فإذا تبين بعد الصبر والتجمل والمحاولة والرجاء . أن الحياة غير مستطاعة ، وأنه لا بد من الانفصال ، واستبدال زوج مكان زوج ، فعندئذ تنطلق المرأة بما أخذت من صداق ، وما ورثت من مال ، لا يجوز استرداد شيء منه ، ولو كان قنطارا من ذهب . فأخذ شيء منه إثم واضح ، ومنكر لا شبهة فيه :
( وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج ، وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا . أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا ؟ ) .
{ وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا ، وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا } .
قنطارا : هو مائة رطل كما في القاموس والعرف والمراد منه الشيء الكثير .
بهتانا : البهتان الكذب الذي يواجه به المكذوب عليه فيحيره ، والمراد به هنا الظلم الذي يتحير من ارتكابه .
20- { وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج . . الآية }
كان الرجل في الجاهلية إذا أراد التزوج بامرأة أخرى بهت التي تحته أي رماها بالفاحشة التي هي منها بريئة حتى يلجئها إلى ان تطلب طلاقها منه في نظير أن تفتدي نفسها بصداقها أو ببعضه65 . فنهوا عن ذلك .
إذا رغبتم تزوج امرأة ترغبون فيها لتقوم مكان زوجة سابقة رغبتهم في طلاقها وفراقها ، وكنتم أعطيتم هذه الزوجة التي ترغبون في فراقها مهرا كبيرا ومالا فلا يحل لكم أن تأخذوا منه شيئا ، أتأخذونه على وجه البطلان والإثم المبين .
تحث الآية على الفراق بالمعروف ، وهي تستكمل عدة تشريعات سماوية أنزلها الله بشأن المرأة .
فقد احل الله لها الميراث ، وجعل لها نصيبا مفروضا واحل لها الصداق وجعله حقا ثابتا وأمر بحسن معاملتها وعشرتها بالمعروف ، ونهى عن المسارعة إلى الطلاق ، ووعد الصابر على زوجته بالخير وحسن العوض وهنا يتوج هذه الوصايا بتأكيد أن المهر حق ثابت للمرأة لا يجوز لرجل أن يسترده إذا كره زوجته أو رغب في فراقها بل ينبغي أن يفارق بالمعروف ولا يأخذ من الصداق قليلا ولا كثيرا فقد عاشرها عشرة الأزواج ، واستحل منها ما أحله بين الزوجين فكيف يبيح لنفسه أن يأخذ مالا بالبهتان والإثم ؟
قال صاحب الكشاف : والبهتان أن تستقبل الرجل بأمر قبيح تقذفه به وهو بريء منه ، لأنه يبهت عند ذلك أي يتحير .
قوله تعالى : ( وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا ) .
إذا أراد الرجل مفارقة زوجه من خلال طلاق لينكح غيرها من النساء فليس له أن يأخذ ما كان أصدق الزوجة الأولى شيئا وإن كان أصدقها بما يبلغ القنطار وفيه دلالة على جواز الإكثار من المهر بغير تحديد . مع أن الإقلال والتيسير في المهور أحب إلى الله ورسوله .
وعلى أية حال فإنه ليس للمهر من حد أعلى . وقصة عمر بن الخطاب في هذا الصدد مشهورة ومستفيضة فقد روى الإمام أحمد عن أبي العجفاء أن عمر – رضي الله عنه- قد ركب منبر رسول الله ( ص ) ثم قال : أيها الناس ما إكثاركم في صدق النساء ( بفتح الصاد وسكون الدال ) وقد كان رسول الله ( ص ) وأصحابه والصدقات ( بضم الدال ) فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك . ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها . فالأعرف ما زاد رجل في صدق امرأة على أربعمائة درهم . ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش فقالت : يا أمير المؤمنين نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم . قال : نعم فقالت : أما سمعت ما أنزال الله في القرآن . قال : وأي ذلك ؟ فقالت : أما سمعت الله يقول : ( وآتيتهم إحداهن قنطارا ) فقال عمر : اللهم غفرا ، كل الناس أفقه من عمر . ثم رجع فركب المنبر فقال : أيها الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهم على أربعمائة درهم فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب . وقيل : لا ينبغي أن يفهم من الآية جواز المغالاة في المهور . لأن التمثيل بالقنطار جاء على سبيل المبالغة . بل يستفاد من الآية منع المغالاة في المهور . والقول بجواز المغالاة هو الراجح والصواب لحصول ذلك من كثير من الصحابة من غير إنكار .
قوله : ( أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا ) بهتانا هنا حال منصوب . وإثما معطوف على ما قبله ، والبهتان معناه افتراء الكذب{[717]} . والهمزة استفهام إنكار وتوبيخ . أي أتأخذون باهتين وآثمين وفي الآية ما يفيد بأن استرجاع الصداق أو جزء منه من المرأة بعد فراقها لهو أخذ للمال بغير حق وهو في منزلة الافتراء والكذب اللذين نهت عنهما الشريعة بشدة . وكذلك فإن أخذ الصداق على هذه الصورة لهو إثم واضح مكشوف لا يحتمل أي تبرير .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.