نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{هَٰذَا بَلَٰغٞ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِۦ وَلِيَعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ} (52)

ولما اشتملت هذه السورة على{[45347]} ما{[45348]} قرع سمعك من هذه المواعظ والأمثال والحكم التي أبكمت البلغاء ، وأخرست الفصحاء ، وبهرت العقول ، ترجمها سبحانه بما يصلح عنواناً لجميع القرآن فقال{[45349]} : { هذا{[45350]} } أي الكتاب الذي{[45351]} يخرج الناس{[45352]} من الظلمات إلى النور { بلاغ } أي كافٍ{[45353]} غاية الكفاية في الإيصال { للناس } ليصلوا به إلى الله بما يتحلون به من المزايا في سلوك صراطه القويم ، فإن مادة " بلغ{[45354]} " بأي ترتيب كان - تدور على الوصول ، وتارة تلزمها القوة وتارة{[45355]} الإعياء الناشىء عن الضعف :

بلغ المكان بلوغاً : وصل إليه ؛ وبُلغ الرجل -{[45356]} كعني : جهد{[45357]} ، والبليغ : الفصيح يبلغ{[45358]} بعبارته كنه ضميره ، والبلاغ - كسحاب : الكفاية ، لأنها توصل إلى القصد ، وبالغ مبالغة - إذا اجتهد ولم يقصر ، وتبلغت{[45359]} به العلة : اشتدت .

والغلباء{[45360]} : الحديقة المتكاثفة ، ومن القبائل : العزيزة الممتنعة ، والأغلب : الأسد .

ولغب : أعيا - لاجتهاده في البلوغ ، واللغب : ما بين الثنايا من اللحم ، واللغب - ككتف : الكلام الفاسد - يرجع إلى الإعياء ، وكذا الضعيف الأحمق ، والسهم الذي لم يحسن بريه{[45361]} كاللغاب - بالضم ، والتلغب{[45362]} : طول الطرد .

والبغل من أشد الحيوان وأبلغها للقصد ، وبغل تبغيلاً : بلّد وأعيا ، والإبل : مشت{[45363]} بين الهملجة والعنق .

ولما كان متعلق البلاغ الذي قدرته بالوصول يتضمن{[45364]} البشارة ، عطف عليه النذارة بانياً للمفعول ، لأن النافع مطلق النذارة ، وكل أحد متأهل لأن يكون واعظاً به مقبولاً ، لأن من سمعه فكأنما{[45365]} سمعه من الله لتميزه بإعجازه عن كل كلام ، فقال : { ولينذروا } أي من أي منذر كان فيقوم{[45366]} عليهم الحجة { به } فيحذروا عقاب الله فيتخلوا{[45367]} عن الدنايا .

{[45368]} ولما أشار إلى جميع{[45369]} الفروع فعلاً وتركاً ، مع إشارته إلى أصل التوحيد لأنه أول الوصول ، صرح به على حدته لجلالته في قوله : { وليعلموا أنما هو } أي الإله { إله واحد } فيكون همهم واحداً .

ولما تمت الإشارة إلى الدين أصلاً وفرعاً ، نبه على المواعظ والأمثال بتذكر ما له من الآيات والمصنوعات ، والبطش بمن خالفه من الأمم ، وأشار إلى أن{[45370]} أدلة الوحدانية والحشر لا تحتاج{[45371]} إلى كبير{[45372]} تذكر ، لأنها في غاية الوضوح ولا سيما بعد تنبيه الرسل ، فأدغم تاء التفعل ، فقال : { وليذكر } أي{[45373]} منهم { أولوا الألباب * } أي{[45374]} الصافية ، والعقول الوافية ، فيفتحوا عيون بصائرهم فيعلموا أنه لا وصول{[45375]} لهم مع الغفلة فيلزموا المراقبة فلا يزالوا في رياض المقاربة . ويعلموا - بما ركز{[45376]} في طبائعهم وجرى من عوائدهم - أن أقل حكامهم لا يرضى بأن{[45377]} يدع رعيته يتهارجون لا ينصف بينهم ولا يجزى أحداً منهم بما كسب{[45378]} ، فيكون ذلك منه{[45379]} انسلاخاً من رتبة الحكم التي هي خاصته{[45380]} ، فكيف يدعون ذلك في أحكم الحاكمين ، فقد{[45381]} تكفلت{[45382]} هذه الآية على وجازتها بجميع علم الشريعة أصولاً وفروعاً ، وعلم الحقيقة نهايات وشروعاً ، على سبيل الإجمال{[45383]} وقد انطبق آخر السورة على{[45384]} أولها ، لأن هذا عين الخروج من الظلمات إلى النور بهذا الكتاب الحامل على كل صواب - والله{[45385]} سبحانه وتعالى{[45386]} الموفق{[45387]} للصواب وحسن المآب{[45388]} .

ختام السورة:

وقد انطبق آخر السورة على أولها ، لأن هذا عين الخروج من الظلمات إلى النور بهذا الكتاب الحامل على كل صواب - والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب وحسن المآب .


[45347]:في ظ: إلى.
[45348]:زيد من ظ و م ومد.
[45349]:زيد من ظ و م ومد.
[45350]:تأخر في الأصل عن " إلى النور" والترتيب من ظ و م ومد.
[45351]:ليس في ظ.
[45352]:زيد من ظ و م ومد.
[45353]:من مد، وفي الأصل و ظ و م: كان.
[45354]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: بلاغ.
[45355]:زيد من ظ و م ومد.
[45356]:من م ومد والقاموس، وفي الأصل: كعين جهدة، وفي ظ: كغير جهد- كذا.
[45357]:من م ومد والقاموس، وفي الأصل: كعين جهدة، وفي ظ: كغير جهد- كذا.
[45358]:من ظ و م ومد والقاموس، وفي الأصل: بلغ.
[45359]:في ظ: تتعلت- كذا.
[45360]:من م والقاموس، وفي الأصل و ظ ومد: العليا- كذا.
[45361]:من القاموس، وفي النسخ جمعاء: بربه- كذا.
[45362]:من مد والقاموس، وفي الأصل: اليلغب، وفي ظ: التلغب- كذا.
[45363]:من ظ و م ومد والقاموس، وفي الأصل، مشيت.
[45364]:من ظ: وفي الأصل و م ومد: تتضمن.
[45365]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: فكان من .
[45366]:في ظ: فتقوا، وفي م ومد: فتقوم.
[45367]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: فنحلوا.
[45368]:تكرر ما بين الرقمين في ظ.
[45369]:تكرر ما بين الرقمين في ظ.
[45370]:زيد من ظ و م ومد.
[45371]:من ظ و م ومد، وفي لأصل: لا يحتاج.
[45372]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: كثير.
[45373]:سقط من م.
[45374]:سقط من م.
[45375]:في ظ: صول.
[45376]:من ظ و م ومد، وفي لأصل: ركن.
[45377]:في م: أن.
[45378]:في مد: كسبت.
[45379]:سقط من ظ.
[45380]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: خاصة.
[45381]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: وقد.
[45382]:في ظ: تكلفت.
[45383]:زيد ما بين الحاجزين من ظ و م ومد.
[45384]:في ظ: إلى.
[45385]:سقط ما بين الرقمين من ظ و م.
[45386]:سقط ما بين الرقمين من ظ و م.
[45387]:سقط ما بين الرقمين من ظ و م.
[45388]:سقط ما بين الرقمين من ظ و م.