن ينفعهم لأنه جاء فى غير وقته فقال { فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ } شيئا من النفع لأنه إيمان جاء عند معاينة العذاب ، والإِيمان الذى يدعى فى هذا الوقت لا قيمة له ، لأنه جاء فى وقت الاضطرار لافى وقت الاختيار .
ولفظ " سنة " فى قوله - تعالى - : { سُنَّتَ الله التي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ . . . } منصوب على أنه مصدر مؤكد لفعل محذوف .
أى : سن الله - تعالى - ذلك ، وهو عدم نفع الإِيمان عند حلول العذاب سنة ماضية فى الناس ، بحيث لا تتخلف فى أى زمان أو مكان .
{ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الكافرون } أى : فى هذا الوقت الذى ينزل الله - تعالى - فيه العذاب على الكافرين يخسرون كل شئ ، بحيث لا ينفعهم لا أموالهم ولا أولادهم ولا آلهتهم التى كانوا يتوهمون شفاعتها .
وبعد : فهذا تفسير وسيط لسورة " غافر " نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده :
ومثل هذا الإيمان لا يعني صاحبه ولا ينفعه وهو لا يدفع عن المشركين داهية العذاب الأليم . وهو قوله سبحانه { فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ } { سُنَّةَ } منصوب على المصدر . وفعله سنّ يسنُّ سنًّا وسنةً .
والمعنى : أن الله قد سنّ في الكافرين ، أو حكم فيهم أنه لا ينفعهم الإيمان إذا عاينوا العذاب . وبذلك فإن التوبة عقب رؤية العذاب لا تقبل . وفي الحديث : " إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " وذلكم هو حكم الله في الذي يتوب عند معاينة العذاب ، فإن توبته لا قيمة لها .
وقيل : { سُنَّةَ } منصوب على التحذير ؛ أي احذروا سنة الله في إهلاك الكافرين .
قوله : { وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ } إذا نزل العذاب بالكافرين فرأوه وعاينوه أيقنوا حينئذ أنهم خاسرون هلكى وأنهم صائرون إلى العذاب المقيم في النار ، فبئس النُّزُلُ والقرار . {[4039]}