ويصف المشركين بأنهم ( الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ) . . والشرك ألوان وأنماط كثيرة . منهم من يشركون الجن ، ومنهم من يشركون الملائكة ، ومنهم من يشركون الأجداد والآباء . و منهم من يشركون الملوك والسلاطين . ومنهم من يشركون الكهان والأحبار . ومنهم من يشركون الأشجار والأحجار . ومنهم من يشركون الكواكب والنجوم . ومنهم من يشركون النار . ومنهم من يشركون الليل والنهار . ومنهم من يشركون القيم الزائفة والرغائب والأطماع . ولا تنتهي أنماط الشرك وأشكاله . . و ( كل حزب بما لديهم فرحون )بينما الدين القيم واحد لا يتبدل ولا يتفرق ، ولا يقود أهله إلا إلى الله الواحد ، الذي تقوم السماوات والأرض بأمره ، وله من في السماوات والأرض كل له قانتون .
{ من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون . }
فرقوا دينهم : اختلفوا فيما يعبدونه على حسب اختلاف أهوائهم .
شيعا : فرقا ، تشايع كل فرقة إمامها الذي مهد لها دينها وقرره ووضع أصوله .
كل حزب : الحزب : الطائفة من الناس والجمع : أحزاب .
أي لا تكونوا من المشركين الذي اختلفوا في شان دينهم اختلافات شتى ، على حسب أهوائهم ، وصاروا شيعا وفرقا وأحزابا متنازعة .
أي كل حزب منهم صار مسرورا بما لديه من دين باطل ، وملة فاسدة ، وعقيدة زائفة ، وهذا الفرح بالباطل سببه جهلهم وانطماس بصائرهم عن الانقياد للحق .
قال الفخر الرازي في التفسير الكبير ما يأتي :
منيبين إليه واتقوه . . . أثبت التوحيد الذي هو مخرج عن الإشراك .
أراد إخراج العبد عن الشرك الخفي ، أي لا تقصدوا بعملكم إلا وجه الله ، ولا تطلبوا به إلا رضاء الله ، فإن من حصل على رضا الله ، فقد حصل على سعادة الدنيا والآخرة .
{ من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا . }
يعنى لم يجتمعوا على الإسلام ، وذهب كل واحد إلى مذهب ، ويحتمل أن يقال وكانوا شيعا . . . يعني بعضهم عبد الله للدنيا ، وبعضهم للجنة ، وبعضهم للخلاص من النار ، وكل واحد بما في نظره فرح ، وأما المخلص فلا يفرح بما يكون لديه ، وإنما يكون فرحه بأن يرضي الله ، ويقف بين يديه ، وذلك لأن كل ما لدينا نافد لقوله تعالى : ما عندكم ينفد وما عند الله باق . . . ( النحل : 96 ) فلا مطلوب لكم فيما لديكم حتى تفرحوا به ، وإنما المطلوب ما لدى الله وبه الفرح ، كما قال تعالى :
ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله . . . ( آل عمران : 169-170 ) .
جعلهم فرحين بكونهم عند ربهم ويكون ما أوتوا من فضله الذي لا نفاد له .
ولذلك قال تعالى : قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا . . . ( يونس : 58 ) لا بما عندهم فإن كل ما عند العبد نافد . x
وقوله تعالى : { مِنَ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ } بدل من { المشركين } [ الروم : 31 ] بإعادة الجار ، وتفريقهم لدينهم اختلافهم فيما يعبدونه على اختلاف أهوائهم ، وقيل : اختلافهم في اعتقاداتهم مع اتحاد معبودهم ، وفائدة الإبدال التحذير عن الانتماء إلى حزب من أحزاب المشركين ببيان أن الكل على الضلال المبين .
وقرأ حمزة . والكسائي { فارقوا } أي تركوا دينهم الذي أمروا به أو الذي اقتضته فطرتهم { دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً } أي فرقا تشايع كل فرقة أمامها الذي مهد لها دينها وقرره ووضع أصوله { كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ } من الدين المعوج المؤسس على الرأس الزائغ والزعم الباطل { فَرِحُونَ } مسرورون ظناً منهم أنه حق ، والجملة قيل اعتراض مقرر لمضمون ما قبله من تفريق دينهم كونهم شيعاً ، وقيل : في موضع نصب على أنها صفة { شِيَعاً } بتقدير العائد أي كل حزب منهم ، وزعم بعضهم كونها حالاً . وجوز أن يكون { فَرِحُونَ } صفة لكل كقول الشماخ :
وكل خليل غير هاضم نفسه *** لوصل خليل صارم أو معارز
والخبر هو الظرف المتقدم أعني قوله تعالى : { مِنَ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ } فيكون منقطعاً عما قبله ، وضعف بأنه يوصف المضاف إليه في نحوه صرح به الشيخ ابن الحاجب في قوله :
وكل أخ مفارقه أخوه *** لعمر أبيك إلا الفرقدان
وفي البحر أن وصف المضاف إليه في نحوه هو الأكثر وأنشد قوله :
جادت عليه كل عين ترة *** فتركن كل حديقة كالدرهم
وما قيل : إنه إذا وصف به { كُلٌّ } دل على أن الفرح شامل للكل وهو أبلغ ليس بشيء بل العكس أبلغ لو تؤمل أدنى تأمل .
ومن باب الإشارة : { كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } [ الروم : 2 3 ] فيه إشارة إلى أنه عز وجل لم يكره أحداً على ما هو عليه إن حقاً وإن باطلاً ، وإنما وقع التعاشق بين النفوس بحسب استعدادها وما هي عليه فأعطى سبحانه حلت قدرته كل عاشق معشوقه الذي هام به قلب استعداده وصار حبه ملء فؤاده وهذا سر الفرح ، وما ألطف ما قال قيس بن ذريح .
تعلق روحي روحها قبل خلقنا *** ومن قبل ما كنا نطافا وفي المهد
فزاد كما زدنا فأصبح ناميا *** وليس إذا متنا بمنفصم
العقد ولكنه باق على كل حادث *** وزائرنا في ظلمة القبر واللحد
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.