في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يُرِيدُونَ أَن يُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَيَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ} (32)

29

ثم يمضي السياق خطوة أخرى في تحريض المؤمنين على القتال :

( يريدون أن يطفئوا نور اللّه بأفواههم ، ويأبى اللّه إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون . هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ، ولو كره المشركون )

إن أهل الكتاب هؤلاء لا يقفون عند حد الانحراف عن دين الحق ، وعبادة أرباب من دون اللّه . وعدم الإيمان باللّه واليوم الآخر - وفق المفهوم الصحيح للإيمان باللّه واليوم الآخر - إنما هم كذلك يعلنون الحرب على دين الحق ؛ ويريدون إطفاء نور اللّه في الأرض المتمثل في هذا الدين ، وفي الدعوة التي تنطلق به في الأرض ، وفي المنهج الذي يصوغ على وفقه حياة البشر

( يريدون أن يطفئوا نور اللّه بأفواههم ) . .

فهم محاربون لنور اللّه . سواء بما يطلقونه من أكاذيب ودسائس وفتن ؛ أو بما يحرضون به أتباعهم وأشياعهم على حرب هذا الدين وأهله ، والوقوف سداً في وجهه - كما كان هو الواقع الذي تواجهه هذه النصوص وكما هو الواقع على مدار التاريخ .

وهذا التقرير - وإن كان يراد به استجاشة قلوب المسلمين إذ ذاك - هو كذلك يصور طبيعة الموقف الدائم لأهل الكتاب من نور اللّه المتمثل في دينه الحق الذي يهدي الناس بنور اللّه .

( ويأبى اللّه إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ) . .

وهو الوعد الحق من اللّه ، الدال على سنته التي لا تتبدل ، في إتمام نوره بإظهار دينه ولو كره الكافرون . .

وهو وعد تطمئن له قلوب الذين آمنوا ؛ فيدفعهم هذا إلى المضي في الطريق على المشقة واللأواء في الطريق ؛ وعلى الكيد والحرب من الكافرين [ والمراد بهم هنا هم أهل الكتاب السابق ذكرهم ] . . كما أنه يتضمن في ثناياه الوعيد لهؤلاء الكافرين وأمثالهم على مدار الزمان !

ويزيد السياق هذا الوعيد وذلك الوعد توكيداً :

/خ35

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يُرِيدُونَ أَن يُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَيَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ} (32)

32 – { يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم } .

هذا نوع آخر من ضلالهم ، وهو ما راموه من إبطال الحق ، بأقاويلهم الباطلة ، والمجادلات الزائفة .

ونور الله يطلق على الإسلام ، الذي بعث به الرسول محمد عليه الصلاة والسلام ، كما يطلق على القرآن الذي أوضح الله به وجه الحق ، وكذبهم في دعاوى بنوة عزير وعيسى لله ، وربوبية الأحبار والرهبان والمسيح ابن مريم ، وبين شرائع الله على وجهها الحق .

{ ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون } .

أي : ولا يريد الله إلا أن يتم نوره بإعلاء كلمة الإسلام ، وإتمام مجده ولو كره الكافرون ذلك .

فسواء رضي أهل الكتاب أم كرهوا ، فنور الإسلام سيتم ويعم المشارق والمغارب .

وكلمة يأبى الله معناها : لا يريد أو لا يرضى .

أي : أن الله تعالى يبشر المؤمنين بإتمام الدين ، ويقرر سنته لا تتغير ولا تتبدل في جعل العاقبة للحق وأهله ، فهذا ما يريده ويأبى نقيضه .

قال الزمخشري : أي : لا يريد الله إلا أن يتم نوره .

وقال الآلوسي :

في الكلام استعارة تمثيلية ؛ حيث شبه سبحانه حال أهل الكتاب في محاولة إبطال نبوة النبي عن طريق تكذيبهم له ، بحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم مثبت في الآفاق ؛ ليطفئه بنفخة .

وروعى في كل من المشبه ، والمشبه به معنى الإفراط والتفريط حيث شبه الإبطال والتكذيب بالإطفاء بالفم ، ونسب النور إلى الله تعالى العظيم الشأن .

وفي شأن النور المضاف إليه سبحانه أن يكون عظيما فكيف يطفأ بنفخ الفم59 .

والآية وعد من الله تعالى للمؤمنين بإظهار دينهم وإعلاء كلمتهم ؛ لكي يمضوا قدما إلى تنفيذ ما كلفهم الله به ، بدون إبطاء أو تثاقل ، وهي في الوقت نفسه تتضمن في ثناياها الوعيد لهؤلاء الضالين وأمثالهم .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{يُرِيدُونَ أَن يُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَيَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ} (32)

{ يريدون أن يطفئوا نور الله } أي : يريدون أن يطفئوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عبادة الله وتوحيده .

{ بأفواههم } إشارة إلى أقوالهم كقولهم ساحر وشاعر ، وفيه أيضا إشارة إلى ضعف حيلتهم فيما أرادوا .