وفي آخر هذا الدرس يتفضل الله على المسلمين تفضلا آخر ، وهو يدعوهم إلى شكره ويحذرهم من كفره . يتفضل عليهم فيضمن لهم أن يذكرهم إذا هم ذكروه .
( فاذكروني أذكركم ، واشكروا لي ولا تكفرون ) . .
يا للتفضل الجليل الودود ! الله . جل جلاله . يجعل ذكره لهؤلاء العبيد مكافئا لذكرهم له في عالمهم الصغير . . إن العبيد حين يذكرون ربهم يذكرونه في هذه الأرض الصغيرة . . وهم أصغر من أرضهم الصغيرة ! والله حين يذكرهم يذكرهم في هذا الكون الكبير . . وهو الله . . العلي الكبير . . أي تفضل ! وأي كرم ! وأي فيض في السماحة والجود !
إنه الفضل الذي لا يفيضه إلا الله الذي لا خازن لخزائنه ، ولا حاسب لعطاياه . الفضل الفائص من ذاته تعالى بلا سبب ولا موجب إلا أنه هكذا هو سبحانه فياض العطاء .
وفي الصحيح : يقول الله تعالى : " من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه " .
وفي الصحيح أيضا : قال رسول الله [ ص ] قال الله عز وجل : " يا ابن آدم إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي ، وإن ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ من الملائكة - أو قال في ملأ خير منه - وإن دنوت مني شبرا دنوت منك ذراعا ، وإن دنوت مني ذراعا دنوت منك باعا ، وإن أتيتني تمشي أتيتك هرولة . . "
إنه ذلك الفضل الذي لا يصفه لفظ ولا يعبر عن شكره الحق إلا سجود القلب . .
وذكر الله ليس لفظا باللسان ، إنما هو انفعال القلب معه أو بدونه ، والشعور بالله ووجوده والتأثر بهذا الشعور تأثرا ينتهي إلى الطاعة في حده الأدنى ، وإلى رؤية الله وحده ولا شيء غيره لمن يهبه الله الوصول ويذيقه حلاوة اللقاء . .
والشكر لله درجات ، تبدأ بالاعتراف بفضله والحياء من معصيته . وتنتهي بالتجرد لشكره والقصد إلى هذا الشكر في كل حركة بدن ، وفي كل لفظة لسان ، وفي كل خفقة قلب ، وفي كل خطرة جنان .
والنهي عن الكفر هنا إلماع إلى الغاية التي ينتهي إليها التقصير في الذكر والشكر ؛ وتحذير من النقطة البعيدة التي ينتهي إليها هذا الخط التعيس ! والعياذ بالله !
ومناسبة هذه التوجيهات والتحذيرات في موضوع القبلة واضحة . وهي النقطة التي تلتقي عندها القلوب لعبادة الله ، والتميز بالانتساب إليه ، والاختصاص بهذا الانتساب .
وهي كذلك واضحة في مجال التحذير من كيد يهود ودسها ؛ وقد سبق أن الغاية الأخيرة لكل الجهود هي رد المؤمنين كفارا ، وسلبهم هذه النعمة التي أنعم الله بها عليهم . . نعمة الإيمان أكبر الآلاء التي ينعم الله بها على فرد أو جماعة من الناس . وهي بالقياس إلى العرب خاصة النعمة التي أنشأت لهم وجودا ، وجعلت لهم دورا في التاريخ ، وقرنت اسمهم برسالة يؤدونها للبشرية ، وكانوا بدونها ضائعين ، ولولاها لظلوا ضائعين ، وهم بدونها أبدا ضائعون . فما لهم من فكرة يؤدون بها دورا في الأرض غير الفكرة التي انبثقت منها ؛ وما تنقاد البشرية لقوم لا يحملون فكرة تقود الحياة وتنميها . وفكرة الإسلام برنامج حياة كامل ، لا كلمة تقال باللسان بلا رصيد من العمل الإيجابي المصدق لهذه الكلمة الطيبة الكبيرة .
وتذكر هذه الحقيقة واجب على الأمة المسلمة ليذكره الله فلا ينساها . ومن نسيه الله فهو مغمور ضائع لا ذكر له في الأرض ، ولا ذكر له في الملأ الأعلى . ومن ذكر الله ذكره ، ورفع من وجوده وذكره في هذا الكون العريض .
ولقد ذكر المسلمون الله فذكرهم ، ورفع ذكرهم ، ومكنهم من القيادة الراشدة . ثم نسوه فنسيهم فإذا هم همل ضائع ، وذيل تافه ذليل . . والوسيلة قائمة . والله يدعوهم في قرآنه الكريم : ( فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ) . .
{ فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ( 152 ) }
فاذكروني بالطاعة والاستجابة لما أمرتكم به والبعد عما نهتكم عنه ، أذكركم بالثواب وبالثناء في الملإ الأعلى .
وفي الحديث الصحيح : «يقول الله تعالى من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، ومن ذكرني في ملئ ذكرته في ملئ خير منه »( 19 ) .
وروى الإمام أحمد عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «قال الله عز وجل : «يا ابن آدم ، إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي ، وإن ذكرتني في ملئ ذكرتك في ملئ من الملائكة أو قال في ملئ خير منهم ، وإن دنوت مني شبرا دنوت منك ذراعا ، وإن دنوت مني ذراعا دنوت منك باعا ، وإن أتيتني تمشي أتيتك أهرول » صحيح الإسناد ، وأخرجه البخاري( 20 ) . قال الإمام النووي : واعلم أن فضيلة الذكر غير منحصرة في التسبيح والتحميد بل كل عامل لله بطاعة فهو ذاكر الله .
اشكروا لي ما أنعمت به عليكم من ضروب النعم ، بأن تستعملوا النعم فيما خلقت له ، وبأن تطيعوني في السر والعلن ، وحذار من أن تجحدوا إحساني إليكم ونعمي إليكم فأسلبكم إياها .
قال تعالى : { لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد } . ( إبراهيم : 7 ) .
وقد أعطى الله قارون المال الوفير ، فلما ادعى انه ناله بجهده وعلمه ، وقال : { إنما أوتيته على علم عندي } . ( القصص : 78 ) خسف الله به وبداره الأرض ، ولما أعطى الله سليمان ملكه الواسع قال : { هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر } ( النمل : 40 ) . ( فشكر الله فحفظ الله عليه نعمته ) .
{ فاذكروني أذكركم } قال سعيد بن المسيب : معناه اذكروني بالطاعة ، أذكركم بالثواب ، وقيل : اذكروني بالدعاء والتسبيح ونحو ذلك ، وقد أكثر المفسرون ، ولا سيما المتصوفة في تفسير هذا الموضع بألفاظ لها معان مخصوصة ، ولا دليل على التخصيص ، وبالجملة فهذه الآية بيان لشرف الذكر وبينها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يرويه عن ربه : " أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني فإن ذكرني في نفسه : ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملإ : ذكرته في ملإ خير منهم " والذكر ثلاثة أنواع : ذكر بالقلب ، وذكر باللسان ، وبهما معا .
واعلم أن الذكر أفضل الأعمال على الجملة ، وإن ورد في بعض الأحاديث تفضيل غيره من الأعمال : كالصلاة وغيرها ؛ فإن ذلك لما فيها من معنى الذكر والحضور مع الله تعالى .
والدليل على فضيلة الذكر من ثلاثة أوجه :
الأول : النصوص الواردة بتفضيله على سائر الأعمال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا أنبئكم بخير أعمالكم ، وأزكاها عند مليككم ، وأرفعها في درجاتكم ، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : ذكر الله . وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الأعمال أفضل ؟ قال : ذكر الله ، قيل : الذكر أفضل أم الجهاد في سبيل الله ؟ فقال : لو ضرب المجاهد بسيفه في الكفار حتى ينقطع سيفه ويختضب دما لكان الذاكر أفضل منه " .
الوجه الثاني : أن الله تعالى حيث ما أمر بالذكر ، أو أثنى على الذكر اشترط فيه الكثرة ، فقال :{ اذكروا الله ذكرا كثيرا }[ الأحزاب :41 ] ، { والذاكرين الله كثيرا }[ الأحزاب :35 ] ، ولم يشترط ذلك في سائر الأعمال .
الوجه الثالث : أن للذكر مزية هي له خاصة وليست لغيره : وهي الحضور في الحضرة العلية ، والوصول إلى القرب بالذي عبر عنه ما ورد في الحديث من المجالسة والمعية ، فإن الله تعالى يقول : " أنا جليس من ذكرني " ويقول : " أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني " .
وللناس في المقصد بالذكر مقامان : فمقصد العامة اكتساب الأجور ، ومقصد الخاصة القرب والحصور وما بين المقامين بون بعيد فكم بين من يأخذ أجره وهو من وراء حجاب ، وبين من يقرب حتى يكون من خواص الأحباب . واعلم أن الذكر على أنواع كثيرة : فمنها التهليل ، والتسبيح ، والتكبير ، والحمد ، والحوقلة ، والحسبلة ، وذكر كل اسم من أسماء الله تعالى ، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، والاستغفار ، وغير ذلك .
وأما التهليل : فثمرته التوحيد : أعني التوحيد الخاص فإن التوحيد العام حاصل لكل مؤمن .
وأما التكبير : فثمرته التعظيم والإجلال لذي الجلال .
وأما الحمد والأسماء التي معناها الإحسان والرحمة كالرحمن الرحيم والكريم والغفار وشبه ذلك ، فثمرتها ثلاث مقامات : وهي الشكر ، وقوة الرجاء ، والمحبة . فإن المحسن محبوب لا محالة .
وأما الحوقلة والحسبلة : فثمرتها التوكل على الله والتفويض إلى الله ، والثقة بالله .
وأما الأسماء التي معناها الاطلاع والإدراك كالعليم والسميع والبصير والقريب وشبه ذلك ، فثمرتها المراقبة .
وأما الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم : فثمرتها شدة المحبة فيه ، والمحافظة على إتباع سنته .
وأما الاستغفار : فثمرته الاستقامة على التقوى ، والمحافظة على شروط التوبة مع إنكار القلب بسبب الذنوب المتقدمة .
ثم إن ثمرة الذكر التي تجمع الأسماء والصفات مجموعة في الذكر الفرد وهو قولنا : الله ، الله . فهذا هو الغاية وإليه المنتهى .