ذلك وقد كرم الله هذا المخلوق البشري على كثير من خلقه . كرمه بخلقته على تلك الهيئة ، بهذه الفطرة التي تجمع بين الطين والنفخة ، فتجمع بين الأرض والسماء في ذلك الكيان !
وكرمه بالاستعدادات التي أودعها فطرته ؛ والتي استأهل بها الخلافة في الأرض ، يغير فيها ويبدل ، وينتج فيها وينشيء ، ويركب فيها ويحلل ، ويبلغ بها الكمال المقدر للحياة .
وكرمه بتسخير القوى الكونية له في الأرض وإمداده بعون القوى الكونية في الكواكب والأفلاك
وكرمه بذلك الاستقبال الفخم الذي استقبله به الوجود ، وبذلك الموكب الذي تسجد فيه الملائكة ويعلن فيه الخالق جل شانه تكريم هذا الإنسان !
وكرمه بإعلان هذا التكريم كله في كتابه المنزل من الملأ الأعلى الباقي في الأرض . . القرآن . ( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ، ورزقناهم من الطيبات ، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) . .
( وحملناهم في البر والبحر ) والحمل في البر والبحر يتم بتسخير النواميس وجعلها موافقة لطبيعة الحياة الإنسانية وما ركب فيها من استعدادات ، ولو لم تكن هذه النواميس موافقة للطبيعة البشرية لما قامت الحياة الإنسانية ، وهي ضعيفة ضئيلة بالقياس إلى العوامل الطبيعية في البر والبحر . ولكن الإنسان مزود بالقدرة على الحياة فيها ، ومزود كذلك بالاستعدادات التي تمكنه من استخدامها . وكله من فضل الله .
( ورزقناهم من الطيبات ) . . والإنسان ينسى ما رزقه الله من الطيبات بطول الألفة فلا يذكر الكثير من هذه الطيبات التي رزقها إلا حين يحرمها . فعندئذ يعرف قيمة ما يستمتع به ، ولكنه سرعان ما يعود فينسى . . هذه الشمس . هذا الهواء . هذا الماء . هذه الصحة . هذه القدرة على الحركة . هذه الحواس . هذا العقل . . . هذه المطاعم والمشارب والمشاهد . . . هذا الكون الطويل العريض الذي استخلف فيه ، وفيه من الطيبات ما لا يحصيه .
( وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) . . فضلناهم بهذا الاستخلاف في ملك الأرض الطويل العريض . وبما ركب في فطرتهم من استعدادات تجعل المخلوق الإنساني فذا بين الخلائق في ملك الله . . .
70- { ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا } .
قال النيسابوري : وقد ذكر المفسرون في تكريمه وجوها منها : تعلم الكتابة ؛ فبها يقدر الإنسان على إبداع العلوم التي استنبطها هو أو غيره في الدفاتر ، فتبقى على وجه الدهر مصونة عن الاندراس ، محفوظة عن الانطماس : { اقرأ وربّك الأكرم . الذي علّم بالقلم } . ( العلق : 4 ، 3 ) .
ومنها : الصورة الحسنة : { وصوركم فأحسن صوركم } ، ومنها : القامة المعتدلة : { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } ، ومنها : أن كل شيء يأكل بفيه إلا ابن آدم .
يحكى عن الرشيد : أنه حضر إليه طعام فأحضرت الملاعق وعنده أبو يوسف ، فقال له : جاء في تفسير جدك ابن عباس : أن هذا التكريم هو أنه جعل لهم أصابع يأكلون بها ؛ فرد الملاعق وأكل بأصابعه ، ومنها : ما قال الضحاك : أنه النطق والتمييز فإن الإنسان يمكنه تعريف غيره كل ما عرفه بخلاف سائر الحيوانات ، ويدخل الأخرس في هذا الوصف لأنه يعرف بالإشارة أو الكتابة ، ويخرج الببغاء ونحوه ؛ لأنه لا يقدر على تعريف جميع الأحوال على الكمال ، ومنها : تسليطهم على ما في الأرض وتسخيره لهم فالأرض كالأم الحاضنة : { منها خلقناكم وفيها نعيدكم } وهي لهم فرش ومهاد ، والماء ينتفعون به في الشرب والزراعة والعمارة ، وماء البحر ينتفع به في التجارة استخراج الحلي منها ، والهواء مادة الحياة ولولا هبوب الرياح ؛ لاستولى النتن على المعمورة ، والنار ينتفع بها في الطبخ والإنضاج ودفع البرد وغير ذلك ، وانتفاعهم بالمركبات المعدنية والحيوانية ظاهر ، وبالجملة فهذا العالم بأسره كقرية معمورة والإنسان فيه كالرئيس المخدوم والملك المطاع فأي تكريم يكون أزيد من هذا{[435]} .
{ ورزقناهم من الطيبات } . والإنسان ينسى ما رزقه الله من الطيبات بطول الألفة ، فلا يذكر الكثير من هذه الطيبات التي رزقها إلا حين يحرم منها ، فعندئذ يعرف قيمة ما يستمتع به ، ولكنه سرعان ما يعود فينسى . . هذه الشمس ، هذا الهواء ، هذا الماء ، هذه الصحة ، هذه القدرة على الحركة ، هذه الحواس ، هذا العقل ، هذه المطاعم والمشارب والمشاهد ، هذا الكون الطويل العريض الذي استخلف فيه ، وفيه من الطيبات ما لا يحصيه .
{ وفضلناكم على كثير ممن خلقنا تفضيلا } . أي : فضلناهم على كثير من المخلوقات بالعقل والتفكير تفضيلا عظيما .
ومن التكريم : أن يكون الإنسان قيما على نفسه ، محتملا تبعة اتجاهه وعمله ، فهذه هي الصفة الأولى التي بها كان الإنسان إنسانا . وهي حرية الاتجاه وفردية التبعة ، وبها استخلف في دار العمل ، فمن العدل أن يلقى جزاء اتجاهه وثمرة عمله في دار الحساب{[436]} .
قوله تعالى : { ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا } الإنسان كائن مفضل مكرم ؛ فقد كرمه الله تكريما . كرّمه بمختلف وجوه التشريف والاحترام ، ومن جملة وجوه التكريم الكاثرة : حسن الهيئة والصورة ؛ إذ جعله الله منتصب القامة ، مستوي الخلقة والمظهر . وأظهر دليل على ذلك مشيه على رجلين بما يفوق المشي لدى عامة الخلائق حسنا وجمالا . يضاف إلى ذلك جمال الأعضاء والأجزاء والأطراف التي يكمل بعضها بعضا .
ومن أعظم ظواهر التكريم والتفضيل للإنسان خصوصيته النطق والكلام . لا جرم أن هذه سمة عجيبة بارزة تتجلى في الإنسان لتجعل منه الكائن المميز المفضال . وهي سمة خص الله بها بني آدم دون غيرهم من كائنات الدنيا .
ويأتي فوق ذلك كله تلكم الخصيصة الفضلى التي تفوق كل الخصائص ، وهي العقل . لا جرم أن العقل مزية هائلة وكبرى ، امتنّ الله بها على الإنسان ليكون سيد الكائنات ، ولتتسخر له كل الكائنات في الأرض والسماوات .
فالإنسان بطبيعته مفكر ، وهو بفطرته قد داخلته الإشراقات الروحية العليا أجمل مداخلة فصار بذلك ، الإنسان العابد الذي يهفو في شغف حرور لعبادة الله إذا ما أتيحت له أسباب التربية السليمة الصحيحة كيلا تتناوشه شياطين البشر فتصده عن ملة الحق والتوحيد صدا . وفي ذلك روى مسلم عن عياض بن حماد أن رسول الله ( ص ) قال : " يقول الله عز وجل : إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم " .
وإذا اجتمع العقل والروح معا في كيان الإنسان ، جاء الإنسان على خير مثال من نداوة الطبع والفطرة وجمال السلوك والخلق بما يفيض على الواقع خير الخصال والخلال .
قوله : ( وحملناهم في البر والبحر ) سخر الله لبني آدم المراكب في البر والبحر ، ففي البر مختلف الوسائل والأسباب لحمل الإنسان فتنقله من موضع إلى آخر . كالدواب بمختلف أنواعها وأجناسها . ولئن كانت الأنعام ومختلف المواشي وسائل البشرية طيلة الزمان الفائت ؛ فإن الوسائل المتطورة في العصر الراهن والمسخرة لركوب الإنسان لهي من نعمة الله على الناس ، إذ مكنهم من صنع ذلك بما آتاهم من قدرة على الاختراع والتدبير .
وكذلك في البحر قد سخر الله لنبي آدم الركوب في الفلك التي تطفو على سطح الماء فلا تغرق . وذلك بما جعله الله من خاصية في الطبيعة والكائنات لتتحقق ظاهرة الطفو فوق الماء إذا كانت كثافة المحمول دون كثافة الحامل وهو الماء .
قوله : ( ورزقناهم من الطيبات ) رزق الله الإنسان صنوف الثمرات والزروع وأنواع المطعومات والمشروبات مما لذّ له وطاب . ورزقه مختلف الأشكال والألوان من الملبوسات الحسنة التي يزدان بها ليكون على خير صورة ومظهر .
قوله : ( وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) فضل الله بني آدم على سائر الكائنات والأحياء بمزايا العقل والإرادة وحسن الصورة والمظهر وغير ذلك من جميل المزايا . أما تفضيل المؤمنين على الملائكة أو العكس فهو موضع اختلاف ؛ فقد ذهب كثير من أهل العلم وفيهم المعتزلة إلى أن الملائكة أو العكس فهو موضع من الإنسان المؤمن . ومما استندوا إليه ، ظاهر هذه الآية ؛ فقد فضل الله بني آدم على كثير من الخلق . فالمستثنى من المفضولين إذن هم الملائكة ؛ فهم أفضل من الناس . وقيل : إن النبيين من البشر أفضل من الملائكة وهو قول المتكلمين استنادا إلى أن الكثير في هذه الآية يعني الجميع{[2715]} .