فما همومهم في هذه الجنة وما هي شواغلهم ، وما هي دعواهم التي يحبون تحقيقها ? إن همومهم ليست مالاً ولا جاهاً ، وإن شواغلهم ليست دفع أذى ولا تحصيل مصلحة . لقد كفوا شر ذلك كله ، ولقد اكتفوا فما لهم من حاجة من تلك الحاجات ، ولقد استغنوا بما وهبهم الله ، ولقد ارتفعوا عن مثل هذه الشواغل والهموم . إن أقصى ما يشغلهم حتى ليوصف بأنه( دعواهم )هو تسبيح الله أولا وحمده أخيرا ، يتخلل هذا وذاك تحيات بينهم وبين أنفسهم وبينهم وبين ملائكة الرحمن :
( دعواهم فيها : سبحانك اللهم . وتحيتهم فيها سلام . وآخر دعواهم : أن الحمد لله رب العالمين ) . .
إنه الانطلاق من هموم الحياة الدنيا وشواغلها ؛ والارتفاع عن ضروراتها وحاجاتها ، والرفرفة في آفاق الرضى والتسبيح والحمد والسلام . تلك الآفاق اللائقة بكمال الإنسان .
دعواهم فيها : أي : دعاؤهم فيها .
9 { دعواهم فيها سبحانك اللهم } .
أي : يبدءون دعاءهم وثناءهم على الله بهذه الكلمة : { سبحانك اللهم } . أي : تنزيها وتقديسا لك يا الله ، أو اللهم ، إنا نسبّحك .
قال الإمام الرازي : إنه لا عبادة لأهل الجنة ، إلا أن يسبحوا الله ويحمدوه ، ويكون اشتغالهم بذلك الذكر لا على سبيل التكليف ، بل سبيل الابتهاج بذكر الله تعالى .
وما يحيون به في الجنة لفظ السلام ، الدال على الأمن والطمأنينة والسلامة في كل مكروه ؛ وهذا السلام هو تحية الله لهم .
قال تعالى : { تحيتهم يوم يلقونه سلام } . ( الأحزاب : 44 ) . وهو تحية الملائكة لهم عند دخول الجنة .
قال تعالى : { وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين } . ( الزمر : 73 ) .
وأهل الجنة يعيشون في سلام وأمان بعيدين عن اللغو والآثام ؛ قال تعالى : { لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما * إلا قيلا سلاما سلاما } . ( الواقعة : 25 ، 26 ) .
{ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين } .
أي : أن آخر دعائهم : أن يشكروا الله تعالى ؛ على ما أنعم عليهم من نعم ظاهرة وباطنة ، ويختمون دعاءهم بالحمد لله رب العالمين .
قال ابن كثير : وفي هذا دلالة على أنه سبحانه هو المحمود أبدا ، المعبود على طول المدى ؛ ولهذا حمد نفسه عند ابتداء خلقه واستمراره ، وعند ابتداء تنزيل كتابه ، حيث يقول تعالى : { الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور } . ( الأنعام : 1 ) .
ويقول سبحانه : { الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا } . ( الكهف : 1 ) .
كما نجد أن حمد الله هو آخر كلام الملائكة ؛ قال تعالى : { وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين } . ( الزمر : 75 ) .
{ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 10 ) }
دعاؤهم في الجنة التسبيح ( سبحانك اللهم ) ، وتحية الله وملائكته لهم ، وتحية بعضهم بعضًا في الجنة ( سلام ) ، وآخر دعائهم قولهم : " الحمد لله رب العالمين " أي : الشكر والثناء لله خالق المخلوقات ومربِّيها بنعمه .
وقوله : { دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللهم } أى : دعاؤهم في هذه الجنات يكون بقولهم : سبحانك اللهم . فالدعوى ها هنا بمعنى الدعاء . يقال : دعا يدعو دعاء ودعوى . كما يقال : شكا يشكو شكاية وشكوى .
ولفظ سبحان : اسم مصدر بمعنى التسبيح وهو منصوب بفعل مضمر لا يكاد يذكر معه .
ولفظ اللهم أصله يا الله ، فلما استعمل دون حرف النداء الذي هو " يا " جعلت هذه الميم المشددة في آخره عوضا عن حرف النداء .
قال الإِمام الرازي : " ومما يقوي أن المراد من الدعووى هنا الدعاء ، أنهم قالوا : اللهم .
وهذا نداء الله - تعالى - ومعنى قولهم : سبحانك اللهم . إنا نسبحك . كقول القانت في دعاء القنوت " اللهم إياك نعبد " .
ثم قال : ويجوز أن يراد بالدعاء العبادة . ونظيره قوله - تعالى - : { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله } أى : وما تعبدون ، فيكون معنى الآية : أنه لا عبادة لأهل الجنة إلا أن يسبحوا الله ويحمدوه ، ويكون اشتغالهم بذلك الذكر لا على سبيل التكليف ، بل على سبيل الابتهاج بذكر الله - تعالى - .
وقوله { وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ } معطوف على ما قبله . والتحية : التكرمة بالحال الجليلة ، وأصلها أحياك الله حياة طيبة . والسلام : بمعنى السلامة من كل مكروه .
أى : دعاؤهم في الجنة أن يقولوا سبحانك اللهم . وتحيتهم التي يحيون بها هي السلامة من كل مكروه .
وهذه التحية تكون من الله - تعالى - لهم كما في قوله - سبحانه - { تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ } وتكون من الملائكة كما في قوله - تعالى - : { وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ . سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عقبى الدار }
وتكون منهم فيما بينهم كما يتبادر من قوله - تعالى - { لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً . . . } وقوله : { وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين } أى : وختام دعائهم يكون بقولهم : الحمد لله رب العالمين .
قال الإِمام القرطبي ما ملخصه : " ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن التهليل والتسبيح والحمد قد يسمى دعاء " .
روى الشيخان عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - كان يقول عند الكرب : " لا إله إلا الله العظيم الحليم ، لا إله إلا الله رب العرش العظيم ، لا إله إلا الله رب السموات والأرض ، ورب العرش الكريم " . قال الطبري : كان السلف يدعون بهذا الدعاء ويسمونه دعاء الكرب .
والذي يقطع النزاع ويثبت أن هذا يسمى دعاء ، وإن لم يكن فيه من معنى الدعاء شيء ، وإنما هو تعظيم لله - تعالى - وثناء عليه ، ما رواه النسائي عن سعد بن أبي وقاص قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " دعوة ذي النون إذ دعا بها في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ، فإنه لن يدعو بها مسلم في شيء إلا استجيب له " .
ويستحب للداعي أن يقول في آخر دعائه كما قال الله - تعالى - حكاية عن أهل الجنة : { وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين } .
قوله : { دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام } { دعواهم } أي دعاؤهم ؛ فدعاؤهم في الجنة أن يقولوا دون سأم ولا ملالة { سبحانك اللهم } أي إبراء لله عن السوء ، وتنزيهه عن النقائض والعيوب { وتحيتهم فيها سلام } أي يحيي بعضهم بعضا في الجنة بالسلام وهو قول الواحد للآخر : سلمت وأمنت مما صار إليه أهل النار ، أو إن ذلك تحية من الله للمؤمنين في الجنة ، أو من الملائكة لهم .
قوله : { وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين } أي آخر دعاء أهل الجنة أو خاتمته بعد بدئه بالتسبيح هو قولهم : { الحمد لله رب العالمين } وهو الثناء على الله بما هو أهله ، لعظيم إفضاله وجليل امتنانه عليهم{[1944]} .