في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ قَدۡ جَآءَتۡكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡۖ فَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (85)

59

ونأتي للصفحة الأخيرة من صحائف الأقوام المكذبة في تلك الحقبة من التاريخ . . صفحة مدين وأخيهم شعيب :

( وإلى مدين أخاهم شعيباً ، قال : يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ، قد جاءتكم بينة من ربكم ، فأوفوا الكيل والميزان ، ولا تبخسوا الناس اشياءهم ، ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ، ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين . ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجاً ، واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثركم ، وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين . . وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا ، وهو خير الحاكمين ) . .

( قال الملأ الذين استكبروا من قومه : لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا . قال : أو لو كنا كارهين ؟ قد افترينا على اللّه كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا اللّه منها ، وما يكون لنا أن نعود فيها - إلا أن يشاء اللّه ربنا ، وسع ربنا كل شيء علماً - على اللّه توكلنا ، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ، وأنت خير الفاتحين . وقال الملأ الذين كفروا من قومه : لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون . فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين . الذين كذبوا شعيباً كأن لم يغنوا فيها ، الذين كذبوا شعيباً كانوا هم الخاسرين ، فتولى عنهم وقال : يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم ، فكيف آسى على قوم كافرين ؟ ) . .

إننا نجد شيئاً من الإطالة في هذه القصة ، بالقياس إلى نظائرها في هذا الموضع ، ذلك أنها تتضمن غير قضية العقيدة شيئاً عن المعاملات ، وإن كانت القصة سائرة على منهج الاستعراض الإجمالي في هذا السياق .

( وإلى مدين أخاهم شعيباً ، قال : يا قوم اعبدوا اللّه ما لكم من إله غيره ) .

فهي قاعدة الدعوة التي لا تغيير فيها ولا تبديل . . ثم تبدأ بعدها بعض التفصيلات في رسالة النبي الجديد :

( قد جاءتكم بينة من ربكم ) . .

ولا يذكر السياق نوع هذه البينة - كما ذكرها في قصة صالح - ولا نعرف لها تحديداً من مواضع القصة في السور الأخرى . ولكن النص يشير إلى أنه كانت هناك بينة جاءهم بها ، تثبت دعواه أنه مرسل من عند اللّه . ويرتب على هذه البينة ما يأمرهم به نبيهم من توفية الكيل والميزان ، والنهي عن الإفساد في الأرض ، والكف عن قطع الطريق على الناس ، وعن فتنة المؤمنين عن دينهم الذي ارتضوه :

( فأوفوا الكيل والميزان ، ولا تبخسوا الناس أشياءهم ، ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ، ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين . ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ، وتصدون عن سبيل اللّه من آمن به ، وتبغونها عوجاً ، واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثركم ، وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين ) . .

وندرك من هذا النهي أن قوم شعيب ، كانوا قوماً مشركين لا يعبدون اللّه وحده ، إنما يشركون معه عباده في سلطانه ؛ وأنهم ما كانوا يرجعون في معاملاتهم إلى شرع اللّه العادل ؛ إنما كانوا يتخذون لأنفسهم من عند أنفسهم قواعد للتعامل - ولعل شركهم إنما كان في هذه الخصلة - وأنهم - لذلك - كانوا سيئي المعاملة في البيع والشراء ؛ كما كانوا مفسدين في الأرض ، يقطعون الطريق على سواهم . ظلمة يفتنون الذين يهتدون ويؤمنون عن دينهم ، ويصدونهم عن سبيل اللّه المستقيم ؛ ويكرهون الاستقامة التي في سبيل اللّه ؛ ويريدون أن تكون الطريق عوجاء منحرفة ، لا تمضي على استقامتها كما هي في منهج اللّه .

ويبدأ شعيب - عليه السلام - بدعوتهم إلى عبادة اللّه وحده وإفراده سبحانه بالألوهية ، وإلى الدينونة له وحده وإفراده من ثم بالسلطان في أمر الحياة كله .

يبدأ شعيب - عليه السلام - في دعوتهم من هذه القاعدة ؛ التي يعلم أنه منها تنبثق كل مناهج الحياة وكل أوضاعها ؛ كما أن منها تنبثق قواعد السلوك والخلق والتعامل . ولا تستقيم كلها إلا إذا استقامت هذه القاعدة .

ويستصحب في دعوتهم إلى الدينونة للّه وحده ، وإقامة حياتهم على منهجه المستقيم ، وترك الإفساد في الأرض بالهوى بعدما أصلحها اللّه بالشريعة . .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ قَدۡ جَآءَتۡكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡۖ فَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (85)

المفردات :

وإلى مدين أخاهم شعيبا : أي : وأرسلنا إلى مدين أخاهم ( شعيبا ابن ميكيل بن يشخر بن مدين ) .

قد جاءتكم بينة : البينة : الدليل ، ويريد بها هنا المعجزة التي كانت له .

فأوفوا الكيل والميزان : أي : أوفوا الكيل ووزن الميزان ويصح أن يكون الميزان مصدرا بمعنى : الوزن كالميعاد بمعنى : الوعد .

ولا تبخسوا الناس أشياءهم : أي : ولا تنقصوهم حقوقهم . يقال : بخسه حقه يبخسه بخسا أي : نقصه .

ولا تفسدوا : الإفساد : شامل لإفساد نظام المجتمع بالظلم ، وأكل أموال الناس بالباطل ، وإفساد الخلاق ، والآداب بارتكاب الإثم والفواحش ، وإفساد العمران بالجهل وعدم النظام .

في الأرض بعد إصلاحها : إصلاح الأرض : هو إصلاح حال أهلها بالعقائد الصحيحة ، والأعمال الصالحة المزكية للأنفس ، والأعمال المرقية للعمران ، المحسنة لأحوال المعيشة .

85

التفسير :

85- وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين .

شعيب يأتي يوم القيامة خطيبا للأنبياء ، فقد كان قوي الحجة بليل اللسان ، حكيم القول ، وهو هنا يدعوهم إلى عبادة الله وحده فهو الإله الحق وليس هناك إله غيره ، فكل ما عداه من الآلهة ، آلهة بغير حق .

ومع شعيب معجزة من الله ، وقد أعطى الله كل نبي معجزة تؤيده وأعطى محمدا صلى الله عليه وآله وسلم وحي السماء ، وهو القرآن الكريم ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم أكثر الأنبياء تابعا يوم القيامة ( 78 ) .

وقد دعا قومه إلى عدد من المكارم ونهاهم عن عدد من المفاسد فدعاهم إلى ما يأتي :

وفاء الكيل والميزان وهذه عادة من أفضل العادات تؤدي إلى ثقة الأمة وتكافلها ، وتطفيف الكيل والميزان يؤدي إلى غضب السماء وفي الحديث الشريف : ( ما طفف قوم المكيال والميزان ؛ إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور الحكام ) ( 79 ) .

ولا تبخسوا الناس أشياءهم .

أي : لا تنقصوا الناس شيئا من حقوقهم في بيع أو شراء أو حق مادي أو معنوي .

روى أن قوم شعيب كانوا إذا دخل عليهم الغريب يأخذون دراهمه ، ويقولون : هذه زيوف ، فيقطعونها ، ثم يشترونها منه بالبخس أي : بالنقصان .

وتلمح أن كل نبي دعا إلى توحيد الله ، ثم عالج الأمراض الخلقية في قومه كما عالج لوط الشذوذ الجنسي ، فإن شعيبا عالج تطفيف الكيل والميزان وأنواع الفساد الأخرى التي إذا فشت في أمة ؛ قضت عليها و أزالت ملكها وعزها .

ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها .

لقد أصلح الله الأرض ، واستخلف الإنسان فيها لعمارتها ، وأرسل إليه الرسل وأنزل الكتب ودعا سبحانه إلى الخير ونهى عن الشر .

وعقوبة المفسد تكون أشد وأكبر إذا فسد بعد أن رأى بعينه طريق الإصلاح ميسرا معبدا مع من سبقه .

وقال الأستاذ أحمد مصطفى المراغي في تفسير المراغي :

إنه تعالى أصلح حال البشر بنظام الفطرة ، ومكنهم في الأرض بما آتاهم من القوى العقلية وقوة الجوارح ، وبما أودع في خلق الأرض من سنن حكيمة ، وقوانين مستقيمة ، وبما بعث به الرسل من المكملات لنظام الفطرة من آداب وأخلاق ، ونظم في المعاملات والاجتماع ، وبما أرشد إليه المصلحون من العلماء والحكماء ، والذين يأمرون بالقسط ويهدون الناس إلى ما فيه من صلاحهم في دينهم ، والعاملون من الزراع والصناع والتجار أهل الأمانة والاستقامة ، الذين ينفعون الناس في دنياهم ، فعليكم ألا تفسدوا فيها ببغي ، ولا عدوان على الأنفس والأعراض والأخلاق بارتكاب الإثم والفواحش ولا تفسدوا فيها بالفوضى وعدم النظام وبث الخرافات والجهالات التي تقوض نظم المجتمع ، وقد كانوا من المفسدين للدين والدنيا كما يستفاد من هذه الآية وما بعدها ( 80 ) .

ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين . أي : ذلكم الذي تقدم من عبادة الله والوفاء بالكيل والميزان ، وترك البخس والإفساد في الأرض ، خير لكم في الإنسانية ، وحسن الأحدوثة وهو خير لكم في الدنيا والآخرة . إن كنتم مؤمنين بالله ومصدقين برسالتي إليكم .

والبشر لم يصلوا في عصر من العصور إلى ما وصل إليه أهل هذا العصر من العلم بالمنافع والمضار ، ومع هذا فالعلم وحده لم ينفعهم ؛ فكثرت الجرائم من قتل وسلب وإفساد وفسق وفجور .

فخير وسيلة للإصلاح هو حسن تربية الناشئة وإقناعهم بمنافع الفضائل كالصدق والأمانة والعدل وإقناعهم بمضار الرذائل ؛ لأن الوازع النفسي أقوى من الوازع الخارجي .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ قَدۡ جَآءَتۡكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡۖ فَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (85)

ثم قصت علينا سورة الأعراف بعد ذلك قصى شعيب مع قومه ، فقالت : { وإلى مَدْيَنَ . . . } .

قوله : { وإلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَاقَوْمِ اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ } أى : وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيبا . ومدين اسم للقبيلة التي تنسب إلى مدين بن إبراهيم - عليه السلام - وكانوا يسكنون في المنطقة التي تسمى معان بين حدود الحجاز والشام ، وهم أصحاب الأيكة - والأيكة : منطقة مليئة بالشجر كانت مجاورة لقرية معان ، وكان يسكنها بعض الناس فأرسل الله شعيبا إليهم جميعا .

وشعيب هو ابن ميكيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم فهو أخوهم في النسب وكان النبى صلى الله عليه وسلم إذا ذكر شعيب قال : " ذلك خطيب الأنبياء لحسن مراجعته لقومه ، وقوة حجته " .

وكان قومه أهل كفر وبخص للمكيال والميزان فدعاهم إلى توحيد الله - تعالى - ونهاهم عن الخيانة وسوء الأخلاق .

وعن السدى وعكرمة : أن شعيبا أرسل إلى أمتين : أهل مدين الذين أهلكوا بالصيحة ، وأصحاب الأيكة الذين أخذهم الله بعذاب يوم الظلة ، وأنه لم يبعث نبى مرتين إلا شعيب - عليه السلام - .

ولكن المحققين من العلماء اختاروا أنهما أمة واحدة فأهل مدين هم أصحاب الأيكة أخذتهم الرجفة والصيحة وعذاب يوم الظلة - أى السحابة - ، وأن كل عذاب كان كالمقدمة للآخر .

وبعد أن دعاهم إلى وحدانية الله شأن جميع الرسل في بدء دعوتهم قال لهم : { قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ } أى : قد جاءتكم معجزة شاهدة بصحة نبوتى توجب عليكم الإيمان بى والأخذ بما آمركم به والانتهاء عما أنهاكم عنه .

قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما كانت معجزته ؟ قلت : قد وقع العلم بأنه كانت له معجزة لقوله : { قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ) ، ولأنه لا بد لمدعى النبوة من معجزة تشهد له وتصدقه وإلا لم تصح دعواه ، وكان متنبئا لا نبياً ، غير أن معجزته لم تذكر في القرآن كما لم تذكر معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم فيه .

ثم أخذ في نهيهم عن أبرز المنكرات التي كانت متفشية فيهم فقال - كما حكى القرآن عنه - :

{ فَأَوْفُواْ الكيل والميزان } الكيل والميزان مصدران أريد بهما ما يكال وما يوزن به ، كالعيش بمعنى ما يعاش به . أو المكيل والموزون .

أى : فأتموا الكيل والميزان للناس بحيث يعطى صاحب الحق حقه من غير نقصان ، ويأخذ صاحب الحق حقه من غير طلب الزيادة .

{ وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَاءَهُمْ } أى : ولا تنقصوهم حقوقهم بتطفيف الكيل ونقص الوزن فيما يجرى بينكم وبينهم من معاملات .

يقال : بخسه حقه يبخصه إذا نقصه إياه . وظلمه فيه " وتبخسوا " تعدى إلى مفعولين أولهما الناس والثانى أشياءهم .

وفائدة التصريح بالنهى عن النقص بعد الأمر بالإيفاء ، تأكيد ذلك الأمر وبيان قبح ضده .

قال الآلوسى : وقد يراد بالأشياء الحقوق مطلقا فإنهم كانوا مكاسين لا يدعون شيئا إلا مكسوه . وقد جاء عن ابن عباس أنهم كانوا قوما طغاة بغاة يجلسون على الطريق فيبخسون الناس أموالهم . قيل ويدخل في ذلك بخس الرجل حقه من حسن المعاملة والتوقير اللائق به وبيان فضله على ما هو عليه للسائل عنه . وكثير ممن ينتسب إلى أهل العلم اليوم مبتلون بهذا البخس ، وليتهم قنعوا به بل جمعوا " حشفا وسوء كيلة " فإنا لله وإنا إليه راجعون .

ثم نهاهم عن الافساد بوجه عام فقال : { وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض بَعْدَ إِصْلاَحِهَا } أى : لا تفسدوا في الأرض بما ترتكبون فيها من ظلم وبغى ، وكفر وعصيان ، بعد أن أصلح أمرها وأمر أهلها الأنبياء وأتباعهم الصالحون الذين يعدلون في معاملاتهم ويلتزمون الحق في كل تصرفاتهم .

ثم ختمت الآية بتلك الجملة الكريمة التي استجاش بها شعيب مشاعر الإيمان في نفوس قومه حيث قال لهم : { ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ } .

أى : ذلكم الذي آمركم به وأنهاكم عنه خير لكم في الحال والمآل فبادروا إلى الاستجابة لى إن كنتم مصدقين قولى ، ومنتفعين بالهدايات التي جئت بها إليكم من ربكم .

فاسم الإشارة { ذلكم } يعود إلى ما ذكر من الأمر بالوفاء في الكيل والميزان والنهى عن بخس الناس أشياءهم وعن الافساد في الأرض .