في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (31)

18

وأخيرا يجيء ختام هذا الدرس قويا حازما ، حاسما في القضية التي يعالجها ، والتي تمثل أكبر الخطوط العريضة الأساسية في السورة . يجيء ليقرر في كلمات قصيرة حقيقة الإيمان ، وحقيقة الدين . ويفرق تفريق حاسما بين الإيمان والكفر في جلاء لا يحتمل الشبهات :

( قل : إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم . قل : أطيعوا الله والرسول : فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين ) . .

إن حب الله ليس دعوى باللسان ، ولا هياما بالوجدان ، إلا أن يصاحبه الأتباع لرسول الله ، والسير على هداه ، وتحقيق منهجه في الحياة . . وإن الإيمان ليس كلمات تقال ، ولا مشاعر تجيش ، ولا شعائر تقام . ولكنه طاعة لله والرسول ، وعمل بمنهج الله الذي يحمله الرسول . .

يقول الإمام ابن كثير في التفسير عن الآية الأولى : " هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية . فإنه كاذب في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأعماله ، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله [ ص ] أنه قال : " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " . .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (31)

{ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين }

التفسير :

قال القرطبي : روى أن المسلمين قالوا : يا رسول الله والله إنا لنحب ربنا فأنزل الله عز وجل : { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله . }

و قال محمد بن جعفر بن الزبير : نزلت في نصارى نجران وذلك أنهم قالوا : " إنما نعظم المسيح حبا لله تعالى وتعظيما له " فأنزل الله الآية ردا عليهم . رواه محمد ابن إسحق .

و المعروف أن سبب النزول قد يتعدد لنازل واحد من القرآن الكريم والعبرة مع هذا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .

أن تعالم الإسلام واضحة وأوامره واجبة الاتباع وحب الله ليس دعوى باللسان ولا هياما بالوجدان ولكنه التزام بأحكام الشرع واتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم " في كل ما جاء به ، قال صلى الله عليه وسلم : " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به " ( 158 ) . فقد أتم الله الدين وأكمل على المسلمين نعمة الإسلام ووجب عليهم الإتباع دون الابتداع فمن ادعى عن عقله أو رأيه أو حكمه أصوب من حكم الله فقد احتكم إلى أحكام الجاهلية وخالف منهج القرآن وهدى نبي الإسلام .

روى البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " ( 159 ) .

و روى البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار " ( 160 ) .

و جاء في تفسير ابن الكثير :

هذه الآية حاكمة على أن من ادعى محبة الله وليس على الطريقة المحمدية بأنه كاذب في دعواه حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله .

إن العمل بشرع الله يورث المسلم إخلاصا وحبا لله ولرسوله وأفضل درجات العبادة أن يعبد المؤمن ربه حبا له وشوقا إلى لقائه ورغبة في مرضاته وإذا داوم العبد على طاعة الله أحبه الله وغفر ذنبه وهداه إلى الطريق القويم .

روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال : إني أحب فلان فأحبه . قال : فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول : إن الله يحب فلان فأحبوه فيحبه أهل السماء قال ثم يوضع له القبول في الأرض " ( 161 ) . وإذا أبغض الله عبدا دعا جبريل فيقول : إني أبغض فلان فأبغضه قال : فيبغضه جبريل وينادي في أهل السماء : إن الله يبغض فلانا فأبغضوه قال : فيبغضوه ثم توضع له البغضاء في الأرض " .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (31)

ولما فطمهم سبحانه وتعالى عن موالاة الكفار ظاهراً وباطناً بما اقتضى القصر على موالاة أهل الله لنفيه{[16196]} من تولي الكفر عن أن يكون في شيء من الله ، وكان الإنسان ربما والى الكافر وهو{[16197]} يدعي محبة الله سبحانه وتعالى ، وختم برأفته سبحانه و تعالى بعباده{[16198]} ، وكانت الرأفة قد تكون عن المحبة الموجبة للقرب ، فكان الإخبار بها ربما دعا إلى الاتكال{[16199]} ، ووقع لأجله الاشتباه في الحزبين{[16200]} ، جعل{[16201]} لذلك سبحانه وتعالى{[16202]} علامة فقال : - وقال الحرالي : لما كان أعظم ما يترامى إليه مقامات السالكين إلى الله سبحانه وتعالى القاصدين إليه من مبدإ حال الذكر الذي هو منتهى المقامات العشر المترتبة{[16203]} في قوله سبحانه وتعالى { إن المسلمين } محبة الله سبحانه وتعالى بما أن المحبة وصلة خفية يعرف الحاس بها كنهها ، أقام سبحانه وتعالى الحجة على المترامين لدعوى القرب من الله والادعاء في أصل{[16204]} ما يصل إليه القول من محبته بما أنبأنهم أن من انتهى إلى أن{[16205]} يحب الله سبحانه وتعالى فليتبع هذا النبي الذي أحبه الله سبحانه وتعالى فمن اتبعه أحبه الله{[16206]} ، فقامت بذلك الحجة على كل قاصد وسالك{[16207]} ومتقرب ، فإن نهاية الخلق أن يحبوا الله ، وعناية الحق أن يحب{[16208]} العبد ، فرد سبحانه وتعالى جميع من أحاط به الاصطفاء والاجتباء والاختصاص ، ووجههم إلى وجهة الاتباع{[16209]} لحبيبه{[16210]} الذي أحبه ، كما قال صلى الله عليه وسلم " لو أن موسى بين أظهركم ما وسعه إلا اتباعي " وإذا كان ذلك في موسى عليه الصلاة والسلام كان في المنتحلين لملته ألزم{[16211]} بما هم متبعون لمتبعه عندهم ، وأصل ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما كان المبدأ{[16212]} في الأبد وجب{[16213]} أن يكون النهاية في المعاد ، فألزم الله سبحانه وتعالى على{[16214]} الخليقة{[16215]} ممن أحب الله سبحانه وتعالى أن يتبعوه ، وأجرى ذلك على لسان إشعاراً بما فيه من الخير والوصول إلى الله سبحانه وتعالى من حيث{[16216]} إنه نبي البشرى ، وليكون ذلك أكظم لمن أبى اتباعه - انتهى ، فقال سبحانه وتعالى - : { قل إن كنتم تحبون الله } أي المحيط بصفات الكمال مخلصين في حبه لاعتقاد أنه على غاية الكمال ، فإن الكمال محبوب لذاته { فاتبعوني }{[16217]} قال الحرالي : قد فسر صلى الله عليه وسلم ظاهر اتباعه فقال{[16218]} " في البر " وأصل حقيقته الإيمان بالله والإيثار لعباده{[16219]} ، والتقوى وهي ملاك الأمر وأصل الخير ، وهي اطراح استغناء العبد بشيء من شأنه ، {[16220]}لا من{[16221]} مِلك ولا من مُلك ولا من فعل ولا من وصف ولا من ذات حتى يكون عنده كما هو عند ربه في أزله قبل أن يكون موجوداً{[16222]} لنفسه ليكون أمره كله بربه في وجوده كما كان أمره بربه قبل{[16223]} وجوده لنفسه ، وقد فسر حق التقاة التي هي غاية التقوى بأن يكون العبد يشكر فلا يكفر{[16224]} ، ويذكر فلا ينسى ، ويطيع فلا يعصى - انتهى .

قال الإمام : المحبة توجب الإقبال بالكلية على المحبوب والإعراض عن غيره - انتهى . فمن ادعى محبته وخالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كذاب ، وكتاب الله سبحانه وتعالى يكذبه { يحببكم الله } أي الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى{[16225]} حباً ظهرت{[16226]} أماراته بما أعلم به الفك ، فإن الأمر المنجي{[16227]} غاية النجاة إنما هو محبة الله سبحانه وتعالى للعبد ، لا محبة العبد لله ، فإنه ربما كانت له حالة يظن بها أنه يحب الله والواقع أنه ليس كما ظن لكونه يعمل بما يسخطه سبحانه وتعالى ، والأمارة الصحيحة لذلك رد{[16228]} الأمر كله إلى الله ، وحينئذ يفعل الله مع العبد فعل المحب من حسن الثناء والإكرام بالثواب . قال الحرالي : فإن من رد الأمانة إلى الله سبحانه وتعالى أحبه الله فكان سمعه وبصره ويده ورجله ، وإذا أحب الله عبداً أراحه وأنقذه من مناله في أن يكون هو يحب الله ، فمن أحب الله وله ، ومن أحبه الله سكن في ابتداء عنايته وثبته الله سبحانه وتعالى - انتهى . فقد أشار سبحانه وتعالى إلى أن الدلالة الناشئة عن الرأفة من الإكرام بالنعم من الهداية بالبيان والإبلاغ في الإحسان عامة للمحبوب وغيره ، وأن الدليل على المحبة الإلهية هو{[16229]} الاتباع للداعي{[16230]} " اعملوا{[16231]} فكل ميسر لما خلق له فأما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة ، وأما من كان من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقاوة{[16232]} " " ما تقرب المتقربون إليّ{[16233]} بمثل أداء {[16234]}ما افترضته{[16235]} عليهم ، ولا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه " .

ولما كان الدين{[16236]} شديداً{[16237]} لن يشاده أحد إلا غلبه ، لما عليه العبد من العجز والمعبود من عظيم الأمر أتبع ذلك الإعلام{[16238]} بأنه مع إيصال{[16239]} الثواب يرفع العقاب{[16240]} فقال - وقال الحرالي : ولما كان من آية حب الله له صلى الله عليه وسلم ما أنزل عليه من قوله :{ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر{[16241]} }[ الفتح : 1 ، 2 ] أجرى لمن أحبه{[16242]} الله باتباعه حظ{[16243]} منه في قوله - : { ويغفر لكم ذنوبكم } أي مطلقاً ، وذنب كل عبد بحسبه{[16244]} ، لأن أصل معنى الذنب أدنى{[16245]} مقام العبد ، فكل ذي مقام أعلاه حسنته وأدناه ذنبه ، ولذلك في كل مقام توبة ، حتى تقع التوبة من التوبة{[16246]} فيكمل الوجود والشهود .

ولما كان هذا الأمر من{[16247]} أخص ما{[16248]} يقع ، وكان مما دونه مقامات خواص الخلق فيما بين إسلامهم إلى محبتهم لله سبحانه وتعالى ختم تعالى بما يفهم أحوال ما يرجع إلى من دون هذا الكمال فقال : { والله } أي{[16249]} الذي له الكمال كله { غفور رحيم * } أي لمن لم{[16250]} ينته لرتبة حب الله له بما يقع في أثناء أحواله من موجب المغفرة واستدعاء الرحمة حيث لم يصل إلى المحبة ، فمرحوم بعد مغفرة وهو القاصد ، ومغفور بعد محبة وهو الواصل - انتهى .


[16196]:ن ظ ومد، وفي الأصل: لنفسه ـ كذا.
[16197]:من ظ ومد، وفي الأصل: هي.
[16198]:من ظ ومد، وفي الأصل: بعبادة.
[16199]:من ظ ومد، وفي الأصل: الإنكال.
[16200]:ي ظ: الحرمين.
[16201]:ي ظ: سبحانه لذلك.
[16202]:ي ظ: سبحانه لذلك.
[16203]:ن ظ ومد، وفي الأصل: المرتبة.
[16204]:في ظ: أعلى، ولا يتضح في مد.
[16205]:من مد، وفي الأصل: من، وقد سقط من ظ.
[16206]:ا بين الحاجزين من ظ ومد. زيد
[16207]:ظ ومد: سالك وقاصد.
[16208]:في ظ: تحب.
[16209]:ي ظ: وجهه للإتباع.
[16210]:ن ظ ومد، وفي الأصل: لحبيب.
[16211]:ي ظ: إلزام.
[16212]:من ظ ومد، وفي الأصل: البدا.
[16213]:في ظ ومد: أوجب.
[16214]:في ظ: أعلى.
[16215]:من ظ ومد، وفي الأصل: الخليفة.
[16216]:سقط من ظ.
[16217]:في ظ: فاتبعون.
[16218]:يد بعده في الأصل: له، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[16219]:ي ظ ومد: لعباد الله.
[16220]:ي ظ: لامر.
[16221]:ي ظ: لامر.
[16222]:ي مد: موجود.
[16223]:ن ظ، وفي الأصل: مثل، ولا يتضح في مد.
[16224]:في مد: ولا يكفر.
[16225]:في ظ: العليا.
[16226]:من مد، وفي الأصل وظ: طهرت.
[16227]:في ظ: السخى ـ كذا.
[16228]:ن ظ ومد، وفي الأصل: مرد.
[16229]:في ظ: عن.
[16230]:في ظ: الداعي.
[16231]:زيد من مد، وفي ظ: فعملوا.
[16232]:زيد بعده في ظ ومد: لييسر لعمل أهل الشقاة.
[16233]:ن ظ ومد، وفي الأصل: بأداء.
[16234]:ن ظ ومد، وفي الأصل: بأداء
[16235]:ي مد: افترضت.
[16236]:في مد: الذين.
[16237]:من ظ ومد، وفي الأصل: شديد.
[16238]:من ظ ومد، وفي الأصل: الملام.
[16239]:ن ظ ومد، وفي الأصل: اتصال.
[16240]:كرر في الأصل ومد.
[16241]:ورة 48 آية 1 و 2.
[16242]:ن ظ ومد، وفي الأصل: حبه.
[16243]:ي ظ: حط.
[16244]:ي ظ: يحسب.
[16245]:ي ظ: إذن.
[16246]:يد من ظ ومد.
[16247]:قط من ظ.
[16248]:ي ظ: مما.
[16249]:قط من مد.
[16250]:يد من ظ ومد.