وقد كانت الخوارق تصاحب الرسالات لتصديق الرسل وتخويف الناس من عاقبة التكذيب وهي الهلاك بالعذاب . ولكن لم يؤمن بهذه الخوارق إلا المستعدة قلوبهم للإيمان ؛ أما الجاحدون فقد كذبوا بها في زمانهم . ومن هنا جاءت الرسالة الأخيرة غير مصحوبة بهذه الخوارق :
( وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون . وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها . وما نرسل بالآيات إلا تخويفا ) .
إن معجزة الإسلام هي القرآن . وهو كتاب يرسم منهجا كاملا للحياة . ويخاطب الفكر والقلب ، ويلبي الفطرة القويمة . ويبقى مفتوحا للأجيال المتتابعة تقرؤه وتؤمن به إلى يوم القيامة . أما الخارقة المادية فهي تخاطب جيلا واحدا من الناس ، وتقتصر على من يشاهدها من هذا الجيل .
على أن كثرة من كانوا يشاهدون الآيات لم يؤمنوا بها . وقد ضرب السياق المثل بثمود ، الذين جاءتهم الناقة وفق ما طلبوا واقترحوا آية واضحة . فظلموا بها أنفسهم وأوردوها موارد الهلكة تصديقا لوعد الله بإهلاك المكذبين بالآية الخارقة . وما كانت الآيات إلا إنذارا أو تخويفا بحتمية الهلاك بعد مجيء الآيات .
هذه التجارب البشرية اقتضت أن تجيء الرسالة الأخيرة غير مصحوبة بالخوارق . لأنها رسالة الأجيال المقبلة جميعها لا رسالة جيل واحد يراها . ولأنها رسالة الرشد البشري تخاطب مدارك الإنسان جيلا بعد جيل ، وتحترم إدراكه الذي تتميز به بشريته والذي من أجله كرمه الله على كثير من خلقه .
الآيات : هي ما اقترحته قريش من جعل الصفا ذهبا .
مبصرة : بينة جعلتهم ذوي بصائر .
فظلموا بها : فكفروا بها وجحدوا .
وقد كانت الخوارق تصاحب الرسالات ؛ لتصديق الرسل وتخويف الناس من عاقبة التكذيب وهي الهلاك بالعذاب ، فاقترحت قريش على النبي صلى الله عليه وسلم أن يريهم بعض الآيات والمعجزات فأجابهم الله بقوله :
59- { وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون . . . }
أي : أنه تعالى لو أظهر تلك المعجزات القاهرة ثم لم يؤمنوا بها بل بقوا مصرين على كفرهم ؛ لاستحقوا عذاب الاستئصال كما هي سنتنا في الأمم السابقة كعاد وثمود ، وقد قضى الله ألا يستأصل كفار هذه الأمة ؛ لأن منهم من يؤمن أو يلد من يؤمن .
ولأن الله شاء أن تكون معجزة الإسلام هي القرآن وهو كتاب يرسم منهجا كاملا للحياة ويخاطب الفكر والقلب ويبقى مفتوحا للأجيال المتتابعة تقرؤه وتؤمن به إلى يوم القيامة ، أما الخوارق المادية فهي تخاطب جيلا واحدا من الناس ، وتقتصر على من يشاهدها من هذا الجيل .
والخلاصة : أنه ما منعنا من إرسال الآيات التي سألوها إلا تكذيب الأولين بمثلها ، فإن أرسلناها وكذب هؤلاء بها ؛ عوجلوا ولم يمهلوا .
روى الإمام أحمد{[420]} عن ابن عباس قال : سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا ، وأن ينحى الجبال عنهم فيزرعوا . فقيل له : إن شئت أن نستأني بهم ، لعلنا نجتبي منهم ، وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا ، فإن كفروا أهلكوا كما أهلك من قبلهم .
قال : بل نستأني بهم فأنزل الله : { وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة . . . }
{ وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها ولا نرسل بالآيات إلا تخويفا } .
أي : وقد سألت ثمود من قبل قومك : الآيات فآتيناها ما سألت ، وجعلنا لها الناقة حجة واضحة ، دالة على وحدانية من خلقها ، فكفروا بها ، ومنعوها شربها وقتلوها ، فأبادهم الله وانتقم منهم .
وما كانت الآيات إلا إنذارا وتخويفا بحتمية الهلاك بعد مجيء الآيات .
هذه التجارب البشرية ، اقتضت أن تجيء الرسالة الأخيرة غير مصحوبة بالخوارق ؛ لأنها رسالة الأجيال المقبلة جميعها ، لا رسالة جيل واحد يراها ، ولأنها رسالة الرشد البشري ، تخاطب مدارك الإنسان جيلا بعد جيل ، وتحترم إدراكه الذي تتميز به بشريته ، والذي من أجله كرمه الله على كثير من خلقه .
أما الخوارق التي وقعت للرسول صلى الله عليه وسلم وأولها : خارقة الإسراء والمعراج ، فلم تتخذ معجزة مصدقة للرسالة إنما جعلت فتنة للناس وابتلاء .
قوله : ( وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ) في سبب نزول هذه الآية روى الإمام أحمد عن ابن عباس قال : قالت قريش للنبي ( ص ) : ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبا ونؤمن بك قال : " وتفعلون ؟ " قالوا : نعم . قال : فدعا ، فأتاه جبريل فقال : إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك : إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبا ، فمن كفر منهم بعد ذلك عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين ، وإن شئت فتحت لهم أبواب التوبة ، والرحمة فقال : " بل باب التوبة ، والرحمة " وروي غير ذلك مما يشبهه{[2703]} .
و ( أن ) ، الأولى في موضع النصب مفعول ثان للفعل ( منعنا ) و ( أن ) الثانية في موضع الرفع لأنها فاعل ( منعنا ) والتقدير : وما منعنا الإرسال بالآيات إلا تكذيب الأولين بمثلها{[2704]} .
والمعنى : أن تكذيب الأولين كان سببا لهلاكهم ، فلو أرسلنا بالآيات إلى قريش فكذبوها لأهلكناهم كما أهلكنا السابقين المكذبين .
قوله : ( وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها ) لما سألت ثمود نبيهم صالحا أن يخرج لهم ناقة من صخرة عينوها لتكون لهم آية على نبوته ، دعا صالح ربه أن يخرج لهم ما سألوه فأخرجها الله لهم مثلما سألوا . وهو قوله : ( وآتينا ثمود الناقة مبصرة ) أي أخرجناها لتكون لهم آية بينة مضيئة تشهد بصدق صالح عليه السلام ( فظلموا بها ) أي كفروا بها ؛ إذ قتلوها وعقروها فكان ظلمهم بقتلها وعقرها ، أو أنهم ظلموا بتكذيب هذه المعجزة .
قوله : ( وما نرسل بالآيات إلا تخويفا ) المراد بالآيات مختلف الدلائل والعبر والمعجزات وأصناف البلايا والانتقام . كل ذلك يرسله الله للعباد على سبيل التخويف لهم ؛ فهو سبحانه يتهدد الناس بمثل هذه الآيات لكي ينثنوا عن فعل المعاصي وينيبوا إلى ربهم طائعين مخبتين{[2705]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.