في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِذَا بَلَغَ ٱلۡأَطۡفَٰلُ مِنكُمُ ٱلۡحُلُمَ فَلۡيَسۡتَـٔۡذِنُواْ كَمَا ٱسۡتَـٔۡذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (59)

58

فأما حين يدرك الصغار سن البلوغ ، فإنهم يدخلون في حكم الأجانب ، الذين يجب أن يستأذنوا في كل وقت ، حسب النص العام ، الذي مضت به آية الاستئذان .

ويعقب على الآية بقوله : ( والله عليم حكيم )لأن المقام مقام علم الله بنفوس البشر ، وما يصلحها من الآداب ؛ ومقام حكمته كذلك في علاج النفوس والقلوب .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِذَا بَلَغَ ٱلۡأَطۡفَٰلُ مِنكُمُ ٱلۡحُلُمَ فَلۡيَسۡتَـٔۡذِنُواْ كَمَا ٱسۡتَـٔۡذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (59)

بلوغ الأطفال :

{ وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 59 ) } .

التفسير :

59 - وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ . . . الآية .

الحلم : وقت البلوغ والاحتلام ، والمراد : بلغوا حد العقل والتمييز ، أما الأولاد والبنات الذين لا تظهر في أجسادهم هذه التغييرات لسبب من الأسباب ، فيمكن أن يقدر لهم العمر الزمني للبلوغ ، وهو سن الخامسة عشرة على أرجح الأقوال .

لقد أذن الله للأطفال الصغار أن يدخلوا على آبائهم وأمهاتهم دون استئذان إلا في ثلاثة أوقات يغلب فيها التكشف ، وكان هذا الإذن للأطفال لكثرة دخولهم ولحاجتهم إلى معونة أسرتهم ، ولقلة إدراكهم لمعنى العورة .

فإذا اعتاد الأطفال ذلك ثم خرجوا عن حد الطفولة بأن احتلموا ، أو بلغوا السن التي يحكم فيها عليهم بالبلوغ ، وجب أن يفطموا عن تلك العادة ، ويحملوا على أن يستأذنوا في جميع الأوقات ، كما يستأذن الرجال الكبار الذين لم يعتادوا الدخول عليكم إلا بإذن .

أو الذين ذكروا من قبلهم في قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا . . . ( النور : 27 ) .

تنبيهات :

1 – قال في الإكليل :

في الآية أن التكليف إنما يكون بالبلوغ ، وأن البلوغ يكون بالاحتلام ، وأن الأولاد البالغين لا يدخلون على والديهم إلا باستئذان كالأجانب .

2 – إذا لم تظهر علامات البلوغ على الصبي أو الفتاة ، يمكن أن نحكم لهم بالبلوغ الزمني وهو خمسة عشر عاما على الراجح ، وقد اختلف الفقهاء في تحديد سن البلوغ .

فقال الشافعي : وأبو يوسف ، ومحمد ، وأحمد بن حنبل ، رحمهم الله : إن الولد – وكذلك البنت – إذا بلغ خمسة عشر عاما يكون بالغا ، ويؤيده قول من أبي حنيفة ، إلا أن قوله المشهور : أن الولد لا يكون بالغا حتى يبلغ ثماني عشرة سنة ، وأن البنت لا تكون بالغة حتى تبلغ سبع عشرة سنة ، وليس هذان القولان بمبنيين على نص في الشريعة ، وإنما هما مبنيان على الاجتهاد الفقهي ، فليس من الضروري أن نقرر أن خمس عشرة أو ثماني عشرة سنة ، هي سن البلوغ في أمر الأولاد غير المحتلمين ، والبنات غير الحائضات ، في الدنيا كلها ، فإن أحوال نمو الجسد الإنساني تختلف باختلاف الأقطار والأزمان240 ، ومعرفة السن المعتادة للبلوغ ، أمر يرجع فيه إلى أهل الاختصاص كالأطباء ومن في حكمهم ، فهؤلاء يقدرون العمر الزمني للبلوغ في قطر من الأقطار .

وعند ذلك يمكن لرجال القانون أن يقرروا حد البلوغ للأطفال غير العاديين في ذلك القطر .

وما قدره الفقهاء من تحديد خمس عشرة سنة عمرا لبلوغ الولد غير المحتلم ، أمر قياسي يقوم على الاجتهاد لا على نص من النصوص الشرعية .

3 – جاء في كتب الفقه أن ابنة اللبان والجزار تدرك البلوغ في سن مبكرة عن مثيلاتها . وكأن الفقهاء بهذه اللمحة يتركون للقاضي تقدير سن البلوغ لكل فرد ، فقد يكون أحد الأطفال ضعيف البنية أو متأخر النمو ؛ فيتأخر العمر الزمني للحكم ببلوغه ، ويكون طفل آخر قوي الجسم سليم البنية فنحكم ببلوغه في سن متقدمة عن مثيله .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِذَا بَلَغَ ٱلۡأَطۡفَٰلُ مِنكُمُ ٱلۡحُلُمَ فَلۡيَسۡتَـٔۡذِنُواْ كَمَا ٱسۡتَـٔۡذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (59)

ولما بين حكم الصبيان والأرقاء الذين هم أطوع للأمر ، وأقبل لكل خير ، أتبعه حكم البالغين من الأحرار فقال : { وإذا بلغ الأطفال منكم } أي من أحراركم { الحلم } أي السن الذي يكون فيه إنزال المني برؤية الجماع في النوم ، هذا أصله ، والمراد سن مطلق الإنزال { فليستأذنوا } على غيرهم في جميع الأوقات { كما استأذن الذين من قبلهم } على ما بين في أول الآيات القائلة { لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا } ونقل ابن كثير عن يحيى بن أبي كثير وسعيد بن جبير أن الغلام إذا كان رباعياً فإنه يستأذن في العورات الثلاث على أبويه ، فإذا بلغ الحلم فليستأذن على كل حال .

ولما كانت آيات الاستئذان أتقن حاسم لمواد الشر ، وتركها أعظم فاتح لأبواب الفتن ، وكان إخراج الكلام ، في أحكام الحلال والحرام ، مع التهذيب والبيان ، في النهاية من الصعوبة ، وكان فطم النفوس عما ألفت في غاية من العسر شديدة ، أشار سبحانه إلى ذلك بتكرير آية البيان ، إشارة إلى أنها - لما لها من العلو - جديرة بالتأكيد ، وإلى أن البلغاء يستبعدون القدرة على البيان كلما أريد على هذا السنن فقال : { كذلك } أي مثل ذلك البيان الذي بينه في آيات الأحكام { يبين الله } بما له من صفات الكمال { لكم } مع ما لكم من خلال النقص { آياته } أي العلامات الدالة عليه من هذه الفرعيات وما رقت إليه من الأصليات ، فأضافها إليه سبحانه تعظيماً لها ، إشارة إلى أنها مقدمة للآيات الإلهيات ، لأن من لم يتفرغ من مكدرات الأفكار ، لم يطر ذلك المطار ، وحثاً على تدبر ما تقدم منها لاستحضار ما دعت إليه من الحكم ، وفصلت به من المواعظ ، وتنبيهاً على ما فيها من العلوم النافعة ديناً ودنيا ، وزاد في الترغيب في العلم والحكمة إشارة إلى أن ذلك سبب كل سعادة فقال : { والله } أي المحيط بكل شيء { عليم حكيم* } روى الطبراني وغيره

" عن أنس رضي الله عنه قال : لما كانت صبيحة احتلمت دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته أني قد احتلمت ، فقال : " لا تدخل على النساء " ، فما أتى عليّ يومٌ كان أشد منه " .