وقد قرر السياق ما كان من موقف هارون . فهو يطلع أخاه عليه ؛ محاولا أن يهديء من غضبه ، باستجاشة عاطفة الرحم في نفسه :
قال : با ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي . إني خشيت أن تقول : فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي . وهكذا نجد هارون أهدأ أعصابا وأملك لانفعاله من موسى ، فهو يلمس في مشاعره نقطة حساسة . ويجيء له من ناحية الرحم وهي أشد حساسية ، ويعرض له وجهة نظره في صورة الطاعة لأمره حسب تقديره ؛ وانه خشي إن هو عالج الأمر بالعنف أن يتفرق بنو إسرائيل شيعا ، بعضها مع العجل ، وبعضها مع نصيحة هارون . وقد أمره بأن يحافظ على بني إسرائيل ولا يحدث فيهم أمرا . فهي كذلك طاعة الأمر من ناحية أخرى . .
بلحيتي ولا برأسي : بشعر لحيتي ولا بشعر رأسي .
94- { قال يا ابن أمَّ لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرّقت بين بني إسرائيل ولم ترقُب قولي } .
قال هارون مستعطفا أخاه موسى : { يبنؤمّ } . أي : يا أخي : لا تأخذ بشعر رأسي ، ولا بشعر لحيتي ، غاضبا مني محتدّا علي ، فإني رأيت من الحكمة الصبر والانتظار والتريث ؛ حتى تحضر أنت ، فتتدارك الموقف ، وقد خشيت أن أقاتل الكافرين ، عبّاد العجل ؛ فيتفرّق الناس إلى فريقين ، ويترك ذلك من الإحن والبغضاء في النفوس ما يترك ، وربما صعب تدارك الموقف ، إذ يترسّخ النفور والبغض بين فريقين .
وخلاصة ذلك : إني رأيت من صواب الأمر ، أن أحفظ العامة ، وأداريهم على وجه لا يختل به نظامهم ؛ ولا يكون سببا للومك ، حتى ترجع فتتدارك الأمر بحسب ما ترى ؛ لاسيما أن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني .
قال الزمخشري في تفسير الكشاف :
كان موسى عليه السلام رجلا حديدا مجبولا على الحدّة والخشونة ، والتصلب في كل شيء ، شديد الغضب لله ولدينه ، فلم يتمالك حين رأى قومه يعبدون عجلا من دون الله ، من بعد ما رأوا الآيات العظام ؛ أن ، ألقي ألواح التوراة ؛ لما غلب ذهنه من الدهشة العظيمة ؛ غضبا لله واستنكافا وحمية ، وعنف بأخيه وخليفته على قومه ، فأقبل عليه إقبال العدو المكاشف قابضا على شعر رأسه- وكان أفْرعا- وعلى شعر وجهه يجره إليه . 1 ه .
وقد تحدث القرآن عن هذه المعاني في سورة الأعراف ، وأضاف هناك إحساس بعض عبّاد العجل بالندم والخجل ، وأن من أصر على عبادة العجل واتخاذه إلها ؛ فله غضب وذلة في الدنيا وعقوبة في الآخرة ، وأن من تاب ؛ تاب الله عليه .
قال تعالى : { واتخذ قوم موسى من بعده من حليّهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلّمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين . ولمّا سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلّوا قالوا لئن لم يرحمنا ربّنا يغفر لنا لنكوننّ من الخاسرين . ولما رجع موسى إلى قومه غضبا أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجرّه إليه قال ابن أمَّ إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلوني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين . قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين . إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربّهم وذلّة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين . والذين عملوا السيئات ثم ثابوا من بعدها وآمنوا إن ربّك من بعدها لغفور رحيم } . ( الأعراف : 153 ، 148 ) .
قوله : { قال يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي } أخذ موسى برأس هارون في يد ، وبلحيته في يده الأخرى ، وأخذ يجره إليه لشدة ما غشيه من الغيرة والأسف ، فخاطبه هارون وهو شقيقه لأبويه- خاطبه في رفق وتودد ( يبنؤم ) لقد ترقق له بذكر الأم على سبيل الاستعطاف والترفق ؛ لأن ذكر الأم أبلغ في إثارة الرأفة والحنو ( إني خشيت أن تقول فرقت بين إسرائيل ) خشيت إن فعلت بهم ما تريده من زجرهم ومقاتلة بعضهم الذين ضلوا ، أو الخروج عنهم واتباعك فيتبعني فريق منهم ويتبع آخرون السامري- أن تقول : إني فرقت بين القوم ( ولم ترقب قولي ) أي خشيت كذلك أن تقول لي : إنك لم تراع ما أمرتك به وهو أن تخلفني في القوم حال غيابي . {[2987]}
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.