ثم يعود إلى تقرير شيء عن عيسى عليه السلام . يذكرهم بأمر الساعة التي يكذبون بها أو يشكون فيها :
( وإنه لعلم للساعة . فلا تمترن بها . واتبعون . هذا صراط مستقيم . ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين ) . .
وقد وردت أحاديث شتى عن نزول عيسى - عليه السلام - إلى الأرض قبيل الساعة وهو ما تشير إليه الآية : ( وإنه لعلم للساعة )بمعنى أنه يُعلم بقرب مجيئها ، والقراءة الثانية ( وأنه لَعَلَم للساعة )بمعنى أمارة وعلامة . وكلاهما قريب من قريب .
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : " والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً ، فيكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ، حتى تكون السجدة الواحدة خيراً من الدنيا وما فيها " .
وعن جابر - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : " لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة . فينزل عيسى ابن مريم ، فيقول أميرهم : تعال : صل لنا . فيقول : لا . إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله تعالى لهذه الأمة " .
وهو غيب من الغيب الذي حدثنا عنه الصادق الأمين وأشار إليه القرآن الكريم ، ولا قول فيه لبشر إلا ما جاء من هذين المصدرين الثابتين إلى يوم الدين .
( فلا تمترن بها . واتبعون . هذا صراط مستقيم ) . .
وكانوا يشكون في الساعة ، فالقرآن يدعوهم إلى اليقين . وكانوا يشردون عن الهدى ، والقرآن يدعوهم على لسان الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] إلى اتباعه فإنه يسير بهم في الطريق المستقيم ، القاصد الواصل الذي لا يضل سالكوه .
علم للساعة : علامة لها يعلم قربها بنزوله من السماء عليه السلام .
فلا تمترن : فلا تشكن في قيامها .
61- { وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم } .
وإن عيسى عليه السلام من علامات الساعة ، فلا تشكوا في مجيء القيامة ، واتبعوا محمدا صلى الله عليه وسلم في هديه وشرعه ودينه فإنه على الصراط المستقيم ، والطريق الموصل إلى الله تعالى ومرضاته .
وقد أفادت كتب التفسير مثل القرطبي وابن كثير والقاسمي وغيرهم ، تواتر الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنزول عيسى عليه السلام قبل يوم القيامة إماما عادلا وحكما مقسطا ، كما ورد في علم التوحيد نزول المسيخ الدجال رمزا للشر والفتنة ، حيث يعطيه الله إمكانات واسعة وانتصارا مؤقتا ، ثم ينزل المسيح عليه السلام فيطارد المسيخ الدجال حتى يقتله ، ويؤيد المسيح عليه السلام شريعة محمد صلى الله عليه وسلم .
أخرج الإمام مالك ، والشيخان ، وأبو داود ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا ، فيكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ، حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها )14 .
وأخرج الإمام مسلم ، عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة ، فينزل عيسى ابن مريم ، فيقول أميرهم : تعالى صل لنا ، فيقول : لا ، إن بعضكم على بعض أمراء ، تكرمة الله تعالى لهذه الأمة )15 .
والمسيح غيب من الغيب الذي حدثنا عنه الصادق الأمين ، وأشار إليه القرآن الكريم ، ولا قول لبشر فيه إلا ما جاء في القرآن الكريم ، والسنة المطهرة .
وفي قراءة أخرى : { وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم } .
وعلم –بفتحتين- أي : أمارة ودليل على مجيء القيامة ، لأن الله ينزله إلى الأرض قبل قيام القيامة ، فلا تشكن في وقوع القيامة .
وقال السدي : لا تكذبوا بها ولا تجادلوا فيها ، فإنها كائنة لا محالة .
حيث كان كفار مكة يشكون في البعث ، والقرآن هنا يدعوهم إلى اليقين ، وكانوا يترددون عن الهدى والقرآن يدعوهم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إتباعه ، فإنه يسير بهم في الطريق المستقيم القاصد الواصل الذي لا يضل سالكوه . اه .
{ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ } أي : وإن عيسى عليه السلام ، لدليل على الساعة ، وأن القادر على إيجاده من أم بلا أب ، قادر على بعث الموتى من قبورهم ، أو وإن عيسى عليه السلام ، سينزل في آخر الزمان ، ويكون نزوله علامة من علامات الساعة { فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا } أي : لا تشكن في قيام الساعة ، فإن الشك فيها كفر . { وَاتَّبِعُونِ } بامتثال ما أمرتكم ، واجتناب ما نهيتكم ، { هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ } موصل إلى الله عز وجل ،
ثم بين - سبحانه - بعض ما يتعلق بعيسى - عليه السلام - فقال : { وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ } .
فالضمير فى { إِنَّهُ } يعود إلى عيسى لأن السياق فى شأنه ، وقيل يعود إلى القرآن أو إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وضعف ذلك لأن الكلام فى شأن عيسى .
والمراد بالعلم : واللام فى قوله { لِّلسَّاعَةِ } بمعنى على . والكلام على حذف مضاف .
والمعنى : وإن عيسى - عليه السلام - عند نزوله من السماء فى آخر الزمان حيا ، ليكونن علامة على قرب قيام الساعة ، ودليلا على أن نهاية الدنيا توشك أن تقع . .
قال الآلوسى : { وَإِنَّهُ } أى : عيسى عليه السلام - { لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ } أى : أنه بنزوله شرط من أشراطها .
وقد نطقت الأخبار بنزلوه - عليه السلام - فى آخر الزمان ، فقد أخرج البخارى ومسلم والترمذى وأبو داود وابن ماجه ، عن أبى هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لينزلن ابن مريم ، حكما عدلا فليكسرن الصليب ، وليقتلن الخنزير ، وليضعن الجزية ، وليذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد ، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد " .
وقال ابن كثير ما ملخصه : قوله : { وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ } الصحيح أن الضمير يعود على عيسى ، فإن السياق فى ذكره ، ثم المراد بذلك نزوله قبل يوم القيامة كما قال - تعالى - { وَإِن مِّنْ أَهْلِ الكتاب إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ . . . } أى : قبل موت عيسى .
وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أنه خبر بنزول عيسى قبل يوم القيامة ، إماما عادلا ، وحكما مقسطا " .
وقوله : { فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا } أى : فلا تشكن فى وقوعها فى الوقت الذى يشاؤه الله - تعالى - ، فقوله { تَمْتَرُنَّ } من المرية بمعنى الشك والريب .
وقوله : { واتبعون هذا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ } أى : واتبعوا - أيها الناس - ما جئتكم به من عند ربى ، فإن هذا الذى جئتكم به ، هو الطريق المستقيم الذى يوصلكم إلى السعادة فى الدنيا والآخرة .
قوله : { وإنه لعلم للساعة } المراد خروج عيسى عليه الصلاة والسلام إلى الدنيا وذلك شرط من أشراط الساعة ، فإن الله ينزله من السماء إلى الأرض قبيل قيام الساعة . وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أخبر بنزول عيسى عليه السلام قبل يوم القيامة إمام عادلا وحكما مقسطا . قوله : { فلا تمترن بها } أي لا تشكوا في قيامها فإنها واقعة لا محالة . قوله : { واتبعون } أي فيما أمرتكم بفعله وانتهوا عما نهيتكم عنه { هذا صراط مستقيم } أي ما أدعوكم إليه من الحق والتوحيد والإذعان لله بالطاعة لهو الطريق المستقيم الذي لا عوج فيه والذي يفضي إلى السعادة والنجاة .