في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قَالَ فِرۡعَوۡنُ ءَامَنتُم بِهِۦ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّ هَٰذَا لَمَكۡرٞ مَّكَرۡتُمُوهُ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لِتُخۡرِجُواْ مِنۡهَآ أَهۡلَهَاۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ} (123)

103

ولكن الطواغيت المتجبرين لا يدركون كيف يتسرب النور إلى قلوب البشر ؛ ولا كيف تمازجها بشاشة الإيمان ؛ ولا كيف تلمسها حرارة اليقين . فهم لطول ما استعبدوا الناس يحسبون أنهم يملكون تصريف الأرواح وتقليب القلوب - وهي بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء - . . ومن ثم فوجىء فرعون بهذا الإيمان المفاجىء الذي لم يدرك دبيبه في القلوب ولم يتابع خطاه في النفوس ؛ ولم يفطن إلى مداخله في شعاب الضمائر . . ثم هزته المفاجأة الخطيرة التي تزلزل العرش من تحته : مفاجأة استسلام السحرة - وهم من كهنة المعابد - لرب العالمين . رب موسى وهارون . بعد أن كانوا مجموعين لإبطال دعوة موسى وهارون إلى رب العالمين ! . . والعرش والسلطان هما كل شيء في حياة الطواغيت . . وكل جريمة يمكن أن يرتكبوها بلا تحرج في سبيل المحافظة على الطاغوت :

( قال فرعون : آمنتم به قبل أن آذن لكم ! إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها . فسوف تعلمون . لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ، ثم لأصلبنكم أجمعين ) . .

هكذا . . ( آمنتم به قبل أن آذن لكم ! ) . . كأنما كان عليهم أن يستأذنوه في أن تنتفض قلوبهم للحق - وهم أنفسهم لاسلطان لهم عليها - أو يستأذنوه في أن ترتعش وجداناتهم - وهم أنفسهم لا يملكون من أمرها شيئاً - أو يستأذنوه في أن تشرق أرواحهم - وهم أنفسهم لا يمسكون مداخلها . أو كأنما كان عليهم أن يدفعوا اليقين وهو ينبت من الأعماق . أو أن يطمسوا الإيمان وهو يترقرق من الأغوار . أو أن يحجبوا النور وهو ينبعث من شعاب اليقين !

ولكنه الطاغوت جاهل غبي مطموس ؛ وهو في الوقت ذاته متعجرف متكبر مغرور !

ثم إنه الفزع على العرش المهدد والسلطان المهزوز :

( إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها ) . .

وفي نص آخر : ( إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ) !

والمسألة واضحة المعالم . . إنها دعوة موسى إلى ( رب العالمين ) . . هي التي تزعج وتخيف . . إنه لا بقاء ولا قرار لحكم الطواغيت مع الدعوة إلى رب العالمين . وهم إنما يقوم ملكهم على تنحية ربوبية الله للبشر بتنحية شريعته . وإقامة أنفسهم أرباباً من دون الله يشرعون للناس ما يشاءون ، ويعبدون الناس لما يشرعون ! . . إنهما منهجان لا يجتمعان . . . أو هما دينان لا يجتمعان . . أو هما ربان لا يجتمعان . . وفرعون كان يعرف وملؤه كانوا يعرفون . . ولقد فزعوا للدعوة من موسى وهارون إلى رب العالمين . فأولى أن يفزعوا الأن وقد ألقي السحرة ساجدين . قالوا : آمنا برب العالمين . رب موسى وهارون ! والسحرة من كهنة الديانة الوثنية التي تؤله فرعون ، وتمكنه من رقاب الناس باسم الدين !

/خ126

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قَالَ فِرۡعَوۡنُ ءَامَنتُم بِهِۦ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّ هَٰذَا لَمَكۡرٞ مَّكَرۡتُمُوهُ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لِتُخۡرِجُواْ مِنۡهَآ أَهۡلَهَاۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ} (123)

{ قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون( 123 ) لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنّكم أجمعين( 124 ) } :

التفسير :

{ 123 – قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم } .

قرئ بحذف الهمزة على الإخبار ، وقرئ بإثباتها على الاستفهام التوبيخي من فرعون للسحرة .

فقد أنكر عليهم جرأتهم في إعلان الإيمان بموسى من قبل أن يأذن لهم فرعون .

فهو لغروره وجهله ظن أن الإيمان بالحق بعد أن تبين يحتاج إلى استئذان .

{ إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها } .

أي : إن ما صنعتموه من الإيمان بموسى وصدق رسالته لم يقع منكم ؛ لوضوح حجته ، وصدق معجزته ، بل هو حيلة احتلتم بها ، وخديعة اتخذتموها بالاتفاق مع موسى في مدينة مصر ؛ لتخرجوا منها سكانها الأصليين – القبط – فيزول ملكهم ، وتزول دولتهم ، يستقر لكم الأمر من بعدهم وقد قصد فرعون بهذا الأسلوب أن يلقي في أسماع عامة القبط بشبهتين .

الأولى : أن إيمان لسحرة كان بناء على اتفاق سابق وتواطؤ مع موسى .

الثانية : أن ذلك كان لإخراج أهل مصر من ديارهم ، وقصده تثبيت أهل مصر على ما هم عليه من عبادته والخضوع له ، وإذكاء نار عداوتهم لموسى وحقدهم عليه ، إذ ليس أشق على النفوس من مفارقة الأديان وترك الأوطان .

وهكذا يقف الطغاة ضد كل داعية مخلص ، وعندما أعلن النبي صلى الله عليه وسلم دعوته في أهل مكة ، قدم عليه بعض الوفود من العرب ، فقال له أحد الوافدين ، أن كلامك يا أخا قريش لمما تكرهه الملوك .

لأن دعوة الرسل الحقة ، يترتب عليها إحقاق الحق ، وإزهاق الباطل ، الحكم بالعدل ، وقطع دابر الظلم ، ولذلك يحتال الطغاة الظالمون في سائر مراحل التاريخ ؛ لتشويه دعوة الرسل ، وإلصاق التهم بالمصلحين .

قال تعالى :

{ وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم لنهلكن الظالمين * ولنسكننّكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامى وخاف وعيد . ( إبراهيم : 13 ، 14 ) .

فسوف تعلمون .

أي : فسوف تعلمون الأهوال التي سأنزلها بكم جزاء إيمانكم بموسى وتواطئكم معه ، ثم فصّل هذا الوعيد بقوله :

{ لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجميعن } .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قَالَ فِرۡعَوۡنُ ءَامَنتُم بِهِۦ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّ هَٰذَا لَمَكۡرٞ مَّكَرۡتُمُوهُ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لِتُخۡرِجُواْ مِنۡهَآ أَهۡلَهَاۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ} (123)

ولما صرحوا بالذي آمنوا به تصريحاً منع فرعون أن يدلس معه بما يخيل به على قومه ، شرع في تهديدهم على وجه يمكر فيه بقومه ويلبس عليهم إيقافاً لهم عن المبادرة إلى الإيمان - كما بادر السحرة - إلى وقت ما ، فاستأنف الخبر عنه سبحانه بقوله مصرحاً باسمه غير مضمر له كما في غير هذه السورة لأن مقصود السورة الإنذار ، وهو أحسن الناس بالمناداة عليه في ذلك المقام ، وقصته مسوفة لبيان فسق الأكثر ، وهو أفسق أهل ذلك العصر{[32942]} : { قال{[32943]} فرعون } منكراً عليهم موبخاً لهم{[32944]} بقوله : { آمنتم } أي صدقتم { به } أي بموسى تصديقاً آمنه من رجوعكم عنه ، ومن أخبر أراد الاستفهام ، وأوهم فرعون من فهم عنهم من القبط إرادة الإيمان لأجل ما رأوا من دلائل صدق موسى عليه السلام واقتداء بالسحرة بقوله : { قبل أن آذن لكم } ليوقفهم من خطر المخالفة له بما رجاهم فيه من إذنه ، فلما ظن أنهم وقفوا خيلهم بما يذهب عنهم ذلك الخاطر أصلاً ورأساً بقوله مؤكداً نفياً لما على قوله من لوائح الكذب{[32945]} : { إن هذا لمكر } أي عظيم جداً ، وطول الكلام تبييناً لما {[32946]}أرادوا وتنسية{[32947]} لخاطر الإيمان فقال : { مكرتموه في المدينة } أي على ميعاد بينكم وبين موسى ، وحيلة احتلتموها قبل اجتماعكم ، وليس إيمانكم{[32948]} لأن صدقه ظهر لكم ؛ ثم علل بما يتعلق{[32949]} به فكرهم وتشوش{[32950]} قلوبهم فقال : { لتخرجوا } أي أنتم وموسى عليه السلام { منها أهلها } وتسكنوها{[32951]} أنتم وبنو إسرائيل .

ولما استتب له ما أراد من دقيق المكر ، شرع في تهديدهم بما يمنع غيرهم وربما ردهم ، فقال مسبباً عن ذلك : { فسوف تعلمون* } أي بوعد لا خلف فيه ما أفعل بكم {[32952]}من عذاب لا يحتمل ،


[32942]:-زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[32943]:- زيد بعده في الأصل: إلى، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[32944]:- زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[32945]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[32946]:-في ظ: أراد وتغشية-كذا.
[32947]:-في ظ: أراد وتغشية-كذا.
[32948]:-سقط من ظ.
[32949]:-في ظ: أراد وتغشية.
[32950]:- من ظ، وفي الأصل: يعلق.
[32951]:- في ظ: يشوش
[32952]:- في ظ: تسكنونها.