في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗۖ وَلَأَجۡرُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ} (41)

22

وهنا يعرض في الجانب المقابل للمنكرين الجاحدين ، لمحة عن المؤمنين المصدقين ، الذين يحملهم يقينهم في الله والآخرة على هجر الديار والأموال ، في الله ، وفي سبيل الله :

( والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ، ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون . الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ) . .

فهؤلاء الذين هاجروا من ديارهم وأموالهم ، وتعروا عما يملكون وعما يحبون ، وضحوا بدارهم وقرب عشيرتهم والحبيب من ذكرياتهم . . هؤلاء يرجون في الآخرة عوضا عن كل ما خلفوا وكل ما تركوا . وقد عانوا الظلم وفارقوه . فإذا كانوا قد خسروا الديار ف ( لنبوئنهم في الدنيا حسنة )و لنسكننهم خيرا مما فقدوا ( ولأجر الآخرة أكبر )لو كان الناس يعلمون .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗۖ وَلَأَجۡرُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ} (41)

{ والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون41 الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون42 } .

المفردات :

لنبوئنهم في الدنيا حسنة : أي : لننزلنهم في الدنيا بلدة حسنة ، هي : المدينة ، يقال : بوأه الدار ، يبوئه فيها أنزله بها .

تمهيد :

تعرض المسلمون في مكة لألوان متعددة من العذاب والوعيد ، فهاجروا إلى الحبشة مرتين ، وهاجروا إلى المدينة ، في تضحية بالوطن والأهل والمال ؛ فنزلت هذه الآية توضح منزلتهم وجزاءهم .

التفسير :

41 { والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون } .

أي : والذين فارقوا قومهم وأوطانهم ودورهم ، وذهبوا إلى بلاد أخرى ؛ احتسابا لأجر الله وطلبا لمرضاته ، من بعد ما نالهم الأذى والظلم من الكفار ؛ هؤلاء سنكافئهم في الدنيا بالمنزلة الحسنة ، حيث أسكنهم الله المدينة ، ونصرهم على العباد ، وفتح لهم البلاد ، وصاروا أمراء حكاما ، وكان كل منهم للمتقين إماما .

{ ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون } .

أي : إن ثواب الدار الآخرة في الجنة ، أكبر من نعيم الدنيا ، لو كان المهاجرون يعلمون ذلك ؛ لازداد يقينهم ، وقوي عزمهم ، وفي هذا تحريض لمن بقي بمكة من المهاجرين ؛ حتى يهاجروا .

وقيل : الضمير يعود على مشركي مكة ، أي : لو كانوا يعلمون ثواب الله للمهاجرين ؛ لكفوا عن إيذائهم وظلمهم ، ولآمنوا بالله ورسوله .

قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في ستة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وهم : صهيب ، وبلال ، وعمار ، وخباب ، و عابس ، وجبير ، موالي لقريش ، فجعلوا يعذبونهم ؛ ليردّوهم عن الإسلام ، أما صهيب فقال لهم : أنا رجل كبير ، إن كنت لكم لم أنفعكم ، وإن كنت عليكم لم أضركم ، فافتدى منهم نفسه بماله ، وتركوه يهاجر ، فلما رآه أبو بكر قال : ربح البيع يا صهيب28 . وأما سائرهم فقد قالوا بعض ما أراد أهل مكة من كلمة الكفر ، والرجوع عن الإسلام ، فتركوا عذابهم ، ثم هاجروا فنزلت هذه الآية29 .

وعن عمر : أنه كان إذا أعطى رجلا من المهاجرين عطاء قال : خذ بارك الله لك فيه ، هذا ما وعدك الله في الدنيا ، وما ذخر لك في الآخرة أكبر30 .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗۖ وَلَأَجۡرُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ} (41)

قوله تعالى : { والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ( 41 ) الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ( 42 ) } هذه الآية نزلت في أصحاب النبي ( ص ) بمكة بلال وصهيب وخباب وعامر وجندل بن صهيب ؛ إذ أخذهم المشركون بمكة فعذبوهم وآذوهم ، فبوأهم الله تعالى بعد ذلك المدينة . وقيل : ذلك إخبار عن جزاء الله لكل الذين هاجروا في سبيله ابتغاء مرضاته ؛ فقد فارقوا الأوطان والأهل والخلان راجين الثواب وحسن الجزاء من الله . وقيل : سبب نزولها في مهاجرة الحبشة الذين اشتد أذى قومهم لهم بمكة حتى خرجوا من بين أظهرهم إلى بلاد الحبشة ليتمكنوا من عبادة الله في حرية وأمان . وكان من بينهم عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت رسول الله ( ص ) ، وجعفر بن أبي طالب وغيرهما في جماعة قريب من ثمانين ما بين رجل وامرأة رضي الله عنهم أجمعين{[2529]} . والمعنى : أن المؤمنين الذين تركوا أوطانهم وأهليهم وقراباتهم وكل ما لديهم من أموال وممتلكات وصداقات وذكريات ( في الله ) أي لله أو لوجهه وابتغاء مرضاته وثوابه ورحمته ، ورغبة في نصرة دينه ، وليعبدوا الله آمنين أحرارا ( من بعد ما ظلموا ) أي من بعد ما عذبهم الكافرون ليفتنوهم عن دينهم ، وليصدوهم عن دعوة الله إن استطاعوا ، لكنهم مضوا ثابتين صابرين لا تثنيهم الشدائد ولا توهنهم الملمات والفتن والنوائب عن عقيدتهم ( لنبوئنهم في الدنيا حسنة ) ( لنبوئنهم ) لنسكننهم . بوأه منزلة ، أسكنه أو أنزله فيه . والمباءة المنزل{[2530]} ، و ( حسنة ) ، صفة للمصدر ؛ أي تبوئة حسنة أو مباءة أو منزلة حسنة . والمراد بها : الحلول بالمدينة ليجدوا فيها أمنهم وسكينتهم واستقرارهم . وليكون لهم فيها السلطان والغلبة والظهور .

وقيل : لننزلنهم في الدنيا منزلة حسنة وهي الغلبة على أهل مكة حيث الشرك والظلم وحيث يقيم الضالون الذين عذبوهم واضطروهم للخروج والهجرة ؛ بل الغلبة على سائر البلاد .

قوله : ( ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ) ذلك تأكيد من الله على أن ثواب المؤمنين المهاجرين في سبيل الله أكبر مما أوتوه في الدنيا من حسنة ؛ فإن ثوابهم في الآخرة الجنة وهي النعيم المقيم الذي لا يزول ولا يبيد .

قوله : ( لو كانوا يعلمون ) الضمير عائد إلى المؤمنين ؛ أي لو رأوا مبلغ ثوابهم في الآخرة وما أعده الله لهم من عظيم الجزاء ؛ لزادوا في اجتهادهم وصبرهم . وقيل : الضمير عائد إلى الكافرين ؛ أي لو علم الكافرون ما أعده الله لعباده المؤمنين يوم القيامة من النعيم لآمنوا ورغبوا في دين الله ، دين الإسلام .


[2529]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 188 وتفسير ابن كثير جـ2 ص 569.
[2530]:- القاموس المحيط جـ1 ص 9.