فأما المشهد الثاني فهو المفاجأة الكبرى :
( فلما أتاها نودي من شاطى ء الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة . . )
فها هو ذا يقصد إلى النار التي آنساها ، وها هو ذا في شاطى ء الوادي إلى جوار جبل الطور ، الوادي إلى يمينه ، ( في البقعة المباركة ) . . المباركة ، منذ هذه اللحظة . . ثم هذا هو الكون كله تتجاوب جنباته بالنداء العلوي الآتي لموسى ( من الشجرة )ولعلها كانت الوحيدة في هذا المكان :
( أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين ) :
وتلقى موسى النداء المباشر . تلقاه وحيدا في ذلك الوادي العميق ، في ذلك الليل الساكن . تلقاه يتجاوب به الكون من حوله ، وتمتلىء به السماوات والأرضون . تلقاه لا ندري كيف وبأية جارحة وعن أي طريق . تلقاه ملء الكون من حوله ، وملء كيانه كله . تلقاه وأطاق تلقيه لأنه صنع على عين الله حتى تهيأ لهذه اللحظة الكبرى .
وسجل ضمير الوجود ذلك النداء العلوي ؛ وبوركت البقعة التي تجلى عليها ذو الجلال ؛ و تميز الوادي الذي كرم بهذا التجلي ، ووقف موسى في أكرم موقف يلقاه إنسان .
أخفى تعيين قَدَم موسى على الظنون بهذا الخطاب حيث قال : " من شاطئ الواد الأيمن " ، ثم قال : " في البقعة المباركة " ثم قال " من الشجرة " .
وأخْلِقْ بأن تكون تلك البقعة مباركة ، فعندها سَمِعَ خطابَ مولاه بلا واسطة ؛ وأعِزُّ الأماكنِ في العالمِ مَشْهَدُ الأحباب :
وإني لأهوى الدارَ ما يستعزني *** لها الود إلا أنها من دياركا
ويقال كم قَدَمٍ وَطَئَتْ لك البقعة ، ولكن لم يسمع أصحابُها بها شيئاً ! . . وكم ليلةٍ جَنَّت تلك البقعة ولم يظهر من تلك النار فيها شعلة ! .
ويقال : شتَّان بين شجرة وشجرة ؛ شجرة آدم عندها ظهور محنتِه وفتنتِه ، وشجرة موسى وعندها افتتاح نُبُوَّتِه ورسالتِه ! .
ويقال : لم يأتِ بالتفصيل نوعُ تلك الشجرة ، ولا يُدْرَى ما الذي كانت تثمره ، بل هي شجرة الوصلة ؛ وثمرتها القربة ، وأصلُها في أرض المحبة وفَرْعُها باسِقٌ في سماء الصفوة ، وأوراقها الزلفة ، وأزهارها تَنْفَتِقُ عن نسيم الرَّوْح والبهجة :
فلمَّا سمع موسى تغيَّر عليه الحال ؛ ففي القصة : أنه غُشِي عليه ، وأرسل اللَّهُ إليه الملائكة لِيُرِّوحوه بمراوح الأُنْس ، وهذا كان في ابتداء الأمر ، والمبتدئ مرفوقٌ به . وفي المرة الأخرى خرَّ موسى صَعِقاً ، وكان يفيق والملائكة تقوله له : يا ابن الحيض . أمثلك مَنْ يسأل الرؤية ؟ ! .
وكذا الحديث والقصة ؛ في البداية لُطْفٌ وفي النهاية عُنْفٌ ، في الأولِ خَتْل وفي الآخرِ قَتْل ، كما قيل :
شاطئ : جانب الوادي الأيمن بالنسبة لموسى .
الأيمن : اليمين : الجهة اليمنى بالنسبة لموسى ، وقيل : الأيمن ، أي : المبارك ، من اليمن بمعنى البركة .
البقعة : قطعة الأرض ، التي عليها الشجرة الكائنة بشاطئ الوادي .
30-{ فلما آتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين }
عندما اقترب موسى من النار ، وجد النار نورا أثيريا ، وسمع نداء الحق سبحانه وتعالى ، من جانب الوادي الأيمن في ذلك المكان المبارك من ناحية الشجرة .
{ أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين } .
لقد كان النداء من الله متفضلا بالرسالة على موسى ، وناداه الله تعالى : { إني أنا الله رب العالمين } .
أنا الله الخالق الرازق الواهب الماجد المحيي المميت ، { رب العالمين } خالق الإنس والجن والطير والكون ، والليل والنهار والبحار وسائر الموجودات .
وفي سورة طه : { فلما آتاها نودي يا موسى*إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى ، وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى*إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري } [ طه : 11-14 ] .
وفي سورة النمل : { نودي أن بورك في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين* يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم } [ النمل : 8 ، 9 ] .
جاء في التفسير الوسيط : بإشراف مجمع البحوث بالأزهر :
ذهب الإمام إلى أن الله تعالى حكى في كل من هذه السور بعض ما اشتمل عليه النداء ، لما أن المطابقة بين ما في المواضع الثلاثة تحتاج إلى تكلف ما .
ومثل هذا يقال فيما تكرر ذكره من القصص في القرآن الكريم ، مع اختلاف التعبير فيه ، لأن كل سورة تعني عند ذكر القصة بالجانب الذي تسوقها من أجله والتعبير الذي يناسبه .
إن المقام مقام تجل إلهي ، رب كريم يناجي عبدا من عباده اصطفاه للرسالة ، وصنعه على عينه ، ويسر له المجيء إلى هذا المكان المبارك ، الذي بورك بالرسالة وبكلام الله لموسى ، إلى جوار جبل الطور ، والوادي إلى يمين موسى في بقعة مباركة قد باركها الله منذ هذه اللحظة ، عند شجرة وحيدة في ذلك المكان .
{ أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين }
وسجل ضمير الوجود ذلك النداء العلوي ، وبوركت البقعة التي تجلّى عليها ذو الجلال ، وتميز الوادي الذي كرّم بهذا التجلي ، ووقف موسى في أكرم موقف يلقاه إنسانxi .
{ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ( 30 ) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنْ الآمِنِينَ ( 31 ) }
فلما أتى موسى النار ناداه الله من جانب الوادي الأيمن لموسى في البقعة المباركة من جانب الشجرة : أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين ،
قوله : { فلمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ } لما أتى موسى النار التي أبصرها نودي من الجانب الذي عن يمينه ؛ أي عن يمين موسى لدى مسيره ، وقيل : الأيمن ، من اليمين وهو البركة ، ضد الأشأم .
والشاطئ صفة الوادي والنهر ، أي حافته ، وكذلك الشط والساحل بمعنى{[3499]} . لقد جاء النداء من جانب الوادي مما يلي الجبل عن يمين موسى { فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ } أي في القطعة من الأرض التي خصت بالبركة ، لما جعل الله فيا من الآيات .
قوله : { مِنَ الشَّجَرَةِ } { الشَّجَرَةِ } ، بدل اشتمال من شاطئ . فالشاطئ كان مشتملا على الشجرة ؛ لأنها كانت نابتة فيه .
قوله : { أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } { أن } ، مخففة من الثقيلة . والأصل بأنه يا موسى . وقيل : { أن } تفسيرية ؛ فقد ناداه الله النداء الكريم المبارك المجلجل { إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } أي اعلم أني مالك كل شيء ، وبيدي مقاليد السماوات والأرض وما فيهن وما بينهن . لقد سمع موسى ذلك من الله مباشرة من غير توسيط ملك أو غيره . فصار بذلك كليما ؛ إذ كلمه ربه تكليما ، تكريما له وتعظيما ؛ ولا حاجة بعد ذلك إلى التكلف في تأويل المراد بالكلام أو النداء الذي سمعه موسى . وما ينبغي في مثل ذلك إلا الركون إلا ظاهر العبارة القرآنية وكفى{[3500]} .