في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمۡ فِئَةٗ فَٱثۡبُتُواْ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} (45)

41

وإذ إن الأمر كذلك . . التدبير تدبير الله . والنصر من عند الله . والكثرة العددية ليست هي التي تكفل النصر . والعدة المادية ليست هي التي تقرر مصير المعركة . . فليثبت الذين آمنوا إذن حين يلقون الذين كفروا ؛ وليتزودوا بالعدة الحقيقية للمعركة ؛ وليأخذوا بالأسباب الموصولة بصاحب التدبير والتقدير ، وصاحب العون والمدد ، وصاحب القوة والسلطان ؛ وليتجنبوا أسباب الهزيمة التي هزمت الكفار على كثرة العدد وكثرة العدة ؛ وليتجردوا من البطر والكبرياء والباطل ؛ وليحترزوا من خداع الشيطان ، الذي أهلك أولئك الكفار ؛ وليتوكلوا على الله وحده فهو العزيز الحكيم :

( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا . واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون . وأطيعوا الله ورسوله ؛ ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم . واصبروا إن الله مع الصابرين . ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله ، والله بما يعملون محيط . وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم ، وقال : لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم . فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال : إني بريء منكم ، إني أرى ما لا ترون ، إني أخاف الله ، والله شديد العقاب . إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض : غر هؤلاء دينهم ! ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم )

وفي هذه الفقرات القليلة تحتشد معان وإيحاءات ، وقواعد وتوجيهات ، وصور ومشاهد ؛ وتشخص مواقف من المعركة كأنها حية واقعة ، وتتكشف خواطر ومشاعر وضمائر وسرائر . . مما يحتاج تصويره إلى أضعاف هذه المساحة من التعبير ؛ ثم لا يبلغ ذلك شيئاً من هذا التصوير المدهش الفريد !

إنها تبدأ بنداء الذين آمنوا - في سلسلة النداءات المتكررة للعصبة المسلمة في السورة - وتوجيههم إلى الثبات عند لقاء الأعداء ، وإلى التزود بزاد النصر ؛ والتأهب بأهبته .

( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا ، واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون ، وأطيعوا الله ورسوله ، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ، واصبروا إن الله مع الصابرين . ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله ، والله بما يعملون محيط ) .

فهذه هي عوامل النصر الحقيقية : الثبات عند لقاء العدو . والاتصال بالله بالذكر . والطاعة لله والرسول . وتجنب النزاع والشقاق . والصبر على تكاليف المعركة . والحذر من البطر والرئاء والبغي . .

فأما الثبات فهو بدء الطريق إلى النصر . فأثبت الفريقين أغلبهما . وما يدري الذين آمنوا أن عدوهم يعاني أشد مما يعانون ؛ وأنه يألم كما يألمون ، ولكنه لا يرجو من الله ما يرجون ؛ فلا مدد له من رجاء في الله يثبت أقدامه وقلبه ! وأنهم لو ثبتوا لحظة أخرى فسينخذل عدوهم وينهار ؛ وما الذي يزلزل أقدام الذين آمنوا وهم واثقون من إحدى الحسنيين : الشهادة أو النصر ? بينما عدوهم لا يريد إلا الحياة الدنيا ؛ وهو حريص على هذه الحياة التي لا أمل له وراءها ولا حياة له بعدها ، ولا حياة له سواها ? !

وأما ذكر الله كثيراً عند لقاء الأعداء فهو التوجيه الدائم للمؤمن ؛ كما أنه التعليم المطرد الذي استقر في قلوب العصبة المؤمنة ، وحكاه عنها القرآن الكريم في تاريخ الأمة المسلمة في موكب الإيمان التاريخي . ومما حكاه القرآن الكريم من قول سحرة فرعون عندما استسلمت قلوبهم للإيمان فجأة ، فواجههم فرعون بالتهديد المروع البشع الطاغي ، قولهم : ( وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا . ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين ) . .

ومما حكاه كذلك عن الفئة القليلة المؤمنة من بني إسرائيل ، وهي تواجه جالوت وجنوده : ( ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا : ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ) .

ومما حكاه عن الفئات المؤمنة على مدار التاريخ في مواجهة المعركة : وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير ، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله ، وما ضعفوا وما استكانوا ، والله يحب الصابرين . وما كان قولهم إلا أن قالوا : ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا ، وثبت أقدامنا ، وانصرنا على القوم الكافرين . .

ولقد استقر هذا التعليم في نفوس العصبة المسلمة ؛ فكان هذا شأنها حيثما واجهت عدواً . وقد حكى الله - فيما بعد - عن العصبة التي أصابها القرح في " أحد " ؛ فلما دعيت إلى الخروج ثاني يوم ، كان هذا التعليم حاضراً في نفوسها : ( الذين قال لهم الناس : إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ، فزادهم إيماناً وقالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل )

إن ذكر الله عند لقاء العدو يؤدي وظائف شتى : إنه الاتصال بالقوة التي لا تغلب ؛ والثقة بالله الذي ينصر أولياءه . . وهو في الوقت ذاته استحضار حقيقة المعركة وبواعثها وأهدافها ، فهي معركة لله ، لتقرير ألوهيته في الأرض ، وطرد الطواغيت المغتصبة لهذه الألوهية ؛ وإذن فهي معركة لتكون كلمة الله هي العليا ؛ لا للسيطرة ، ولا للمغنم ، ولا للاستعلاء الشخصي أو القومي . . كما أنه توكيد لهذا الواجب - واجب ذكر الله - في أحرج الساعات وأشد المواقف . . وكلها إيحاءات ذات قيمة في المعركة ؛ يحققها هذا التعليم الرباني .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمۡ فِئَةٗ فَٱثۡبُتُواْ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} (45)

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ ( 45 ) وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 46 ) وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَاللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ( 47 ) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللّهَ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( 48 ) إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ فَإِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 49 ) وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ ( 50 ) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ ( 51 ) }

المفردات :

فئة : جماعة .

45 – { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا . . . } الآية .

هذه الآيات تعلم المسلمين آداب القتال ، وفنون الحرب ، وتحثهم على التخلق بالثبات في النزال ، وعدم التفكير في الهزيمة أو الفرار .

يروى أن معاوية بن أبي سفيان قال :

فكرت في الهزيمة يوم صفين ؛ فتذكرت قول عمرو بن الإطنابة :

أقول لها وقد طارت شعاعا *** من الأبطال : ويحك لن تراع

فإنك لو سألت بقاء يوم *** على الأجل الذي لك لم تطاع

سبيل الموت راحة كل حي *** فداعيه لأهل لأرض داع

ومن لم يعتبط يسأم ويهرم *** وتسلمه المنون إلى انقطاع

وما للمرء خير في حياة *** إذا ما عد من سقط المتاع

ومعنى الآية :

يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله ، إذا حاربتم جماعة من الكفار ، والتقيتم بهم في ميدان الحرب ، فالواجب عليكم أن تثبتوا في قتالهم ، وتصمدوا للقائهم ، وإياكم والفرار من الزحف ، وتوليتهم الأدبار ، فالثبات فضيلة ، والفرار كبيرة ! .

{ واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون } .

وعليكم بذكر الله تعالى ذكرا كثيرا ، والتضرع إليه بالقلب واللسان ، مع اليقين الجازم بأنه سبحانه على كل شيء قدير ، وبيده الخلق والأمر ، كما فعل المؤمنون السابقون من أتباع طالوت ، حيث رغبوا في الثبات ، وتذرعوا بالصبر وأخذوا العدة إلى النصر ، قال تعالى :

{ ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين * فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء . . . }( البقرة : 25 ، 251 ) .

فالنصر حليف الثبات واليقين ، والرغبة في الشهادة ، والحرص على مرضاة الله : { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين }( البقرة : 249 ) .

وذكر الله تعالى عون في الشدائد ، وسبيل إلى النصر ، وباب من أبواب الثواب والأجر .

قال تعالى : { والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما }( الأحزاب : 35 ) .

وذكر الله سبيل إلى الفلاح والنصر ، وطريق إلى علو الهمة ، واستمداد العون من الله . قال تعالى : { واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون } .

وهذا يدل على أن ذكر الله تعالى مطلوب في أحوال العبد كلها ، سلما وحربا ، وصحة ومرضا . وإقامة وسفرا ؛ فذكر الله دواء وذكر الناس داء .

من هدى السنة

أخرج البخاري ومسلم في كتاب الجهاد : عن عبد الله بن أبي أوفى ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيهل العدو ، انتظر حتى مالت الشمس ثم قام في الناس فقال : أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو ، وسلوا الله العافية ، فإذا لقيتموهم فاصبروا ، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ، ثم قال : اللهم منزل الكتاب ، ومجرى الحساب ، وهازم الأحزاب ، اهزمهم وانصرنا عليهمxxxiv .

وجاء في الحديث المرفوع ، يقول الله تعالى : " إن عبدي كل عبدي : الذي يذكرني ، وهو مناجز قرنه " xxxv .

أي : لا يشغله ذلك الحال ، عن ذكري واستعانتي .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمۡ فِئَةٗ فَٱثۡبُتُواْ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} (45)

ولما بين ما نشأ عن رؤيته صلى الله عليه والسلم من قلتهم{[35042]} وما كان ينشأ عن رؤيته الكثرة لو وقعت ، لأنه صلى الله عليه وسلم - لما{[35043]} هو عليه من النصيحة والشفقة - كان يخبرهم بما رأى كما أخبرهم في غزوة أحد بالبقرة{[35044]} المذبحة ؛ أتبعه ما فعل من اللطف في رؤيتهم بأنفسهم يقظة فقال : { وإذ } أي واذكروا أيضاً إذ { يريكموهم } أي يبصركم إياهم { إذ } أي حين { التقيتم } ونبه على{[35045]} أن الرؤية ليست على حقيقة ما هم عليه بقوله : { في أعينكم } أي لا في نفس الأمر حال كونهم { قليلاً } أي عددهم يسيراً أمرهم مصدقاً{[35046]} لما أخبركم به النبي{[35047]} صلى الله عليه وسلم عن رؤياه لتجترئوا عليهم{[35048]} ؛ روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي : أتراهم سبعين ؟ قال : أراهم مائة ، فأسرنا رجلاً منهم فقلنا : كم كنتم ؟ قال : ألفاً ، قال الحرالي{[35049]} في آل عمران : فجعل القليل وصفاً لهم لازماً ثابتاً دائماً عليهم بما أوجب فيهم من نقص ذواتهم بخفاء فطرتهم وما وراء خلق الفطرة من الذوات ، قال تعالى : { ويقللكم } صيغة فعل واقع وقت لا وصفاً لهم من حيث إنه لو أراهم إياهم على الإراءة الحقيقية لزادهم مضاعفين بالعشر ، فكانوا يرونهم ثلاثة آلاف ومائتين وثلاثين - انتهى .

( في أعينهم } قبل اللقاء ليجترئوا على مصادمتكم حتى قال أبو جهل : إنما هم أكلة جزور ، ثم كثركم في أعينهم حين المصادفة حتى انهزموا حين فاجأتهم الكثرة فظنوا الظنون ؛ قال الحرالي : قللهم حين{[35050]} لم يرهم إياهم على الإراءة -{[35051]} الحقيقية العشرية ، ولا أراهم إياهم على الصورة{[35052]} الحسية ؛ فكان ذلك أية للمؤمنين على قراءة ياء الغائب - أي في آل عمران{[35053]} - وكانت آية للكفار على قراءة { ترونهم } - بتاء الخطاب ، فكان في ذلك في إظهار الإراءة في اعين الفئتين نحو مما كان من الإراءتين الواقعة بين موسى عليه السلام والسحرة في أن موسى عليه السلام ومن معه خيل إليهم من سحرهم أنها تسعى وأن فرعون ومن معه رأوا ثعباناً مبيناً يلقف{[35054]} ما يأفكون رؤية حقيقة ، فتناسب ما بين{[35055]} الأيات الماضية القائمة لهذه الآية{[35056]} بوجه ما ، وكان هذه الآية أشرف وألطف بما هي في مدافعة بغير آلة من عصى ولا حبل في ذوات الفئتين وإحساسهم - انتهى .

ولما ذكر ما أحاله سبحانه من إحساس الفئتين ، علله بقوله : { ليقضي الله } أي الذي له العزة البالغة والحكمة الباهرة من نصركم وخذلانهم بأن تفاجئهم كثرتكم بعد رؤيتكم قليلاً فيشجعهم ذلك ، ويهزمهم { أمراً كان مفعولاً } أي من إعجالهم - بما فجعهم من الكثرة بعد القلة - عن الحذر والاستعداد لذلك و{[35057]} بما فعل بأيديكم في هذه الغزوة من القتل والأسر والهزيمة المثمر لذل جميع أهل الكفر ، كان مقدراً في الأزل فلا بد من وقوعه على ما حده لأنه لا راد لأمره ولا يبدل القول لديه ، فعل ذلك كله وحده .

ولما كان التقدير : فبيده سبحانه ابتداء الأمور بتقديره إياها في الأزل لا بيد أحد غيره ، عطف عليه قوله : { وإلى الله } أي الملك الأعلى الذي بيده وحده كل أمر { ترجع الأمور* } أي{[35058]} كلها فلا ينفذ إلا ما يريد إنفاذه ، فلا تجري الأمور على ما يظنه العباد ، وهو من قولك : هذا الأمر راجع{[35059]} إليك ، أي مهما أردته فيه مضى ، ولو فرض أن غيرك{[35060]} عالجه لم يؤثر فيه ؛ ولا يزال كذلك حتى يرجع إليك فيمضي ، فالحاصل أن فيه قوة الرجوع بهذا الاعتبار وإن لم يكن هناك رجوع بالفعل ، وفي هذا تنبيه على أن أمور الدنيا غير مقصودة لذواتها ، وإنما المراد منها ما يصلح أن يكون زاداً ليوم المعاد ، ولما{[35061]} تقرر ذلك وتم على هذا السبيل الأحكم والمنهاج الأقوم ، كان علة لمضمون قوله : { يا أيها الذين آمنوا } الآيتين ، فكانتا نتيجته ، لأنه إذا علم أن الأمر كله له ولا أثر لقلة ولا كثرة أثمر لمن هو في أدنى درجات الإيمان فضلاً عن غيره قلة المبالاة بالظالمين وإن تجاوزت قواهم الحد ، وزادوا كثرة على العد ، والآيتان تذكّرانهم{[35062]} بحالتهم التي أوجبت نصرهم ليلزموها في كل معترك ولا يتنازعوا كما تنازعوا{[35063]} في المغنم { إذا لقيتم } أي قاتلتم لأن اللقاء اسم للقتال غالب { فئة } أي طائفة{[35064]} مستحقة للقتال كما أغنى عن وصفها بذلك وصفهم بالإيمان{[35065]} { فاثبتوا } أي في لقائها بقتالها كما ثبتم في بدر ولا تحدثوا أنفسكم بفرار { واذكروا الله } أي الذي له كل كمال فكل شيء يطلب فهو عنده يوجد { كثيراً } أي كما صنعتم ثَمَّ ، لأن ذلك أمارة الصدق في الاعتماد عليه وحده ، وذلك موجب للنصر لا محالة كما في الحديث القدسي

" إن عندي كل عبدي للذي يذكرني عند لقاء قرنه "

ولما أمر بذلك ، علله بأداة الترجي ، ليكون أدل على أنه سبحانه لا يجب عليه شيء فيكون أثبت للإيمان فقال : { لعلكم تفلحون* } أي لتكونوا على رجاء من الفلاح وهو الظفر بالمراد من{[35066]} النصر والأجر وكما كنتم إذ ذاك


[35042]:في ظ: قتلهم.
[35043]:من ظ، وفي الأصل: كما.
[35044]:في ظ: بالبقرة.
[35045]:سقط من ظ.
[35046]:في ظ: مصداقا.
[35047]:سقط من ظ.
[35048]:في ظ: عنهم.
[35049]:العبارة من هنا إلى "قال الحرالي" ساقطة من ظ.
[35050]:في ظ: حتى.
[35051]:زيد من ظ.
[35052]:من ظ، وفي الأصل: تصور.
[35053]:راجع آية 13 منها.
[35054]:في ظ: يتلقب.
[35055]:سقط من ظ.
[35056]:في ظ: الامه.
[35057]:زيد من ظ.
[35058]:سقط من ظ.
[35059]:في ظ: يراجع.
[35060]:في ظ: غيره.
[35061]:زيد في ظ: كان.
[35062]:في ظ: تذكيرا لهم.
[35063]:من ظ، وفي الأصل: يتنازعوا.
[35064]:زيد من ظ.
[35065]:زيد من ظ.
[35066]:في ظ: وهو.