وهنالك الدليل الكوني المستمد من واقع الوجود : ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) . .
فالكون قائم على الناموس الواحد الذي يربط بين أجزائه جميعا ؛ وينسق بين أجزائه جميعا ؛ وبين حركات هذه الأجزاء وحركة المجموع المنظم . . هذا الناموس الواحد من صنع إرادة واحدة لإله واحد . فلو تعددت الذوات لتعددت الإرادات . ولتعددت النواميس تبعا لها - فالإرادة مظهر الذات المريدة . والناموس مظهر الإرادة النافذة - ولانعدمت الوحدة التي تنسق الجهاز الكوني كله ، وتوحد منهجه واتجاهه وسلوكه ؛ ولوقع الاضطراب والفساد تبعا لفقدان التناسق . . هذا التناسق الملحوظ الذي لا ينكره أشد الملحدين لأنه واقع محسوس .
وإن الفطرة السليمة التي تتلقي إيقاع الناموس الواحد للوجود كله ، لتشهد شهادة فطرية بوحدة هذا الناموس ، ووحدة الإرادة التي أوجدته ، ووحدة الخالق المدبر لهذا الكون المنظم المنسق ، الذي لا فساد في تكوينه ، ولا خلل في سيره :
( فسبحان الله رب العرش عما يصفون ) . .
وهم يصفونه بأن له شركاء . تنزه الله المتعالى المسيطر : ( رب العرش )والعرش رمز الملك والسيطرة والاستعلاء . تنزه عما يقولون والوجود كله بنظامه وسلامته من الخلل والفساد يكذبهم فيما يقولون .
22 - لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ .
لفسدتا : خرجتا عن نظامهما وخربتا .
فسبحان الله : تنزيها له عما وصفوه به .
إننا نلاحظ اتساق السماء واتساعها ونظامها ، وإحكام خلقها ، بلا خلل ولا تشقق ولا عيوب ، ونشاهد امتداد الأرض واتساعها وتماسكها وإحكام خلقها ، وتثبيتها بالجبال ، ولو كان في الكون آلهة متعددة ؛ لكثر بينهما التغالب والتنازع وأدى ذلك إلى فساد الكون . واضطرابه ، والشاهد أمامنا نظام الكون وإبداعه ، فدل ذلك على أن خالقه إله واحد ، وأن خالقه هو الله وحده لا شريك له ، فلا يقدر على هذا الخلق البديع إلا الله ، والمنطق يقول ذلك ، والعقل يقول ذلك . فنظام الكون واحد . وهذا الكون يسير على نسق واحد ، في خلقه واستمراره ونهايته وإعادته ، وهذا النسق الواحد ، يشير إلى أن وراءه يدا واحدة ، هي يد القدرة الإلهية ، وقد تعددت آيات القرآن التي تشير إلى خلق الله للكون ، وبأن الكون البديع له ناموس بديع واحد ، يشير إلى خالق واحد مثل قوله تعالى : الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور . . . ( الأنعام : 1 ) .
وقوله عز شأنه : مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ . ( المؤمنون : 91 ) .
وقال تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأََعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .
لو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله لفسدتا ، لكنهما لم تفسدا ، بل هما على غاية النظام والإبداع ؛ فدل ذلك على أن خالقهما الإله الواحد سبحانه وتعالى .
فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ .
أي : فتنزيها لله رب العرش العظيم ، الخالق المبدع ، المحيط بهذا الكون ، المدبر لهذا العالم ، عما يقول هؤلاء المشركون من أن له ولدا أو شريكا .
وهذا من عدم توفيقه ، وسوء حظه ، وتوفر جهله ، وشدة ظلمه ، فإنه لا يصلح الوجود ، إلا على إله واحد ، كما أنه لم يوجد ، إلا برب واحد .
ولهذا قال : { لَوْ كَانَ فِيهِمَا ْ } أي : في السماوات والأرض { آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ْ } في ذاتهما ، وفسد من فيهما من المخلوقات .
وبيان ذلك : أن العالم العلوي والسفلي ، على ما يرى ، في أكمل ما يكون من الصلاح والانتظام ، الذي ما فيه خلل ولا عيب ، ولا ممانعة ، ولا معارضة ، فدل ذلك ، على أن مدبره واحد ، وربه واحد ، وإلهه واحد ، فلو كان له مدبران وربان أو أكثر من ذلك ، لاختل نظامه ، وتقوضت أركانه فإنهما يتمانعان ويتعارضان ، وإذا أراد أحدهما تدبير شيء ، وأراد الآخر عدمه ، فإنه محال وجود مرادهما معا ، ووجود مراد أحدهما دون الآخر ، يدل على عجز الآخر ، وعدم اقتداره واتفاقهما على مراد واحد في جميع الأمور ، غير ممكن ، فإذًا يتعين أن القاهر الذي يوجد مراده وحده ، من غير ممانع ولا مدافع ، هو الله الواحد القهار ، ولهذا ذكر الله دليل التمانع في قوله : { مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ْ }
ومنه - على أحد التأويلين - قوله تعالى : { قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا* سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ْ } ولهذا قال هنا : { فَسُبْحَانَ اللَّهِ ْ } أي : تنزه وتقدس عن كل نقص لكماله وحده ، { رَبُّ الْعَرْشِ ْ } الذي هو سقف المخلوقات وأوسعها ، وأعظمها ، فربوبية{[526]} ما دونه من باب أولى ، { عَمَّا يَصِفُونَ ْ } أي : الجاحدون الكافرون ، من اتخاذ الولد والصاحبة ، وأن يكون له شريك بوجه من الوجوه .
ثم ساق - سبحانه - دليلا عقليا مستمدا من واقع هذا الكون فقال : { لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا } .
أى : لو كان فى السموات والأرض آلهة أخرى سوى الله - تعالى - ، تدبر أمرهما ، لفسدتا ولخرجتا عن نظامهما البديع ، الذى لا خلل فيه ولا اضطراب .
وذلك لأن تعدد الآلهة يلزمه التنازع والتغالب بينهم . . . فيختل النظام لهذا الكون ، ويضطرب الأمر ، ويعم الفساد فى هذا العالم .
ولما كان المشاهد غير ذلك إذ كل شىء فى هذا الكون يسير بنظام محكم دقيق دل الأمر على أن لهذا الكون كله ، إلها واحداً قادرا حكيما لا شريك له .
قال صاحب الكشاف : " والمعنى لو كان يتولاهما ويدبر أمرهما آلهة شتى غير الواحد الذى هو فاطرهما لفسدتا .
وفيه دلالة على أمرين : أحدهما : وجوب أن لا يكون مدبرهما إلا واحداً .
الثانى : أن لا يكون ذلك الواحد إلا إياه وحده ، لقوله { إِلاَّ الله } .
فإن قلت : لم وجب الأمران ؟ قلت : لعلمنا أن الرعية تفسد بتدبير الملكين لما يحدث بينهما من التغالب والتناكر والاختلاف .
قال عبد الملك بن موران حين قتل عمرو بن سعيد الأشدق : كان والله أعز على من دم ناظرى . ولكن لا يجتمع فحلان فى شَوْل - أى : فى عدد مع النياق - .
وقوله - تعالى - : { فَسُبْحَانَ الله رَبِّ العرش عَمَّا يَصِفُونَ } تنزيه لله - تعالى - عما قاله الجاهلون فى شأنه - عز وجل - .
أى : فتنزيها لله وتقديسا وتبرئة لذاته عن أن يكون له شريك فى ألوهيته ، وجل عما وصفه به الجاهلون .