في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٌ} (184)

172

ولقد كان القرآن يواجه بذلك التهديد الرعيب قوماً من المكذبين بآيات الله في مكة - والنص القرآني دائماً أبعد مدى من المناسبة الخاصة - وكان يتوعدهم على موقفهم من الجماعة المسلمة - التي يسميها أمة وفق المصطلح الإسلامي - بالإملاء لهم والاستدراج والكيد المتين . . ثم كان يدعوهم - بعد هذا التهديد - إلى استخدام قلوبهم وعيونهم وآذانهم . فلا يكونوا من ذرء جهنم ولا يكونوا من الغافلين . . كان يدعوهم إلى التدبر في أمر رسولهم الذي يدعوهم إلى الحق ويهديهم به ؛ وإلى النظر في ملكوت السماوات والأرض وآيات الله المبثوثة في هذا الملكوت ؛ وكان يوقظهم إلى مرور الوقت وما يؤذن به من اقتراب الأجل المجهول ، وهم غافلون :

( أو لم يتفكروا ؟ ما بصاحبهم من جنة ، إن هو إلا نذير مبين . أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء ؟ وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم ؟ فبأي حديث بعده يؤمنون ؟ . . )

إن القرآن يهزهم من غفوتهم ، ويوقظهم من غفلتهم ، ويستنقذ - من تحت الركام - فطرتهم وعقولهم ومشاعرهم . . إنه يخاطب كينونتهم البشرية كلها ، بكل ما فيها من أجهزة الاستقبال والاستجابة . . إنه لا يوجه إليهم جدلاً ذهنيا باردا ؛ إنما هو يستنقذ كينونتهم كلها وينفضها من أعماقها :

( أو لم يتفكروا ؟ ما بصاحبهم من جنة ، إن هو إلا نذير مبين . . )

لقد كانوا يقولون عن الرسول [ ص ] في حرب الدعاية التي يشنها ضده الملأ من قريش يخدعون بها الجماهير : إن محمداً به جنة . وهو من ثم ينطق بهذا الكلام الغريب ، غير المعهود في أساليب البشر العاديين !

ولقد كان الملأ من قريش يعلمون أنهم كاذبون ! وقد تضافرت الروايات على أنهم كانوا يعرفون الحق في أمر رسول الله [ ص ] وأنهم ما كانوا يملكون أن يمنعوا أنفسهم عن الاستماع لهذا القرآن والتأثر به أعمق التأثر . . وقصة الأخنس بن شريق ، وأبي سفيان بن حرب ، وعمرو بن هشام - أبي جهل - في الاستماع لهذا القرآن خلسة ، ليالي ثلاثاً ، وما وجدوه في أنفسهم منه معروفة . . وكذلك قصة عتبة بن ربيعة وسماعه سورة فصلت من النبي [ ص ] وهزته أمام إيقاعاتها المزلزلة . . ومثلها قصة تآمرهم قبيل موسم الحج فيما يقولون للناس عن النبي [ ص ] وما معه من القرآن ؛ وانتهاء الوليد بن المغيرة إلى أن يقولوا للوفود : إنه سحر يؤثر . . كل هذه الروايات تثبت أنهم ما كانوا جاهلين لحقيقة هذا الأمر ؛ إنما هم كانوا يستكبرون عنه ؛ ويخشونه على سلطانهم الذي تهدده شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ؛ التي تسلب البشر حق تعبيد البشر لغير الله . . وتهدد كل طاغوت بشري علي العموم !

من ثم كانوا يستغلون تفرد هذا القرآن العجيب وتميزه عن قول البشر المعهود ؛ كما يستغلون الصورة التي كانت معهودة فيهم وفيمن قبلهم ، عن الصلة بين التنبؤ والجنون ! والنطق بكلمات ورموز يؤولها المصاحبون لمن بهم جنة وفق ما يريدون ؛ ويزعمون أنها تأتيهم من عالم غير منظور ! . . كانوا يستغلون هذه الرواسب في التمويه على الجماهير بأن الذي يقوله محمد ، إنما يقوله عن جنة به ؛ وأنه يأتي بالغريب العجيب من القول ، لأنه مجنون !

والقرآن يدعوهم إلى التفكر والتدبر في أمر صاحبهم الذي عرفوه من قبل وخبروه . فلم يعرفوا عنه من قبل خللاًعن السواء ؛ وشهدوا له بالأمانة والصدق ، كما شهدوا له بالحكمة ؛ وحكموه في الحجر الأسود وارتضوا حكمه واتقوا بهذا الحكم فتنة بينهم كادت تثور . واستأمنوه على ودائعهم وظلت عنده حتى خرج مهاجراً فردها لهم عنه ابن عمه علي كرم الله وجهه !

القرآن يدعوهم إلى التفكر والتدبر في أمر صاحبهم هذا المعروف لهم ماضيه كله ، المكشوف لهم أمره كله . . أفهذا به جنة ؟ . . أفهذا قول مجنون وفعل مجنون ؟ . . كلا :

( ما بصاحبهم من جنة . . إن هو إلا نذير مبين ) . .

لا اختلاط في عقله ولا في قوله . إنما هو منذر مفصح مبين . لا يلتبس قوله بقول المجانين ، ولا تشتبه حاله بحال المجانين .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٌ} (184)

{ أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين( 184 ) أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون( 185 ) من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون( 186 ) } :

المفردات :

جنة : بكسر الجيم جنون .

التفسير :

{ 184 - أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة . . . }

سبب النزول :

جاء في تفسير الطبري ، وابن كثير ، والدر المنثور للسيوطي ، وغيرهم ، أن سبب نزول هذه الآية ، هو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، صعد على الصفا ليلة ، ودعا قريشا فخذا فخذا : يا بني فلان ، يا بني فلان ، يا بني فلان فحذرهم بأس الله وعقابه ، فقال قائلهم : إن صاحبكم لمجنون ؛ بات يصوّت حتى الصباح ، فنزلت هذه الآية .

ومعنى الآية :

أغفلوا عما امتاز به الرسول – صلى الله عليه وسلم – بينهم من رجاحة العقل ، وصدق القول ، والأمانة الكاملة ، فقد عرفوه بالصادق الأمين ، والمفكر السليم ، وقد صاحبوه قبل الرسالة أربعين سنة ، وصاحبوه بعد الرسالة ، يدعوهم إلى توحيد الله وعبادته وحده ، كما دعاهم إلى إصلاح شئونهم ، وتنظيم حياتهم الدينية والمدنية والاجتماعية .

وكل ذلك لا يصدر من مجنون ، بل الذي يقتضيه العقل ، ويسرع إليه الفكر ، أن ما قدمه هذا النبي من قرآن وهداية وتشريع ونظام ، وهو أمي لم يناظر ولم يجادل ولم يفاخر أحدا فيما مضى ، إن هو إلا وحي من الله ، نزل به الروح الأمين ، والله يختص بفضله ورحمته من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم .

{ إن هو إلا نذير مبين } .

أي : أنه ليس بمجنون بل هو منذر ناصح ومبلغ عن الله ، فهو ينذركم ما يحل لكم من عذاب الدنيا والآخرة ، إذا لم تستجيبوا له ، وقد دعاكم إلى ما فيه صلاح الفرد والمجتمع في الدنيا ، وصلاح أمركم في الآخرة .

في أعقاب الآية :

تكرر اتهام كفار مكة للنبي صلى الله عليه وسلم بالجنون ؛ لصرف الناس عن دعوته ورسالته .

قال تعالى : { أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون } . ( المؤمنون : 70 ) .

وقال سبحانه : { وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون * لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين } .

وقال عز شأنه : { ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون } . ( الصافات : 36 ) .

وقد جرت عادة الكفار أن يرموا رسلهم بالجنون ؛ لأنهم ادعوا أن الله خصهم برسالته ووحيه مع كونهم بشرا لا يمتازون عن سائر الناس بزعمهم .

فقد حكى الله عن قوم نوح أنهم اتهموه بالجنون فقالوا :

{ إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين } . ( المؤمنون : 25 ) .

وقال في شأنهم : { كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر } . ( القمر : 9 ) .

وقال حكاية عن فرعون في موسى عليه السلام : قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون . ( الشعراء : 27 ) .

وقد بين سبحانه ذلك على وجه عام74 فقال :

{ كذلك ما أتى من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون } . ( الذاريات : 52 ) .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٌ} (184)

أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ محمد صلى الله عليه وسلم مِنْ جِنَّةٍ أي : أَوَ لَمْ يُعْمِلُوا أفكارهم ، وينظروا : هل في صاحبهم الذي يعرفونه ولا يخفى عليهم من حاله شيء ، هل هو مجنون ؟ فلينظروا في أخلاقه وهديه ، ودله وصفاته ، وينظروا في ما دعا إليه ، فلا يجدون فيه من الصفات إلا أكملها ، ولا من الأخلاق إلا أتمها ، ولا من العقل والرأي إلا ما فاق به العالمين ، ولا يدعو إلا لكل خير ، ولا ينهى إلا عن كل شر .

أفبهذا يا أولي الألباب من جنة ؟ أم هو الإمام العظيم والناصح المبين ، والماجد الكريم ، والرءوف الرحيم ؟

ولهذا قال : إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ أي : يدعو الخلق إلى ما ينجيهم من العذاب ، ويحصل لهم الثواب .