ثم يأخذ في التعقيب في أنسب أوان :
( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا . والعاقبة للمتقين ) . .
تلك الآخرة التي تحدث عنها الذين أوتوا العلم . العلم الحق الذي يقوم الأشياء قيمتها الحقيقية . تلك الدار الآخرة العالية الرتبة البعيدة الآفاق . تلك الدار الآخرة ( نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ) . . فلا يقوم في نفوسهم خاطر الاستعلاء بأنفسهم لأنفسهم ؛ ولا يهجس في قلوبهم الاعتزاز بذواتهم والاعتزاز بأشخاصهم وما يتعلق بها . إنما يتوارى شعورهم بأنفسهم ليملأها الشعور بالله ، ومنهجه في الحياة . أولئك الذين لا يقيمون لهذه الأرض وأشيائها وأعراضها وقيمها وموازينها حسابا . ولا يبغون فيها كذلك فسادا . أولئك هم الذين جعل الله لهم الدار الآخرة . تلك الدار العالية السامية .
( والعاقبة للمتقين )الذين يخشون الله ويراقبونه ويتحرجون من غضبه ويبتغون رضاه .
{ تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين( 83 ) من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون( 84 ) }
فسادا : ظلما للناس كما أراد فرعون وقارون .
83-{ تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين }
هذه الجنة والمنزلة العالية نجعلها للمؤمنين المستقيمين الأسوياء الذين يصبرون على البأساء ، ويشكرون على النعماء ، ويرضون بأسباب القضاء ، وإذا أعطاهم الله المال أو الجاه أو السلطان أنفقوا المال في سبيل الله ومرضاته ، ولم يستطيلوا به على عباد الله ، ولم يتخذوا المال ذريعة للفساد والعدوان والتعالي .
أي : العاقبة الحسنة والتمكين في الأرض ، والرفعة في الدنيا ، والسعادة في الآخرة ، لمن اتقى الله وراقب مولاه ، ورضى بالحلال وزهد في الحرام ، ولم يكن مثل فرعون وقارون .
وتأتي هذه الآية بمثابة التعقيب على قصة قارون ، فقد غرّه ماله وتباهى به وتعالى ، وضنّ به على الفقراء والمساكين ، ثم خسف الله به وبداره الأرض ، فكان المال مصدر بؤس وشقاء له في الدنيا والآخرة ، أما من اتقى الله في ماله فوصل به رحمه وأنفق منه على المستحقين ، ولم يتطاول به على عباد الله فله سعادة الدنيا ، والنجاة في الآخرة ، ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إنه أوحي إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ، ولا يبغي أحد على أحد )xxxiv .
وروى مسلم ، وأبو داود ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ) فقال رجل : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ، ونعله حسنة ، فقال : ( إن الله جميل يحب الجمال ، الكبر بطر الحق ، وغمط الناس )xxxv .
وروى أبو هريرة : أنه جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان جميلا ، فقال : يا رسول الله ، إني رجل حبب إليّ الجمال ، وأعطيت منه ما ترى ، حتى ما أحبّ أن يفوقني أحد بشراك نعل ، أفمن ذلك ؟ قال : ( لا ، ولكن المتكبر من بطر الحق ، وغمط الناس ) .
وعن عدي بن حاتم قال : لما دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم ألقى إليّ وسادة ، وجلس على الأرض ، فقال : أشهد أنك لا تبغي علوا في الأرض ولا فسادا ، فأسلمxxxvi . أخرجه ابن مردويه .
قوله تعالى :{ تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض } قال الكلبي ، ومقاتل : استكباراً عن الإيمان ، وقال عطاء : علواً واستطالة على الناس وتهاوناً بهم . وقال الحسن : لم يطلبوا الشرف والعز عند ذي سلطانها . وعن علي رضي الله عنه : أنها نزلت في أهل التواضع من الولاة وأهل القدرة ، { ولا فساداً } قال الكلبي : هو الدعاء إلى عبادة غير الله . وقال عكرمة : أخذ أموال الناس بغير حق . وقال ابن جريج ومقاتل : العمل بالمعاصي . { والعاقبة للمتقين } أي : العاقبة المحمودة لمن اتقى عقاب الله بأداء أوامره واجتناب معاصيه . قال قتادة : الجنة للمتقين .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.