في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمۡۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} (4)

( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ) . .

وهذه نعمة شاملة للبشر في كل رسالة . فلكي يتمكن الرسول من إخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم ، لم يكن بد من أن يرسل بلغتهم ، ليبين لهم وليفهموا عنه ، فتتم الغاية من الرسالة .

وقد أرسل النبي [ ص ] بلسان قومه - وإن كان رسولا إلى الناس كافة - لأن قومه هم الذين سيحملون رسالته إلى كافة البشر . وعمره [ ص ] محدود . وقد أمر ليدعو قومه أولا حتى تخلص الجزيرة العربية للإسلام . ومن ثم تكون مهدا يخرج منه حملة رسالة محمد إلى سائر بقاع الأرض . والذي حدث بالفعل - وهو من تقدير الله العليم الخبير - أن اختير الرسول إلى جوار ربه عند انتهاء الإسلام إلى آخر حدود الجزيرة ، وبعث جيش أسامة إلى أطراف الجزيرة ، الذي توفي الرسول [ ص ] ولم يتحرك بعد . . وحقيقة إن الرسول قد بعث برسائله إلى خارج الجزيرة يدعو إلى الإسلام ، تصديقا لرسالته إلى الناس كافة . ولكن الذي قدره الله له ، والذي يتفق مع طبيعة العمر البشري المحدود ، أن يبلغ الرسول [ ص ] قومه بلسانهم ، وأن تتم رسالته إلى البشر كافة عن طريق حملة هذه الرسالة إلى الأصقاع . . وقد كان . . فلا تعارض بين رسالته للناس كافة ، ورسالته بلسان قومه ، في تقدير الله ، وفي واقع الحياة .

( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ) . . ( فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء )

إذ تنتهي مهمة الرسول - كل رسول - عند البيان . أما ما يترتب عليه من هدى ومن ضلال ، فلا قدرة له عليه ، وليس خاضعا لرغبته ، إنما هو من شأن الله . وضع له سنة ارتضتها مشيئته المطلقة . فمن سار على درب الضلال ضل ، ومن سار على درب الهدى وصل . . هذا وذلك يتبع مشيئة الله ، التي شرعت سنته في الحياة .

( وهو العزيز الحكيم ) . .

القادر على تصريف الناس والحياة ، يصرفهم بحكمة وتقدير فليست الأمور متروكة جزافا بلا توجيه ولا تدبير .

/خ27

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمۡۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} (4)

المفردات :

بلسان قومه : أي : بلغة قومه .

{ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم4 ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور5 } .

التفسير :

4 { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم . . . } .

أي : وما أرسلنا رسولا إلى أمة من الأمم ، من قبلك ومن قبل قومك ، إلا بلغة قومه الذين أرسلناه إليهم ؛ ليفهمهم ما أرسل به إليهم ، من أمره ونهيه بسهولة ويسر ، ولتقوم عليهم الحجة وينقطع العذر ، وقد جاء هذا الكتاب بلغته ، وهو يتلى عليهم فأي عذر لهم في ألا يفقهوه ، وما الذي صدهم عن أن يدرسوه ؛ ليعلموا ما فيه من حكم وأحكام ، وإصلاح لنظم المجتمع ؛ ليسعدوا في حياتهم الدنيوية والأخروية ، والنبي صلى الله عليه وسلم ، وإن أرسل إلى الناس جميعا ، ولغاتهم متباينة ، وألسنتهم مختلفة ، فإرساله بلسان قومه أولى من إرساله بلسان غيرهم ، فإذا فهم قومه الرسالة ، وعرفوا أهدافها ، أمكن ترجمة ذلك إلى غيرهم من الأمم . روى الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لم يبعث الله عز وجل نبيا إلا بلغة قومه )2 .

{ فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء } . أي : فبعد إرسال كل رسول بلسان قومه ؛ ليبين لهم طريق الهداية ، ويرشدهم إلى ترك الضلال والغواية ، فيستجيب للرسل من اتبع سبيل الرشاد ، وجانب أسلوب العناد ، فانشرح صدره للإسلام ؛ بهداية الله وتوفيقه ، ومن الناس من يعرض عن الهدى ، ويختار الضلال والكفر ، ومثل هؤلاء يسلب الله عنهم هداه وتوفيقه ، ويتركهم في ضلال مبين .

وللعلماء في مثل الجملة كلام كثير يمكن تلخيصه فيما يأتي :

إن هداية الله غالية ، فمن رغب في الهدى ؛ يسر الله له أسبابه ، وأعانه باللطف والتوفيق ، ومن أعرض عن الهدى ، وصد عن رسالات السماء ؛ سلب الله عنه الهدى وتركه في ضلال وحيرة ، وفي معنى هذه الآية قال تعالى : { في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون } ( البقرة : 10 ) .

وقال عز وجل : { بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } ( المطففين : 14 ) .

ويكون معنى الآية :

يضل الله ؛ من ران على قلبه الغواية والضلالة ، واختار الكفر على الإيمان ، ويهدي الله ؛ من اختار الإيمان ، وسلك في طريق الهدى ، فيلهمه الله الهدى والرشاد .

{ وهو العزيز } فلا غالب في مشيئته .

{ الحكيم } . في تشريعاته وبيانه ، وأوامره ونواهيه .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمۡۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} (4)

{ بلسان قومه } أي : بلغتهم وكلامهم .