في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبۡلَ ٱلۡحَسَنَةِ وَقَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِمُ ٱلۡمَثُلَٰتُۗ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغۡفِرَةٖ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلۡمِهِمۡۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ} (6)

هؤلاء القوم الذين يعجبون من أن يبعثهم الله خلقا جديدا . وعجبهم هذا هو العجب ! هؤلاء يستعجلونك أن تأتيهم بعذاب الله ، بدلا من أن يطلبوا هدايته ويرجوا رحمته :

( ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة ) . .

وكما أنهم لا ينظرون في آفاق الكون ، وآيات الله المبثوثة في السماء والأرض ، فهم لا ينظرون إلى مصارع الغابرين الذين استعجلوا عذاب الله فأصابهم ؛ وتركهم مثلة يعتبر بها من بعدهم :

( وقد خلت من قبلهم المثلات ) . .

فهم في غفلة حتى عن مصائر أسلافهم من بني البشر ، وقد كان فيها مثل لمن يعتبر .

( وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ) . .

فهو بعباده رحيم حتى وإن ظلموا فترة ، يفتح لهم باب المغفرة ليدخلوه عن طريق التوبة . ولكن يأخذ بعقابه الشديد من يصرون ويلجون ، ولا يلجون من الباب المفتوح .

( وإن ربك لشديد العقاب ) . .

والسياق يقدم هنا مغفرة الله على عقابه ، في مقابل تعجل هؤلاء الغافلين للعذاب قبل الهداية . ليبدو الفارق الضخم الهائل بين الخير الذي يريده الله لهم ، والشر الذي يريدونه لأنفسهم . ومن ورائه يظهر انطماس البصيرة ، وعمى القلب ، والانتكاس الذي يستحق درك النار .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبۡلَ ٱلۡحَسَنَةِ وَقَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِمُ ٱلۡمَثُلَٰتُۗ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغۡفِرَةٖ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلۡمِهِمۡۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ} (6)

{ ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب6 } .

المفردات :

السيئة : العقوبة .

الحسنة : العافية والسلامة .

المثلات : جمع مثله بفتح الميم وضم الثاء . وهي العقوبة ، سميت بذلك ؛ لأنها تماثل الذنب ، والمراد بالمثلات في الآية الكريمة عقوبات أمثالهم المكذبين قبلهم .

التفسير :

6 { ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة . . . } .

أي : إن هؤلاء المشركين لظلمهم وعدوانهم وعنادهم ؛ إذا توعدهم النبي بالعذاب إن لم يؤمنوا ؛ قالوا له : أرنا هذا العذاب إن كنت صادقا ، وقد عبر عن هذا المعنى في قوله سبحانه : { وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم }( الأنفال : 32 ) .

أي : أنهم بدل أن يطلبوا من الرسول : الدعاء لهم : بالأمان والخير ، والعافية والهداية والأمور الحسنة ، فإنهم يستعجلون الأمور السيئة ، ووقوع العذاب بهم تهكما وعنادا .

{ وقد خلت من قبلهم المثلاث } .

أي : هلاك الأمم المكذبة ، الذين جعل الله هلاكهم سلفا ومثلا للآخرين ، فمنهم : أمة مسخت قردة ، وأخرى : خنازير ، وثالثة : أهلكت بالخطف ، ورابعة : أهلكت بالرجفة ، وخامسة : بالغرق ، حيث جعل الله العقوبة التي أنزلها بالمكذبين عظة وعبرة ومثلا واضحا لجزاء كل مكذب .

قال تعالى : { وضربنا لكم الأمثال } .

{ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب } .

أي : إن الله تعالى فتح بابه للتائبين ، وستر على المذنبين ، وقبل توبة التائبين ، ولم يعجل بعقوبة المذنبين ، قال تعالى : { ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة . . }( فاطر : 45 ) .

وهو سبحانه شديد العقاب لمن مات مصرا على المعصية ، وبهذا نجد الآية الكريمة قد جمعت بين الرحمة والعذاب والرجاء والخوف ؛ حتى يتكامل الموقف ، ويأخذ الإنسان بنصيبه في العمل والتوبة قبل أن ينزل به العذاب ، وفي هذا المعنى قال تعالى : { نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم* وأن عذابي هو العذاب الأليم }( الحجر : 50 ، 49 ) .

قال ابن جرير الطبري :

وهذا الكلام وإن كان ظاهره ظاهر خير ، فإنه وعيد من الله ، وتهديد للمشركين من قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هم لم ينيبوا ويتوبوا من كفرهم ، قبل حلول نقمة الله بهمv .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبۡلَ ٱلۡحَسَنَةِ وَقَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِمُ ٱلۡمَثُلَٰتُۗ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغۡفِرَةٖ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلۡمِهِمۡۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ} (6)

{ ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة } أي : بالنقمة قبل العافية ، والمعنى : أنهم طلبوا العذاب على وجه الاستخفاف { وقد خلت من قبلهم المثلات } جمع مثلة على وزن تمرة وهي العقوبة العظيمة التي تجعل الإنسان مثلا ، والمعنى : كيف يطلبون العذاب وقد أصابت العقوبات الأمم الذين كانوا قبلهم أفلا يخافون مثل ذلك { وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم } يريد ستره وإمهاله في الدنيا للكفار والعصاة ، وقيل : يريد مغفرته لمن تاب ، والأول : أظهر هنا .