فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا : لولا أوتي مثلما أوتي موسى ! أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل ? قالوا : سحران تظاهرا ، وقالوا : إن بكل كافرون . .
وهكذا لم يذعنوا للحق ، واستمسكوا بالتعلات الباطلة : قالوا : لولا أوتي مثلما أوتي موسى إما من الخوارق المادية ، وإما من الألواح التي نزلت عليه جملة ، وفيها التوراة كاملة .
ولكنهم لم يكونوا صادقين في حجتهم ، ولا مخلصين في اعتراضهم : ( أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل ? )ولقد كان في الجزيرة يهود ، وكان معهم التوراة ، فلم يؤمن لهم العرب ، ولم يصدقوا بما بين أيديهم من التوراة . ولقد علموا أن صفة محمد [ صلى الله عليه وسلم ] مكتوبة في التوراة ، واستفتوا بعض أهل الكتاب فيما جاءهم به فأفتوهم بما يفيد أنه الحق ، وأنه مطابق لما بين أيديهم من الكتاب ؛ فلم يذعنوا لهذا كله ، وادعوا أن التوراة سحر ، وأن القرآن سحر ، وأنهما من أجل هذا يتطابقان ، ويصدق أحدهما الآخر :
( قالوا : سحران تظاهرا . وقالوا : إنا بكل كافرون ) !
فهو المراء إذن واللجاجة ، لا طلب الحق ولا نقصان البراهين ، ولا ضعف الدليل .
{ فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ } الذي لا شك فيه { مِنْ عِنْدِنَا } وهو القرآن ، الذي أوحيناه إليك { قَالُوا } مكذبين له ، ومعترضين بما ليس يعترض به : { لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى } أي : أنزل عليه كتاب من السماء جملة واحدة . أي : فأما ما دام ينزل متفرقا ، فإنه ليس من عند اللّه . وأي : دليل في هذا ؟ وأي : شبهة أنه ليس من عند اللّه ، حين نزل مفرقا ؟
بل من كمال هذا القرآن ، واعتناء اللّه بمن أنزل عليه ، أن نزل متفرقا ، ليثبت اللّه به فؤاد رسوله ، ويحصل زيادة الإيمان للمؤمنين { وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا } وأيضا ، فإن قياسهم على كتاب موسى ، قياس قد نقضوه ، فكيف يقيسونه على كتاب كفروا به ولم يؤمنوا ؟ ولهذا قال { أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا } أي : القرآن والتوراة ، تعاونا في سحرهما ، وإضلال الناس { وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ } فثبت بهذا أن القوم يريدون إبطال الحق بما ليس ببرهان ، وينقضونه بما لا ينقض ، ويقولون الأقوال المتناقضة المختلفة ، وهذا شأن كل كافر . ولهذا صرح أنهم كفروا بالكتابين والرسولين ، ولكن هل كفرهم بهما كان طلبا للحق ، واتباعا لأمر عندهم خير منهما ، أم مجرد هوى ؟ .
قوله تعالى : { فَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ ( 48 ) قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ( 49 ) فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 50 ) وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } .
يخبر الله عن ظلم المشركين وشدة عنادهم وجحودهم عقب نزول القرآن هدية لهم وإخراجا لهم من الظلمات إلى النور ، فلجوا في التعنت والخصام والتكذيب وقالوا : { لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى } أي هلا أوتي محمد من الآيات مثل ما أوتي موسى ، وهم يعنون بذلك : المعجزات التي آتيها موسى عليه السلام كالعصا ، واليد ، والطوفان ، وتظليل الغمام ، وإنزال المن والسلوى ، وغير ذلك من الدلائل الظاهرة التي جعلها الله لنبيه وكليمه موسى ؛ ليُحاج بها فرعون وملأه من الظالمين . فرد الله عليهم مشعرا بأن ما قالوه ليس إلا التعنت المجرد والخصومة الفاجرة { أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى } يعني : أو لم يكفر أبناء جنسهم في الملة والمذهب ، وهم الذين كفروا من قبلهم في زمن موسى ، فكان مذهبهم كمذهبهم في التكذيب والعناد . فهؤلاء وأولئك جميعا بعضهم من بعض في الكفر وفي الإعراض عن دين الله . فقد قال الذين من قبلهم { سِحْرَانِ تَظَاهَرَا } يعنون موسى وهارون أو التوراة والقرآن { تظاهرا } أي تعاونا بتصديق كل واحد منهما الآخر وتأييده . وقد ذكر أن أهل مكة بعثوا رهطا منهم إلى رؤساء اليهود فسألوهم عن شأن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا : إنا نجده في التوراة بنعته وصفته . فلما رجع الرهط وأخبروا قريشا بقول اليهود ، قالوا ذلك ، وهو أن ما أوتيه محمد وما أوتيه موسى قد تعاونا في توافقهما ليصدق كل منهما الآخر { إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ } أي كفرنا بالاثنين أو بكل واحد من الكتابين .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.