في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِي ٱلۡبَحۡرِ ضَلَّ مَن تَدۡعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُۖ فَلَمَّا نَجَّىٰكُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ أَعۡرَضۡتُمۡۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ كَفُورًا} (67)

58

ثم ينتقل بهم من الإزجاء الرخي للاضطراب العتي . حين ينسى الركب في الفلك المتناوح بين الأمواج كل قوة وكل سند وكل مجير إلا الله ، فيتجهون إليه وحده في لحظة الخطر لا يدعون أحدا سواه : ( ضل من تدعون إلا إياه ) . .

ولكن الإنسان هو الإنسان ، فما إن تنجلي الغمرة ، وتحس قدماه ثبات الأرض من تحته حتى ينسى لحظة الشدة ، فينسى الله ، وتتقاذفه الأهواء وتجرفه الشهوات ، وتغطي على فطرته التي جلاها الخطر : ( فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا ) إلا من اتصل قلبه بالله فأشرق واستنار .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِي ٱلۡبَحۡرِ ضَلَّ مَن تَدۡعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُۖ فَلَمَّا نَجَّىٰكُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ أَعۡرَضۡتُمۡۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ كَفُورًا} (67)

66

المفردات :

الضر في البحر : خوف الغرق .

ضل : غاب عن ذكركم ، وضاع عن فكركم كل من تعبدونهم .

التفسير :

67- { وإذا مسّكم الضرّ في البحر ضل من تدعون إلاّ إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا } .

والسياق يعرض هذا المشهد ؛ مشهد الفلك في البحر نموذجا للحظات الشدة والحرج ؛ لأن الشعور بقدرة الله في الخضم أقوى وأشد حساسية ، حيث تصبح الفلك نقطة من الخشب أو المعدن تائهة في الخضم ، تتقاذفها الأمواج والتيارات ، والناس متشبثون بهذه النقطة على كف الرحمان .

إن مشهد يحس به من كابده ، ويحس بالقلوب الخافقة الواجفة ، المتعلقة بكل هزة ورجفة في الفلك صغيرا كان أو كبيرا ، حتى عابرات المحيط الجبارة ، التي تبدو في بعض اللحظات كالريشة في مهب الرياح على ثبج الموج الجبار !

والتعبير يلمس القلوب لمسة قوية ، وهو يشعر الناس أن يد الله تزجي لهم الفلك في البحر ليبتغوا من فضله .

ثم ينتقل بهم من الإزجاء الرقي للاضطراب العتي ، حين ينسى الركب في الفلك المتناوح بين الأمواج كل قوة ، وكل سند وكل مجير إلا الله ، فيتجهون إليه وحده في لحظة الخطر ، لا يدعون أحدا سواه { ضل من تدعون إلا إياه } .

وخلاصة ذلك : أنكم إذا مسكم الضر ؛ دعوتم الله منيبين إليه ، مخلصين له الدين .

وهذه الآية مما يستدل بها على الرجوع إلى الفطرة الصحيحة ، . ولقد استدل لكثير من الأصول بها ، كما يعلم ذلك من كلام الأئمة في مسائل شتى . كمسألة وجود الخالق وعلوه ، والمعاد وغيرها{[433]} .

{ فلما نجاكم- من الغرق- إلى البر أعرضتم } . أي : من عجيب أمركم أنكم حين دعوتموه وأغثكم ، وأجاب دعاءكم ونجاكم من الهول ، أعرضتم وعدتم إلى ما كنتم عليه ، فنسيتم لحظة الشدة ، وتقاذفتم الأهواء ، وجرفتكم الشهوات ، وجحدتم فضل الله عليكم { وكان الإنسان كفورا } أي : وكانت سجية الإنسان وطبيعته ، أن ينسى النعم ويجحدها إلا من عصم الله .

وخلاصة ما سلف : أنكم حين الشدائد تجأرون طالبين رحمته وحين الرخاء تعرضون عنه .

وهنا يستجيش السياق وجدان المخاطبين ، بتصوير الخطر الذي تركوه في البحر وهو يلاحقهم في البر ، أو وهم يعودون إليه في البحر ؛ ليشعروا أن الأمن والفرار لا يكونان إلا في جوار الله وحماه ، لا في البحر ولا في البر ، لا في الموجة الرخية والريح المواتية ، ولا في الملجإ الحصين ، والمنزل المريح .


[433]:- تفسير القاسمي 10/3949.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِي ٱلۡبَحۡرِ ضَلَّ مَن تَدۡعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُۖ فَلَمَّا نَجَّىٰكُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ أَعۡرَضۡتُمۡۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ كَفُورًا} (67)

قوله : ( وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه ) المراد بالضر هنا الخوف من البحر ؛ فإن الله يبين للناس أنهم إذا ركبوا متن البحر وساروا فيه بفلكهم آمنين ؛ ثم أصابهم شيء من الخوف أو الشدة لسبب من الأسباب كتعاظم الأمواج في بحر هائج مضطرب ، أو اشتداد الرياح العاصفة ، أحس الراكبون ببالغ الوجل والذعر فخوت فيهم القلوب ، وغشيتهم موجة من الإياس والخواء . حينئذ ( ضل من تدعون إلا إياه ) أي غاب عنكم أولياؤكم وأعوانكم من المخاليق وتبددت في نفوسكم الآمال في الآلهة الموهومة المزعومة من أصنام وأنداد وكبراء كنتم تستندون إليهم وترمون منهم كل نُصرة ومدد . لكنكم في مثل هذه الساعات من الحرج البالغ والإياس الشديد ، توقنون أنه لا منجاة لكم إلا من عند الله ؛ فقد ذهب عنكم الشركاء والأنداد من المعبودين المكذوبين وليس لكم من أحد ترجونه وتجأرون إليه بالدعاء لينصركم ويدرأ عنكم الخطر النازل سوى الله . وقد اتفق مثل ذلك لعكرمة ابن أبي جهل لما ذهب فارا من رسول الله ( ص ) حين فتح مكة فذهب هاربا فركب في البحر ليدخل الحبشة ، فجاءتهم ريح عاصفة فقال القوم بعضهم لبعض : إنه لا يغني عنكم إلا أن تدعوا الله وحده . فقال عكرمة في نفسه : والله إن كان لا ينفع في البحر غيره اللهم لك عليّ عهد لئن أخرجتني منه لأذهبنّ فلأضعن يدي في يد محمد ، فلأجدنه رؤوفا رحيما . فخرجوا من البحر فرجع إلى رسول الله ( ص ) فأسلم وحسن إسلامه رضي الله عنه وأرضاه .

قوله : ( فلما نجاكم إلى البر أعرضتم ) بعد أن دعوتم الله فأذهب عنكم الضر وكشف عنكم هذا البأس الداهم ونجاكم من هول ما أصابكم من ذعر ( أعرضتم ) عن الإخلاص لله وعن الإلحاح في الجأر إلى الله بالدعاء . لقد أعرضتم عن كامل الالتجاء إليه سبحانه بعد أن أنجاكم وأذهب عنكم الخطر المحدق الداهم . ذلكم هو شأن الإنسان في الغالب ؛ فإنه فخور يؤوس كفور ؛ فهو إن أصابته شدة أو ناله بأس وهوان أو أحاطت به الكروب والصعاب ؛ لجّ إلى ربه بالدعاء والاستقامة حتى إذا كشف عنه ما أصابه ، انقلب كفورا جاحدا للنعمة ، ناسيا ما لله عليه من عظيم الأيادي . وهو قوله : ( وكان الإنسان كفورا ) .