في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{هَٰذَا بَلَٰغٞ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِۦ وَلِيَعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ} (52)

28

وفي النهاية تختم السورة بمثل ما بدأت ، ولكن في إعلان عام جهير الصوت ، عالي الصدى ، لتبليغ البشرية كلها في كل مكان :

( هذا بلاغ للناس ، ولينذروا به ، وليعلموا أنما هو إله واحد ، وليذكر أولو الألباب )

إن الغاية الأساسية من ذلك البلاغ وهذا الإنذار ، هي أن يعلم الناس ( أنما هو إله واحد ) فهذه هي قاعدة دين الله التي يقوم عليها منهجه في الحياة .

وليس المقصود بطبيعة الحال مجرد العلم ، إنما المقصود هو إقامة حياتهم على قاعدة هذا العلم . . المقصود هو الدينونة لله وحده ، ما دام أنه لا إله غيره . فالإله هو الذي يستحق أن يكون ربا - أي حاكما وسيدا ومتصرفا ومشرعا وموجها - وقيام الحياة البشرية على هذه القاعدة يجعلها تختلف اختلافا جوهريا عن كل حياة تقوم على قاعدة ربوبية العباد للعباد - أي حاكمية العباد للعباد ودينونة العباد للعباد - وهو اختلاف يتناول الاعتقاد والتصور ، ويتناول الشعائر والمناسك ؛ كما يتناول الأخلاق والسلوك ، والقيم والموازين ؛ وكما يتناول الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وكل جانب من جوانب الحياة الفردية والجماعية على السواء .

إن الاعتقاد بالألوهية الواحدة قاعدة لمنهج حياة متكامل ؛ وليس مجرد عقيدة مستكنة في الضمائر . وحدود العقيدة أبعد كثيرا من مجرد الاعتقاد الساكن . . إن حدود العقيدة تتسع وتترامى حتى تتناول كل جانب من جوانب الحياة . . وقضية الحاكمية بكل فروعها في الإسلام هي قضية عقيدة . كما أن قضية الأخلاق بجملتها هي قضية عقيدة . فمن العقيدة ينبثق منهج الحياة الذي يشتمل الأخلاق والقيم ؛ كما يشتمل الأوضاع والشرائع سواء بسواء . .

ونحن لا ندرك مرامي هذا القرآن قبل أن ندرك حدود العقيدة في هذا الدين ، وقبل أن ندرك مدلولات : " شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله " على هذا المستوى الواسع البعيد الآماد . وقبل أن نفهم مدلول : العبادة لله وحده ؛ ونحدده بأنه الدينونة لله وحده ؛ لا في لحظات الصلاة ، ولكن في كل شأن من شؤون الحياة !

إن عبادة الأصنام التي دعا إبراهيم - عليه السلام - ربه أن يجنبه هو وبنيه إياها ، لا تتمثل فقط في تلك الصورة الساذجة التي كان يزاولها العرب في جاهليتهم ، أو التي كانت تزاولها شتى الوثنيات في صور شتى ، مجسمة في أحجار أو أشجار ، أو حيوان أو طير ، أو نجم أو نار ، أو أرواح أو أشباح .

إن هذه الصور الساذجة كلها لا تستغرق كل صور الشرك بالله ، ولا تستغرق كل صور العبادة للأصنام من دون الله . والوقوف بمدلول الشرك عند هذه الصور الساذجة يمنعنا من رؤية صور الشرك الأخرى التي لا نهاية لها ؛ ويمنعنا من الرؤية الصحيحة لحقيقة ما يعتور البشرية من صور الشرك والجاهلية الجديدة !

ولا بد من التعمق في إدراك طبيعة الشرك وعلاقة الأصنام بها ؛ كما أنه لا بد من التعمق في معنى الأصنام ، وتمثل صورها المتجددة مع الجاهليات المستحدثة !

إن الشرك بالله - المخالف لشهادة أن لا إله إلا الله - يتمثل في كل وضع وفي كل حالة لا تكون فيها الدينونة في كل شأن من شؤون الحياة خالصة لله وحده . ويكفي أن يدين العبد لله في جوانب من حياته ، بينما هو يدين في جوانب أخرى لغير الله ، حتى تتحقق صورة الشرك وحقيقته . . وتقديم الشعائر ليس إلا صورة واحدة من صور الدينونة الكثيرة . . والأمثلة الحاضرة في حياة البشر اليوم تعطينا المثال الواقعي للشرك في أعماق طبيعته . . إن العبد الذي يتوجه لله بالاعتقاد في ألوهيته وحده ؛ ثم يدين لله في الوضوء والطهارة والصلاة والصوم والحج وسائر الشعائر . بينما هو في الوقت ذاته يدين في حياته الاقتصادية و السياسية والاجتماعيةلشرائع من عند غير الله . ويدين في قيمه وموازينه الاجتماعية لتصورات واصطلاحات من صنع غير الله . ويدين في أخلاقه وتقاليده وعاداته وأزيائه لأرباب من البشر تفرض عليه هذه الأخلاق والتقاليد والعادات والأزياء - مخالفة لشرع الله وأمره - إن هذا العبد يزاول الشرك في أخص حقيقته ؛ ويخالف عن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله في أخص حقيقتها . . وهذا ما يغفل عنه الناس اليوم فيزاولونه في ترخص وتميع ، وهم لايحسبونه الشرك الذي كان يزاوله المشركون في كل زمان ومكان !

والأصنام . . ليس من الضروري أن تتمثل في تلك الصور الأولية الساذجة . . فالأصنام ليست سوى شعارات للطاغوت ، يتخفى وراءها لتعبيد الناس باسمها ، وضمان دينونتهم له من خلالها . .

إن الصنم لم يكن ينطق أو يسمع أو يبصر . . إنما كان السادن أو الكاهن أو الحاكم يقوم من ورائها ؛ يتمتم حولها بالتعاويذ والرقي . . ثم ينطق باسمها بما يريد هو أن ينطق لتعبيد الجماهير وتذليلها !

فإذا رفعت في أي أرض وفي أي وقت شعارات ينطق باسمها الحكام والكهان ، ويقررون باسمها ما لم يأذن به الله من الشرائع والقوانين والقيم والموازين والتصرفات والأعمال . . . فهذه هي الأصنام في طبيعتها وحقيقتها ووظيفتها !

إذا رفعت " القومية " شعارا ، أو رفع " الوطن " شعارا ، أو رفع " الشعب " شعارا ، أو رفعت " الطبقة " شعارا . . . ثم أريد الناس على عبادة هذه الشعارات من دون الله ؛ وعلى التضحية لها بالنفوس والأموال والأخلاق والأعراض . بحيث كلما تعارضت شريعة الله وقوانينه وتوجيهاته وتعليماته مع مطالب تلك الشعارات ومقتضياتها ، نحيت شريعة الله وقوانينه وتوجيهاته وتعاليمه ، ونفذت إرادة تلك الشعارات - أو بالتعبير الصحيح الدقيق : إرادة الطواغيت الواقفة وراء هذه الشعارات - كانت هذه هي عبادة الأصنام من دون الله . . فالصنم ليس من الضروري أن يتمثل في حجر أو خشبة ؛ ولقد يكون الصنم مذهبا أو شعارا !

إن الإسلام لم يجيء لمجرد تحطيم الأصنام الحجرية والخشبية ! ولم تبذل فيه تلك الجهود الموصولة ، من موكب الرسل الموصول ؛ ولم تقدم من أجله تلك التضحيات الجسام وتلك العذابات والآلام ، لمجرد تحطيم الأصنام من الأحجار والأخشاب !

إنما جاء الإسلام ليقيم مفرق الطريق بين الدينونة لله وحده في كل أمر وفي كل شأن ؛ وبين الدينونة لغيره في كل هيئة وفي كل صورة . . ولا بد من تتبع الهيئات والصور في كل وضع وفي كل وقت لإدراك طبيعة الأنظمة والمناهج القائمة ، وتقرير ما إذا كانت توحيدا أم شركا ؟ دينونة لله وحده أم دينونة لشتى الطواغيت والأرباب والأصنام !

والذين يظنون أنفسهم في " دين الله " لأنهم يقولون بأفواههم " نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله " ، ويدينون لله فعلا في شؤون الطهارة والشعائر والزواج والطلاق والميراث . . بينما هم يدينون فيما وراء هذا الركن الضيق لغير الله ؛ ويخضعون لشرائع لم يأذن بها الله - وكثرتها مما يخالف مخالفة صريحة شريعة الله - ثم هم يبذلون أرواحهم وأموالهم وأعراضهم وأخلاقهم - أرادوا أم لم يريدوا - ليحققوا ما تتطلبه منهم الأصنام الجديدة . فإذا تعارض دين أو خلق أو عرض مع مطالب هذه الأصنام ، نبذت أوامر الله فيها ونفذت مطالب هذه الأصنام . . .

الذين يظنون أنفسهم " مسلمين " وفي " دين الله " وهذا حالهم . . عليهم أن يستفيقوا لما هم فيه من الشرك العظيم ! ! !

إن دين الله ليس بهذا الهزال الذي يتصوره من يزعمون أنفسهم " مسلمين " في مشارق الأرض ومغاربها ! إن دين الله منهج شامل لجزئيات الحياة اليومية وتفصيلاتها . والدينونة لله وحده في كل تفصيل وكل جزئية من جزئيات الحياة اليومية وتفصيلاتها - فضلا على أصولها وكلياتها - هي دين الله ، وهي الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه .

وإن الشرك بالله لا يتمثل فحسب في الاعتقاد بألوهية غيره معه ؛ ولكنه يتمثل ابتداء في تحكيم أرباب غيره معه . .

وإن عبادة الأصنام لا تتمثل في إقامة أحجار وأخشاب ؛ بقدر ما تتمثل في إقامة شعارات لها كل ما لتلك الأصنام من نفوذ ومقتضيات !

ولينظر الناس في كل بلد لمن المقام الأعلى في حياتهم ؟ ولمن الدينونة الكاملة ؟ ولمن الطاعة والاتباع والامتثال ؟ . . فإن كان هذا كله لله فهم في دين الله . وإن كان لغير الله - معه أو من دونه - فهم في دين الطواغيت والأصنام . . والعياذ بالله . . !

( هذا بلاغ للناس ، ولينذروا به . وليعلموا أنما هو إله واحد ، وليذكر أولو الألباب . . )

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{هَٰذَا بَلَٰغٞ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِۦ وَلِيَعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ} (52)

{ هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب } .

تأتي هذه الآية في ختام سورة إبراهيم ، التي تحدثت عن رسالة الرسل وموقفهم من المنكرين ، ورسمت صورة مؤلمة للظالمين ، وختمت السورة بهذه الآية ، وفيها رنين وإيقاع متميز ، يوضح أهداف الرسالات السماوية ، في سورة إبراهيم ، أو في القرآن الكريم ، فهذه السورة{ بلاغ للناس } ، أي : تبليغ ودعوة وإعلام بهذا الكتاب ، كما قال سبحانه : { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } ( المائدة : 67 ) .

{ ولينذروا به } .

أي : ليكون نذيرا للظالمين ، وتنبيها للكافرين ؛ ليتأملوا ما أصاب الأمم السابقة في الدنيا ، وما يصيب الظالمين يوم القيامة .

وفي هذا المعنى يقول تعالى : { الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا* قيّما لينذر بأسا شديدا من لدنه . . . }( الكهف : 2 ، 1 ) .

{ وليعلموا أنما هو إله واحد } .

ليعلم الناس أن خالق هذا الكون البديع المنظم ، إنما هو إله واحد لا شريك له ، ولا ندّ له ، ولا مثيل ، ولو كان معه آلهة أخرى ؛ لاختلّ نظام الكون واضطرب .

قال تعالى : { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } ( الأنبياء : 22 ) .

{ وليذكر أولوا الألباب } .

أي : ليتعظ ويستفد من هذا الكتاب أصحاب العقول الفاقهة ، والقلوب المتفتحة ؛ فإنما يستفيد بالرسالات والكتب السماوية أصحاب العقول ، والقلوب التي تفتحت وآمنت ، وتزودت بالعلم والتقوى .

قال الإمام الرازي : هذه الآية دالة على : أنه لا فضيلة للإنسان إلا بسبب عقله ؛ فقد بين القرآن : أن الله إنما أنزل هذه الكتب وإنما بعث الرسل ؛ لتذكير أولي الألباب . . . 37 .

ختام السورة:

في ختام سورة إبراهيم

تلك سورة إبراهيم الخليل التي اشتملت على ما يأتي :

( أ‌ ) هداية الناس إلى معرفة ربهم الخالق للسماوات والأرض .

( ب‌ ) بيان : أن الرسل إنما يرسلون بلغات قومهم ؛ ليسهل عليهم فهم الأوامر والنواهي .

( ج‌ ) التذكير بأيام الله ؛ ببيان : ما حدث للرسل مع أقوامهم ؛ تسلية للرسول الأمين ، وتحذيرا لجميع الكافرين والمشركين .

( د )وعيد الكافرين بالعذاب ، ووعد المؤمنين بجنات النعيم .

( ه ) دعوة إبراهيم إلى التوحيد ونبذ الأصنام ، ثم شكره على ما وهبه الله من الأولاد على كبر سنه ، ثم طلبه المغفرة له ولوالديه وللمؤمنين يوم العرض والحساب .

( و ) رسمت صورة للظالمين ، وما يلقونه من النكال والعذاب ، وأفلحت السورة في عرض المشهد ماثلا أمام العيان .

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ، تم تفسير سورة إبراهيم ، بجامعة السلطان قابوس ، بسلطنة عمان مسقط ، في مساء يوم الأربعاء الأول من شهر رمضان المبارك عام 1415ه / الموافق الأول من فبراير 1995 م .

والحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يرضى ربنا ويحب .

اللهم ، تقبل أعمالنا وصلاتنا وصيامنا ، واجعل عملنا خالصا لوجهك الكريم ، وألهمنا التوفيق والقبول ، وأعنا على أعمالنا ، ويسر لنا إتمام تفسير القرآن الكريم ، بفضلك ومنك وتوفيقك وعونك يا رب العالمين .

{ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب } ( هود : 88 ) .

وصل اللهم على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم .

اللهم ، إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئا نعلمه ، ونستغفرك لما لا نعلمه .

تخريج أحاديث وهوامش

تفسير القرآن الكريم

( الجزء الثالث عشر )

خرج أحاديثه

الأستاذ

كمال سعيد فهمي

1 أهداف كل سورة ، د/ عبد الله شحاتة .

2 لم يبعث الله نبيا إلا بلغة قومه :

رواه أحمد في مسنده ( 20901 ) من حديث أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لم يبعث الله نبيا إلا بلغة قومه ) .

3 عجبا لأمر المؤمن :

أخرجه مسلم ( 2999 ) ، وأحمد( 23412 ، 23406 ، 18460 ، 18455 ) ، والدارمي ( 2777 ) ، من حديث صهيب بن سنان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن ؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ) .

4 من أعطى الشكر لم يمنع الزيادة :

قال الهيثمي في المجمع : عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أعطى أربعا ؛ أعطى أربعا ، وتفسير ذلك في كتاب الله تعالى ؛ من أعطى الذكر ؛ ذكره الله عز وجل ؛ لأن الله تعالى يقول : { فاذكروني أذكركم } ، ومن أعطى الدعاء ؛ أعطى الإجابة ؛ لأن الله تعالى يقول : { ادعوني أستجب لكم } ، ومن أعطى الشكر ؛ أعطى الزيادة ؛ لأن الله تعالى يقول : { لأن شكرتم لأزيدنكم } ، ومن أعطى الاستغفار ؛ أعطى المغفرة ؛ لأن الله تعالى يقول : { استغفروا ربكم إنه كان غفارا } ) ، وقال : رواه الطبراني في الصغير والأوسط وفيه : محمود بن العباس وهو ضعيف ، وذكره السيوطي في الدر المنثور وزاد نسبته لابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان : عن ابن مسعود . وقال السيوطي في الدر المنثور : وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإيمان ، عن أبي زهير يحيى بن عطارد بن مصعب ، عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما أعطى أحد أربعة فمنع أربعة ، ما أعطى أحد الشكر فمنع الزيادة ؛ لأن الله تعالى يقول : { لئن شكرتم لأزيدنكم } ، وما أعطى أحد الدعاء فمنع الإجابة ؛ لأن الله يقول : { ادعوني أستجب لكم } ، وما أعطى أحد الاستغفار فمنع المغفرة ؛ لأن الله يقول : { استغفروا ربكم إنه كان غفارا } ، وما أعطى أحد التوبة فمنع التقبل ؛ لأن الله يقول : { هو الذي يقبل التوبة عن عباده } ، قال السيوطي في الدر المنثور أيضا : وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله : ( أربع من أعطين ؛ لم يمنع من الله أربعا : من أعطى الدعاء ؛ لم يمنع الإجابة ، قال الله{ ادعوني أستجب لكم } ، ومن أعطى الاستغفار ؛ لم يمنع المغفرة ، قال الله تعالى : { استغفروا ربكم إنه كان غفارا } ، ومن أعطى الشكر ؛ لم يمنع الزيادة ، قال الله : { لئن شكرتم لأزيدنكم } ، ومن أعطى التوبة ؛ لم يمنع القبول ، قال الله : { وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات } .

5 إن العبد ليحرم الرزق بالذنب :

رواه ابن ماجة في الفتن ( 4022 ) ، وأحمد في مسنده ( 5/282 ، 280 ) .

6 لو أن أولكم وآخركم :

رواه مسلم في البر والصلة والآداب ( 2577 ) ، والترمذي في صفة القيامة ( 2459 ) ، وابن ماجة ح( 4275 ) ، وأحمد ( 5/177 ، 160 ، 154 ) ، وعبد الرزاق ح( 20272 ) ، من حديث أبي ذر . وأوله : " يا عبادي ، إني حرمت الظلم على نفسي " .

7 من آذى جاره ؛ أورثه الله داره :

قال العجلوني في كشف الخفاء ( 2342 ) : كذا رأيته في كلام بعض من جمع في الحديث ممن لا يعرف ، لكن بلفظ ورثه بتشديد الراء ، فلينظر حاله ، ثم رأيت النجم قال : أورده في الكشاف ، ولعله مثل سائر وليس بحديث ومأخذه في كتاب الله من قوله تعالى : { وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم } .

8 تفسير ابن كثير 2/526 ، نشر مكتبة الكليات الأزهرية القاهرة .

9 أخمص القدم : ما تجافى عن الأرض وهو بوزن ( أحمد ) .

10 إن أهون أهل النار عذابا :

رواه البخاري في الرقاق ( 6562 ، 6561 ) ، ومسلم في الإيمان ( 213 ) ، والترمذي في صفة جهنم ( 2604 ) وأحمد في مسنده( 17923 ) من حديث النعمان بن بشير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن أهون أهل النار عذابا من له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما دماغه ، كما يغلي المرجل ، ما يرى أن أحدا أشد منه عذابا ، وإنه لأهونهم عذابا ) .

11 { مثل } مبتدأ ، و{ وأعمالهم } مبتدأ ثان ، و{ كرماد } خبر المبتدأ لثاني .

12 يقصد العباس بقوله : ما أغنيت عن عمك أبا طالب ، ومعنى : يحوطك : يصونك من المشركين بالدفاع عنك .

ضحضاح النار : النار القليلة جدا بالنسبة إلى غيره من أصحاب النار .

الدرك الأسفل : أقصى قاع جهنم .

13 انظر : تفسير المنار الفهرس الأبجدي لعذاب النار ، وتفسير الآلوسي للآية 8 ، 7 ، من سورة الزلزلة ، والتفسير الوسيط ، تأليف لجنة من علماء الأزهر ، سورة إبراهيم ص481 .

14 يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا :

رواه البخاري في الرقاق ( 6527 ) ، ومسلم في الجنة( 2859 ) ، والنسائي في الجنائز ( 2083 ) ، وابن ماجة في الزهد ( 4286 ) ، وأحمد في مسنده ( 23744 ) ، من حديث عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تحشرون حفاة عراة غرلا ، قالت عائشة ، فقلت : يا رسول الله : الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض ! فقال : ( الأمر أشد من أن يهمهم ذاك ) . ورواه البخاري في أحاديث الأنبياء ( 3349 ) ومسلم في الجنة ( 2860 ) ، والترمذي في صفة القيامة ( 2423 ) ، وفي تفسير القرآن( 3332 ) ، والنسائي في الجنائز ( 2081 ) ، والدارمي في الرقاق ( 2802 ) ، وأحمد في مسنده ( 2097 ، 1916 ) ، من حديث ابن عباس : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إنكم محشورون حفاة عراة غرلا ثم قرأ : { كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين } ، وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم ، وإن أناسا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال ، فأقول : أصحابي أصحابي ! فيقول : إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم ، فأقول كما قال العبد الصالح : { وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني . . . إلى قوله : العزيز الحكيم } ، ورواه الدارمي في الرقاق( 2800 ) من حديث ابن مسعود : عن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له : ما المقام المحمود ؟ قال : ( ذاك يوم ينزل الله تعالى على كرسيه يئط كما يئط الرجل الجديد من تضايقه به وهو كسعة ما بين السماء والأرض ويجاء بكم حفاة عراة غرلا ، فيكون أول من يكسى إبراهيم يقول الله تعالى : اكسوا خليلي فيؤتى بربطتين بيضاوين من رباط الجنة ، ثم أكسى على إثره ، ثم أقوم عن يمين الله مقاما يغبطني الأولون والآخرون ) .

15 انظر : تفسير ابن كثير .

16 د . محمد سيد طنطاوي ، تفسير سورة إبراهيم ص 56 نقلا عن تفسير الفخر الرازي .

17 لن يدخل أحدا عمله الجنة ؛ قالوا : ولا أنت ؟ ! :

رواه البخاري في المرضى ( 5673 ) ، ومسلم في صفة القيامة والجنة والنار ( 2816 ) ، من حديث أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لن يدخل أحدا عمله الجنة ، قالوا : ولا أنت يا رسول الله ، قال : لا ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة ؛ فسددوا وقاربوا ولا يتمنين أحدكم الموت ؛ إما محسنا فلعله أن يزداد خيرا ، وإما مسيئا فلعله أن يستعتب ) .

18 انظر : تفسير الطبري ، وفيه ما ورد في البخاري : أن المؤمن يثبت على شهادة : ألا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله .

19 قال : المسلم إذا سئل في القبر ؛ يشهد :

رواه البخاري في الجنائز ( 1369 ) ، وفي التفسير ( 4699 ) ، ومسلم في الجنة ( 2871 ) ، من حديث البراء بن عازب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( المسلم إذا سئل في القبر ؛ يشهد : أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، فذلك قوله{ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة } ) .

20 إن العبد إذا وضع في القبر وتولى عنه أصحابه ، إنه ليسمع قرع :

رواه البخاري في الجنائز ( 1374 ، 1338 ) ، ومسلم في الجنة ( 2870 ) ، وأبو داود في الجنائز ( 3231 ) ، وفي السنة ( 4751 ) ، والنسائي في الجنائز ( 2049 ) ، وأحمد في مسنده ( 11862 ) ، من حديث أنس رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( العبد إذا وضع في قبره وتولى وذهب أصحابه ، حتى إنه ليسمع قرع نعالهم ، أتاه ملكان فأقعداه فيقولان له : ما كنت تقول في هذا الرجل محمد صلى الله عليه وسلم ، فيقول : أشهد أنه عبد الله ورسوله ، فيقال : انظر إلى مقعدك من النار ؛ أبدلك الله به مقعدا من الجنة ! ) ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : فيراهما جميعا ، وأما الكافر ، أو المنافق فيقول : لا أدري ، كنت أقول ما يقول الناس فيقال : لا دريت ولا تليت ! ثم يضرب بمطرقة من حديث ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين ) ، وأحمد في مسنده ( 8358 ) ، من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنه ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا ) . ورواه أبو داود في السنة ( 4753 ) من حديث البراء .

21 الثقلان هما : الإنس والجن ، والحكمة في عدم سماعهما : الامتحان ، والابتلاء ، والإمهال ؛ حتى تجزى كل نفس بما تسعى .

22 زبدة التفسير من فتح القدير للشوكاني ، طبع على نفقة وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية الكويت ، ص 334 .

23 { جهنم } عطف بيان لدار البوار ، { يصلونها } : في محل نصب حال من جهنم .

24 زبدة التفسير من فتح القدير للشوكاني .

25 زبدة التفسير من فتح القدير للشوكاني ص335 .

26 انظر : التفسير الوسيط ، تأليف نخبة من علماء الأزهر ص500 .

27 { إذا } : ظرف لما مضى من الزمان ، وهو منصوب على المفعولية لفعل محذوف تقديره : اذكر .

{ رب } : منادى بحرف نداء محذوف تقديره : يا رب .

28 وردت هذه القصة مطولة في صحيح البخاري ، ووعتها كتب التفسير والحديث .

29 صلاة في مسجدي هذا :

البخاري في فضل الصلاة ( 1190 ) ، ومسلم في الحج ( 1394/506 ) ، والترمذي في الصلاة ( 325 ) ، وقال : حديث حسن صحيح ، والنسائي في المساجد ( 694 ) ، وابن ماجة في إقامة الصلاة ( 1404 ) ، كلهم عن أبي هريرة .

30 انظر : صحيح البخاري ؛ تجد فيه حديثا طويلا في الموضوع ، وانظر : تفسير الآلوسي ، والتفسير الوسيط .

31 انظر : تفسير الفخر الرازي .

32 التفسير الوسيط ، سورة إبراهيم د . محمد سيد طنطاوي ، ص 93 .

33 التفسير الوسيط ، تأليف لجنة من العلماء بالأزهر ص 511 .

34 قرأ الكسائي : لتزول : بفتح اللام على أنها لام الابتداء ، ورفع الفعل بعدها ، و{ أن } : مخففة من الثقيلة .

35 التفسير الوسيط ، تأليف لجنة من العلماء ، بإشراف مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ص513 .

36 الرتق ضد الفتق ، أي : كانتا ملتصقتين ففتق الله هذه من هذه ، فرفع الله السماء ، ووضع الأرض وفصل بينهما بالهواء ، فأمطرت السماء وأنبتت الأرض .

37 التفسير الوسيط للدكتورحمد سيد طنطاوي ، نقلا عن تفسير الفخر الرازي للآية الأخيرة من سورة إبراهيم .

* * *

تمت الهوامش وتخريج الأحاديث بحمد الله وبها تم الجزء ( الثالث عشر ) .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{هَٰذَا بَلَٰغٞ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِۦ وَلِيَعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ} (52)

{ هذا بلاغ } أي ما ذكر من قوله سبحانه : { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غافلا } [ إبراهيم : 42 ] إلى هنا ، وجوز أن يكون الإشارة إى القرآن وهو المروى عن ابن زيد أو إلى السورة والتذكير باعتبار الخبر وهو { بَلاَغٌ } والكلام على الأول أبلغ فكأنه قيل : هذا المذكور آنفاً كفاية في العظة والتذكير من غير حاجة إلى ما انطوى عليه السورة الكريمة أو كل القرآن المجيد من فنون العظات والقوارع ، وأصل البلاغ مصدر بمعنى التبليغ وبهذا فسره الراغب في الآية ، وذكر مجيئه بمعنى الكفاية في آية أخرى { لِلنَّاسِ } للكفار خاصة على تقدير اختصاص الإنذار بهم في قوله سبحانه : { وَأَنذِرِ الناس } [ إبراهيم : 44 ] أو لهم وللمؤمنين كافة على تقدير شمولهم أيضاً وإن كان ما شرح مختصاً بالظالمين على ما قيل : { وَلِيُنذَرُواْ بِهِ } عطف على محذوف أي لينصحوا أو لينذروا به أو نحو ذلك فتكون اللام متعلقة بالبلاغ ، ويجوز أن تتعلق بمحذوف وتقديره ولينذروا به أنزل أو تلى ، وقال الماوردي : الواو زائدة ، وعن المبرد هو عطف مفرد على مفرد أي هذا بلاغ وإنذار ، ولعله تفسير معنى لا إعراب . وقال ابن عطية : أي هذا بلاغ للناس وهو لينذروا به فجعل ذلك خبراً لهو محذوفاً ، وقيل . اللام لام الأمر ، قال بعضهم : وهو حسن لولا قوله سبحانه : { وَلِيَذَّكَّرَ } فإنه منصوب لا غير ، وارتضى ذلك أبو حيان وقال : إن ما ذكر لا يخدشه إذ لا يتعين عطف { *ليذكر } على الأمر بل يجوز أن يضمر له فعل يتعلق به ، ولا يخفى أنه تكلف . وقرأ يحيى بن عمارة الذراع عن أبيه . وأحمد بن يزيد السلمي { لّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ } بفتح الياء والذال مضارع نذر بالشيء إذا علم به قاستعد له قالوا : ولم يعرف لنذر بمعنى علم مصدر فهو كعسى وغيرها من الأفعال التي لا مصادر لها ، وقيل : إنهم استغنوا بأن والفعل عن صريح المصدر ، وفي القاموس نذر بالشيء كفرح علمه فحذره وأنذره بالأمر إنذاراً ونذراً ونذيراً أعلمه وحذره .

وقرأ مجاهد . وحميد بتاء مضمومة وكسر الذال { وَلِيَعْلَمُواْ } بالنظر والتأمل بما فيه من الدلائل الواضحة التي هي اهلاك الأمم وإسكان آخرين مساكنهم وغيرهما مما تضمنه ما أشار إليه { إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ } لا شريك له أصلاً ، وتقديم الإنذار لأنه داع إلى التأمل المستتبع للعلم المذكور { وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الالباب } أي ليتذكروا شؤون الله تعالى ومعاملته مع عباده ونحو ذلك فيرتدعوا عما يرديهم من الصفات التي يتصف بها الكفار ويتدرعوا بما يحظيهم لديه عز وجل من العقائد الحقة والأعمال الصالحة . وفي تخصيص التذكر بأولي الألباب اعلاء لشأنهم .

وفي إرشاد العقل السليم أن في ذلك تلويحاً باختصاص العلم بالكفار ودلالة على أن المشار إليه بهذا القوارع المسوقة لشأنهم لا كل السورة المشتملة عليها وعلى ما سيق للمؤمنين أيضاً فإن فيه ما يفيدهم فائدة جديدة ، وللبحث فيه مجال ، وفيه أيضاً أنه حيث كان ما يفيده البلاغ من التوحيد وما يترتب عليه من الأحكام بالنسبة إلى الكفرة أمراً حادثاً وبالنسبة إلى أولي الألباب الثبات على ذلك عبر عن الأول بالعلم وعن الثاني بالتذكر وروعي ترتيب الوجود مع ما فيه من الختم بالحسنى .

وذكر القاضي بيض الله تاعلى غرة أحواله أنه سبحانه ذكر لهذا البلاغ ثلاث فوائد هي الغاية والحكمة في إنزال الكتب . تكميل الرسل عليهم السلام للناس المشار إليه بالانذار . واستكمالهم القوة النظرية التي منتهى كما لها ما يتعلق بمعرفة الله تعالى المشار إليه بالعلم ، واستصلاح القوة التي هي التدرع بلباس التقوى المشار إليه بالتذكر ، والظاهر أن المراد بأولي الألباب أصحاب العقول الخالصة من شوائب الوهم مطلقاً ، ولا يقدح في ذلك ما قيل : إن الآية نزلت في أبي بكر رضي الله تعالى عنه ، وقد ناسب مختتم هذه السورة مفتتحها وكثيراً ما جاء ذلك في سور القرآن حتى زعم بعضهم أن قوله تعالى : { وَلِيُنذَرُواْ بِهِ } معطوف على قوله سبحانه : { لّتُخْرِجَ * الناس } [ إبراهيم : 1 ] وهو من البعد بمكان ، نسأله سبحانه عز وجل أن يمن علينا بشآبيب العفو والغفران .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ هذا بلاغ لّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الالباب } [ إبراهيم : 52 ] وهم علماء الحقيقة وأساطين المعرفة وعشاق الحضرة وأمناء خزائن المملكة ، جعلنا الله تعالى وإياكم ممن ذكر فتذكر وتحقق في مقر التوحيد وتقرر بمنه سبحانه وكرمه .