كل ذلك وموسى - عليه السلام - بين يدي ربه ، في مناجاة وكلام ، لا يدري ما أحدث القوم بعده . . إلا أن ينبئه ربه . . وهنا يرفع الستار عن المشهد الحادي عشر :
( ولما رجع موسى الى قومه غضبان أسفاً . قال : بئسما خلفتموني من بعدي ! أعجلتم أمر ربكم ؟ وألقى الألواح ، وأخذ برأس أخيه يجره إليه . قال : ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني . فلا تشمت بي الأعداء ، ولا تجعلني مع القوم الظالمين . قال : رب اغفر لي ولأخي ، وأدخلنا في رحمتك ، وأنت أرحم الراحمين ) . .
لقد عاد موسى الى قومه غضبان أشد الغضب . يبدو انفعال الغضب في قوله وفعله . . يبدو في قوله لقومه :
( بئسما خلفتموني من بعدي ! أعجلتم أمر ربكم ؟ ) . .
ويبدو في فعله إذ يأخذ برأس أخيه يجره إليه ويعنفه .
( وأخذ برأس أخيه يجره إليه ! ) . .
وحق لموسى عليه السلام أن يغضب فالمفاجأة قاسية . والنقلة بعيدة :
( بئسما خلفتموني من بعدي ) . .
تركتكم على الهدى فخلفتموني بالضلال ، وتركتكم على عبادة الله فخلفتموني بعبادة عجل جسد له خوار !
أي استعجلتم قضاءه وعقابه ! أو ربما كان يعني : استعجلتم موعده وميقاته !
( وألقى الألواح ، وأخذ برأس أخيه يجره إليه ) . .
وهي حركة تدل على شدة الانفعال . . فهذه الألواح هي التي كانت تحمل كلمات ربه . وهو لا يلقيها إلا وقد أفقده الغضب زمام نفسه . وكذلك أخذه برأس أخيه يجره إليه . وأخوه هو هارون العبد الصالح الطيب !
فأما هارون فيستجيش في نفس موسى عاطفة الأخوة الرحيمة ، ليسكن من غضبه ، ويكشف له عن طبيعة موقفه ، وأنه لم يقصر في نصح القوم ومحاولة هدايتهم :
( قال : ابن أم ، إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ! ) . .
وهنا ندرك كيف كان القوم في هياجهم واندفاعهم الى العجل الذهب ؛ حتى لهموا بهارون إذ حاول ردهم عن التردي والانتكاس :
ابن أم . . بهذا النداء الرقيق وبهذه الوشيجة الرحيمة .
( إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ) . . بهذا البيان المصور لحقيقة موقفه .
( فلا تشمت بي الأعداء ) . . وهذه أخرى يستجيش بها هارون وجدان الأخوة الناصرة المعينة ، حين يكون هناك الأعداء الذين يشمتون !
( ولا تجعلني مع القوم الظالمين ) . .
القوم الذين ضلوا وكفروا بربهم الحق ، فأنا لم أضل ولم أكفر معهم ، وأنا بريء منهم !
{ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَان أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إن الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ( 150 ) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( 151 ) }
بئسما خلفتموني من بعدي : أي : بئس ما فعلتموه من بعد غيبتي .
أعجلتم أمر ربكم : أي : أسبقتم ما أمركم به ربكم من التوحيد فعبدتم العجل قبل أن يعود موسى من ميقات ربه ؛ ليكون أمام الأمر الواقع ، يقال : عجل الأمر سبقه .
وألقى الألواح : طرحها على الأرض .
وأخذ برأس أخيه : أي : وأمسك بشعر رأس أخيه يجره به إليه .
فلا تشمت بي الأعداء : أي : فلا تفعل ما يكون سببا لشماتتهم بي .
{ 150 - وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَان أَسِفًا } . . . . الآية .
عاد موسى إلى قومه شديد الغضب والحزن ، شديد الأسف والهم ، حين علم أن قومه تركوا عبادة الله الحق ، وعبدوا عجلا من الذهب لا يملك الكلام ولا يقدم لهم سبيل الهداية ؛ وكان الله سبحانه وتعالى قد أخبره وهو في مكان المناجاة بما أحدثه قومه :
قال فأنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري . ( طه : 85 ) .
قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ .
لقد استخلف موسى هارون على قومه ، وكانت وصية لهم : الاستمرار على عبادة الله ، ونبذ عبادة غير الله ، لكنهم لم يحسنوا خلافة موسى ، فإن من واجب الخلفاء أن يسيروا على نهج المستخلف ، فخاطب موسى جميع قومه بقوله :
{ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ } .
فالذين عبدوا العجل قد أشركوا بعبادة الله غيره من المخلوقات التي لا تملك نفعا ولا ضرا .
وهارون ومن معه من المؤمنين كان عليهم واجب هو أن يبذلوا جهدا أكبر لمنع هؤلاء المرتدين من عبادة العجل ، ويجوز أن يكون الخطاب لهارون والمؤمنين معه ، فاللّوم لهم إذ لم يمنعوا عبدة العجل مما فعلوا ، أي : بئس قيامكم مقامي ؛ إذ لم تراعوا عهدي .
أي : أسبقتم ما أمرتم به من البقاء على التوحيد أو استعجلتم قضاءه وعقابه .
أو استعجلتم موعده وميقاته ، حيث تركتكم إلى ميعاد مؤقت . فسارعتم إلى مخالفة أمري وغيرتم دينكم وعبدتم العجل ، قبل نهاية المدة التي قضيتها في ميعاد الله ومناجاته .
{ وألقى الأرواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه } .
طرح موسى ألواح التوراة جانيا من الغضب ، أو وضع الألواح التي تحمل الوصايا والتوجيهات الإلهية ، التي كتب الله له فيها المواعظ والتشريعات ، وهذه الألواح تحمل وصايا الله وتوجيهاته ، وكان موسى حريا أن يحافظ عليها ، لكن شدة الغضب جعلته يلقى الألواح جانبا ، وأمسك موسى بشعر رأس هارون يجذبه إليه منه ؛ لظنه أنه أهمل في توعية قومه ، وإرشادهم وإصلاح حالهم ، ونهيهم عن الإشراك بالله .
{ قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني } .
كان هارون حليما حكيما ، وهنا بدأ يرقق قلب أخيه ، فخاطبه خطاب المسترحم المستضعف ، ولم يقل يا أخي ، ولا يا ابن أبي ولكن ناجاه بقوله : ابن أم . أي : نحن أبناء أم واحدة ، وشرح له موقفه حين اشتد هياج القوم واندفاعهم إلى العجل الذهب ، وقد بذل هارون قصارى جهده ، في ترشيدهم ونصحهم ، لكنهم قهروه واستضعفوه ، وهموا بقتله ، واقتربوا وأوشكوا أن يؤذوه أو يقتلوه .
أي : فلا تفعل بي أمام هؤلاء الأعداء ، ما يكون سبب لشماتتهم وفرحهم فيما يصيبني .
{ ولا تجعلني مع القوم الظالمين } .
ولا تنظمني بغضبك عليّ في عداد الذين ضلوا وكفروا بربهم الحق ؛ فأنا لم أضل مثلهم ولم أكفر معهم ، وأنا برئ منهم ولكني تريثت ، وتراجعت عندما رأيت اتجاه القوم الشديد نحو عبادة العجل ، فلم أحاول التفريق بينهم ، بتصنيفهم إلى مؤمنين وكافرين ، ورجوت إذا رجعت من المناجاة أن تكون أقدر على هدايتهم ، ودعوتهم إلى الإيمان .
{ قال يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي . ( طه : 94 ) .
عندئذ هدأت ثورة الغضب عند موسى ، والتمس العذر لأخيه ، وطلب من الله المغفرة له ، ولأخيه ، وطلب من الله الرحمة ، وهو سبحانه أرحم الراحمين .
{ أسفا } شديد الحزن على ما فعلوه ، وقيل : شديد الغضب كقوله : { فلما آسفونا } [ الزخرف : 55 ] .
{ بئسما خلفتموني } أي : قمتم مقامي ، وفاعل بئس مضمر يفسره ما واسم المذموم محذوف ، والمخاطب بذلك إما القوم الذين عبدوا العجل مع السامري حيث عبدوا غير الله في غيبة موسى عنهم ، أو رؤساء بني إسرائيل كهارون عليه السلام حيث لم يكفوا الذين عبدوا العجل .
{ أعجلتم أمر ربكم } معناه : أعجلتم عن أمر ربكم ، وهو انتظار موسى حتى يرجع من الطور ، فإنهم لما رأوا أن الأمر قد تم ظنوا أن موسى عليه السلام قد مات فعبدوا العجل .
{ وألقى الألواح } طرحها لما لحقه من الدهش والضجر غضبا لله من عبادة العجل .
{ وأخذ برأس أخيه } أي : شعر رأسه .
{ يجره إليه } لأنه ظن أنه فرط في كف الذين عبدوا العجل .
{ ابن أم } كان هارون شقيق موسى وإنما دعاه بأمه ، لأنه أدعى إلى العطف والحنو وقرئ ابن أم بالكسر على الإضافة إلى ياء المتكلم ، وحذفت الياء بالفتح تشبيها بخمسة عشر جعل الاسمان اسما واحدا فبنى .
{ ولا تجعلني مع القوم الظالمين } أي : لا تظن أني منهم أو لا تجد علي في نفسك ما تجد عليهم يعني : أصحاب العجل .