والأن نواجه النصوص القرآنية بالتفصيل :
( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ، ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ؛ ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا . ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم . أولئك يدعون إلى النار . والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ؛ ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون ) . .
النكاح - وهو الزواج - أعمق وأقوى وأدوم رابطة تصل بين اثنين من بني الإنسان ؛ وتشمل أوسع الاستجابات التي يتبادلها فردان . فلا بد إذن من توحد القلوب ، والتقائها في عقدة لا تحل . ولكي تتوحد القلوب يجب أن يتوحد ما تنعقد عليه ، وما تتجه إليه . والعقيدة الدينية هي أعمق وأشمل ما يعمر النفوس ، ويؤثر فيها ، ويكيف مشاعرها ، ويحدد تأثراتها واستجاباتها ، ويعين طريقها في الحياة كلها . وإن كان الكثيرون يخدعهم أحيانا كمون العقيدة أو ركودها . فيتوهمون أنها شعور عارض يمكن الاستغناء عنه ببعض الفلسفات الفكرية ، أو بعض المذاهب الاجتماعية . وهذا وهم وقلة خبرة بحقيقة النفس الإنسانية ، ومقوماتها الحقيقية . وتجاهل لواقع هذه النفس وطبيعتها .
ولقد كانت النشأة الأولى للجماعة المسلمة في مكة لا تسمح في أول الأمر بالانفصال الاجتماعي الكامل الحاسم ، كالانفصال الشعوري الاعتقادي الذي تم في نفوس المسلمين . لأن الأوضاع الاجتماعية تحتاج إلى زمن وإلى تنظيمات متريثة . فلما أن أراد الله للجماعة المسلمة أن تستقل في المدينة ، وتتميز شخصيتها الاجتماعية كما تميزت شخصيتها الاعتقادية . بدأ التنظيم الجديد يأخذ طريقه ، ونزلت هذه الآية . نزلت تحرم إنشاءأي نكاح جديد بين المسلمين والمشركين - فأما ما كان قائما بالفعل من الزيجات فقد ظل إلى السنة السادسة للهجرة حين نزلت في الحديبية آية سورة الممتحنة : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن . الله أعلم بإيمانهن . فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار . لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن . . ( ولا تمسكوا بعصم الكوافر . . . ) . . . فانتهت آخر الارتباطات بين هؤلاء وهؤلاء .
لقد بات حراما أن ينكح المسلم مشركة ، وأن ينكح المشرك مسلمة . حرام أن يربط الزواج بين قلبين لا يجتمعان على عقيدة . إنه في هذه الحالة رباط زائف واه ضعيف . إنهما لا يلتقيان في الله ، ولا تقوم على منهجه عقدة الحياة . والله الذي كرم الإنسان ورفعه على الحيوان يريد لهذه الصلة ألا تكون ميلا حيوانيا ، ولا اندفاعا شهوانيا . إنما يريد أن يرفعها حتى يصلها بالله في علاه ؛ ويربط بينها وبين مشيئته ومنهجه في نمو الحياة وطهارة الحياة .
ومن هنا جاء ذلك النص الحاسم الجازم :
( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) . .
فإذا أمن فقد زالت العقبة الفاصلة ؛ وقد التقى القلبان في الله ؛ وسلمت الآصرة الإنسانية بين الاثنين مما كان يعوقها ويفسدها . سلمت تلك الآصرة ، وقويت بتلك العقدة الجديدة : عقدة العقيدة .
( ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ) . .
فهذا الإعجاب المستمد من الغريزة وحدها ، لا تشترك فيه مشاعر الإنسان العليا ، ولا يرتفع عن حكم الجوارح والحواس . وجمال القلب أعمق وأغلى ، حتى لو كانت المسلمة أمة غير حرة . فإن نسبها إلى الإسلام يرفعها عن المشركة ذات الحسب . إنه نسب في الله وهو أعلى الأنساب .
( ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا . ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم ) . .
القضية نفسها تتكرر في الصورة الأخرى ، توكيدا لها وتدقيقا في بيانها والعلة في الأولى هي العلة في الثانية :
( أولئك يدعون إلى النار ، والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه . ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون ) . .
إن الطريقين مختلفان ، والدعوتين مختلفتان ، فكيف يلتقي الفريقان في وحدة تقوم عليها الحياة ؟
إن طريق المشركين والمشركات إلى النار ، ودعوتهم إلى النار . وطريق المؤمنين والمؤمنات هو طريق الله . والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه . . فما أبعد دعوتهم إذن من دعوة الله !
ولكن أويدعو أولئك المشركون والمشركات إلى النار ؟ ومن الذي يدعو نفسه أو غيره إلى النار ؟ !
ولكنها الحقيقة الأخيرة يختصر السياق إليها الطريق ! ويبرزها من أولها دعوة إلى النار ، بما أن مآلها إلى النار . والله يحذر من هذه الدعوة المردية ( ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون ) . . فمن لم يتذكر ، واستجاب لتلك الدعوة فهو الملوم !
هنا نتذكر أن الله لم يحرم زواج المسلم من كتابية - مع اختلاف العقيدة - ولكن الأمر هنا يختلف . إن المسلم والكتابية يلتقيان في أصل العقيدة في الله . وإن اختلفت التفصيلات التشريعية . .
وهناك خلاف فقهي في حالة الكتابية التي تعتقد أن الله ثالث ثلاثة ، أو أن الله هو المسيح بن مريم ، أو أن العزيز ابن الله . . أهي مشركة محرمة . أم تعتبر من أهل الكتاب وتدخل في النص الذي في المائدة : ( اليوم أحل لكم الطيبات ) . . . ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) . . والجمهور على أنها تدخل في هذا النص . . ولكني أميل إلى اعتبار الرأي القائل بالتحريم في هذه الحالة . وقد رواه البخاري عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال : قال ابن عمر : " لا أعلم شركا أعظم من أن تقول ربها عيسى " . .
فأما الأمر في زواج الكتابي من مسلمة فهو محظور ؛ لأنه يختلف في واقعه عن زواج المسلم بكتابية - غير مشركة - ومن هنا يختلف في حكمه . . إن الأطفال يدعون لآبائهم بحكم الشريعة الإسلامية . كما أن الزوجة هي التي تتنقل إلى أسرة الزوج وقومه وأرضه بحكم الواقع . فإذا تزوج المسلم من الكتابية [ غير المشركة ] انتقلت هي إلى قومه ، ودعي أبناؤه منها باسمه ، فكان الإسلام هو الذي يهيمن ويظلل جو المحصن . ويقع العكس حين تتزوج المسلمة من كتابي ، فتعيش بعيدا عن قومها ، وقد يفتنها ضعفها ووحدتها هنالك عن إسلامها ، كما أن أبناءها يدعون إلى زوجها ، ويدينون بدين غير دينها . والإسلام يجب أن يهيمن دائما .
على أن هناك اعتبارات عملية قد تجعل المباح من زواج المسلم بكتابية مكروها . وهذا ما رآه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أمام بعض الاعتبارات :
قال ابن كثير في التفسير : " قال أبو جعفر بن جرير رحمه الله - بعد حكايته الإجماع على إباحة تزويج الكتابيات - وإنما كره عمر ذلك لئلا يزهد الناس في المسلمات ، أو لغير ذلك من المعاني " . .
وروي أن حذيفة تزوج يهودية فكتب إليه عمر : خل سبيلها . فكتب إليه : أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلها ؟ فقال : لا أزعم أنها حرام ولكن أخاف أن تعاظلوا المؤمنات منهن . وفي رواية أخرى أنه قال : المسلم يتزوج النصرانية . والمسلمة ؟
ونحن نرى اليوم أن هذه الزيجات شر على البيت المسلم . . فالذي لا يمكن إنكاره واقعيا أن الزوجة اليهودية أو المسيحية أو اللادينية تصبغ بيتها وأطفالها بصبغتها ، وتخرج جيلا أبعد ما يكون عن الإسلام . وبخاصة في هذا المجتمع الجاهلي الذي نعيش فيه ، والذي لا يطلق عليه الإسلام إلا تجوزا في حقيقة الأمر . والذي لا يمسك من الإسلام إلا بخيوط واهية شكلية تقضي عليها القضاء الأخير زوجة تجيء من هناك !
{ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون( 221 ) }
المشركين : المراد بهم هنا الكافرون مطلقا .
المشركات : المراد بهم الوثنيات ومن لا دين لهم .
ولأمة : الأمة ، المرأة المملوكة .
ما روى الواحد( 184 ) والسيوطي ، والقرطبي نقلا عن مقاتل بن سليمان أن هذه الآية نزلت في أبى مرثد الغنوي واسمه أيمن وفي عناق القريشية ، وذلك أن أبا مرثد كان رجلا صالحا وكان المشركون قد أسروا أناسا بمكة ، وكان أبو مرثد ينطلق إلى مكة مستخفيا فإذا كان الليل أخذ الطريق ، وإذا كان النهار تعسف الجبال لئلا يراه أحد حتى يقدم مكة فيرصد المسلمين ليلا فإذا أخرجهم المشركون للبراز تركوهم عند البراز والغائط ، فينطلق أبو مرثد فيحمل الرجل منهم من عنقه حتى إذا أخرجه من مكة كسر قيده بفهر ويلحقه بالمدينة ، كان ذلك دأبه فانطلق يوما حتى انتهى إلى مكة فلقيته عناق ، وكان يصيب منها في الجاهلية فقالت : أبا مرثد مالك في حاجة ؟ فقال لها : إن الإسلام قد حرم الزنا ، فلما أيست منه ا ، ذرت به كفار مكة فضربوه ضربا موجعا ثم خلوا سبيله ، فلما قضى حاجته بمكة انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أفتأذن في تزوجها فإنها لتعجبني فنزلت الآية .
{ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن . . . }
أي لا تتزوجوا المشركات حتى يؤمن فنكاحهن وهم مشركات حرام لا ينعقد ويعتبر وطؤهن الزنا .
{ ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم }
ولأمة مسلمة يتزوجها المسلم خير من مشركة حرة كانت أم أمة ولو أعجبتكم بجمال أو مال أو حسب أو نسب .
{ ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم . . . }
" أي لا تزوجوا المسلمة من المشرك ، وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام ، والقراء على ضم التاء من تنكحوا " ( 185 ) .
" والآية تحرم تزويج المؤمنات سواء كن حرائر أم إماء بكفار ، على أي دين كانوا فلا ينعقد زواج المؤمنة من كتابي أو مشرك أو ملحد " ( 186 ) .
قال تعالى : { فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن } . ( الممتحنة : 10 ) .
لأن ولاية الأمر للرجل على المرأة ، فيخشى أن يفتنها في دينها أو يزيغها عن عقيدتها أو يفسد منها دون أن تصلح منه . ثم بين علة النهي عن مناكحة المشركين والمشركات فقال :
{ أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه }
أي أولئك المذكورين من المشركين والمشركات يدعون على الكفر المؤدي إلى النار فلا تصاهروهم حتى لا يفتنوكم ويفتنوا ذريتهم ، والله يدعو بواسطة أوليائه من المؤمنين والمؤمنات إلى دواعي الجنة من الإيمان الخالص والعمل المشروع فكيف يلتقيان بالزواج ؟
{ ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون }
أي ويوضح الأدلة على أحكام شريعته للناس فلا يذكر لهم حكما إلا إذا بين لهم حكمته وأرشدهم إلى فائدته ، والسر في تشريعه ، لعلهم بهذا يعتبرون فإن الأحكام إذا ذكرت بعللها وأدلتها طبعت في النفوس وتقبلتها على الوجه المرضي ، فصارت الأحكام طريقا إلى الهداية والإقبال إلى الله وتهذيب الأرواح وتنقيتها من أدران الذنوب وأكدار المعاصي .
1 . المشرك في لسان الشرع من يدين بتعدد الآلهة مع الله تعالى وأصله من الشرك بمعنى أن تجعل الشيء بينك وبين غيرك شركة ، فمن يعبد مع الله إلها آخر يعد مشركا وهو في الآخرة من الخاسرين .
ويرى كثير من العلماء أن إطلاق كلمة مشرك ومشركين ومشركات في القرآن الكريم تعني عبدة الأوثان ، وأنها صارت في استعمال القرآن حقيقة عرفية فيهم ، ولو يطلقها القرآن على اليهود والنصارى ، وإنما عبر عنهم بهذا الاسم أو بأهل الكتاب ، أو بوصف الكفر دون الشرك . وعليه فالمراد بالمشركات والمشركين في الآية عبدة الأوثان . وذهب بعضهم إلى أن لفظ المشركات يشمل بمقتضى عمومه المرأة الوثنية واليهودية والنصرانية .
2 . تفيد الآية أنه لا يحل للمسلم أن يتزوج بمشركة ، ويباح له أن يتزوج كتابية ، كما يحرم زواج المسلمة من غير مسلم . والحكمة أن الرجل ولي الأمر فجاز أن يتزوج الكتابية لأنها تؤمن بالله واليوم الآخر . أما المرأة فيخشى على إيمانها وإسلامها أن تكون تحت رجل من أهل الكتاب .
3 . ذهب الإمامية ، وبعض الزيدية إلى تحريم زواج المسلم من الوثنية واليهودية والنصرانية لأن لفظ المشركات يشملهن جميعا ، وأصحاب هذا الرأي يجعلون آية المائدة : { والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب . . . }( المائدة : 5 ) منسوخ بالآية التي معنا نسخ الخاص بالعام .
4 . الجمهور على أنه مباح للمسلم أن يتزوج مسيحية أو يهودية بمقتضى قوله تعال : { وطعام الذين أتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أتوا الكتاب من قبلكم }( المائدة : 5 ) وتلحظ أن الآية قيدت الإباحة بكون الكتابيات من المحصنات والمراد بهن في أظهر التفاسير العفيفات . فأولئك الذين يعمدون إلى المنحرفات منهن في أخلاقهن وعقولهن ولا يتخيرون ، خارجون عن موضع الإباحة فينا أحسب ، لأن الله أحل المحصنات وهم استحلوا المنحرفات .
5 . " إذا رأى ولي الأمر أن هناك خطرا على الدولة الإسلامية أو على المجتمع الإسلامي من إباحة الزواج بالأجنبيات ، فله أن يمنع الناس من ذلك الزواج بوضع عقوبات لم يقدم عليه سدا للذريعة ومنعا للنشر وذلك من باب السياسة الشرعية لا من باب تحريم ما احل الله لأن الحل قائم على أصله والمنع وأراد على الضرر الذي يلحق بالمسلمين .
" ولذلك سارت بعض الدول العربية على منح بعض من رجالها من الزواج بالأجنبيات " ( 187 ) .
6 . الأصل في زواج الكتابيات أنه مباح ، ويرى بعض العلماء أنه مكروه لأن الكتابيات قد دخل على عقيدتهن التحريف والتغيير ولأن الكتابية لا تدين بالولاء للإسلام ، ولما يخشى على الذرية منها .
7 . ورد في تفسير الطبري والقرطبي وابن كثير وغيرهم ما يفيد أن بعض الصحابة قد تزوج بكتابيات ، فعثمان بن عفان تزوج نصرانية ثم أسلمت وطلحة بن عبيد الله وحذيفة بن اليمان تزوجا يهوديتين ، وقد كره عمر بن الخطاب زواج المسلمين من الأجنبيات ، لئلا يزهد الناس في المسلمات ولغير ذلك من المعاني .
" قال شقيق : تزوج حذيفة يهودية فكتب إليه عمر : خل سبيلها فكتب إليه ، أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلها ؟ فقال : لا أزعم أنها حرام ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن " وإسناده صحيح( 188 ) .
" وروى ابن جرير عن عمر بن الخطاب ، قال : المسلم يتزوج النصرانية ولا يتزوج النصراني المسلمة " ( 189 ) .
" وروى الحسن عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نتزوج نساء أهل الكتاب ، ولا يتزوجون نساءنا " ( 190 ) .
8 . كان بن عمر يحرم زواج المسلم من النصرانية أو اليهودية لأنها مشركة تقول إن ربها عيسى . ولكن الجمهور على خلاف ذلك الرأي . قال القرطبي : وكان ابن عمر إذا سئل عن نكاح الرجل النصرانية أو اليهودية قال : حرم الله المشركات على المؤمنين ولا أعرف شيئا من الإشراك أعظم من تقول المرأة ربها عيسى . قال النحاس : وهذا قول خارج عن قول الجماعة الذين تقوم بهم الحجة ، لأنه قال بتحليل نكاح نساء أهل الكتاب من الصحابة جماعة ، منهم عثمان وطلحة وابن عباس ، ومن التابعين سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وفقهاء الأمصار عليه .
وأيضا فيمتنع أن تكون الآية من سورة البقرة ناسخة للآية التي في سورة المائدة لأن البقرة من أول ما نزل بالمدينة والمائدة من آخر ما نزل ، وإنما الآخر ينسخ الأول ويخصصه ، وأما قول ابن عمر فلا حجة فيه لأن ابن عمر رضي الله عنه كان متوقفا فلما سمع الآيتين في واحدة التحليل ، وفي أخرى التحريم ، ولم يبلغه النسخ توقف ، ولم يؤخذ عنه ذكر النسخ وإنما تأول عليه وليس يؤخذ الناسخ المنسوخ بالتأويل( 191 ) .
9 . تابع القرطبي مسيرته مؤيدا تحليل الزواج بالكتابيات فقال : " وذكر ابن المنذر جواز نكاح الكتابيات عن عمر ابن الخطاب ومن ذكر من الصحابة والتابعين في قول النحاس ، وقال في آخر كلامه : ولا يصح عن أحد من الأوائل أنه حرم ذلك " ( 192 ) .
10 . وقال بعض العلماء : أما الآيتان فلا تعارض بينهما ، فإن ظاهر لفظ الشرك لا يتناول أهل الكتاب لقوله تعالى : { ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم } . ( البقرة : 105 ) .
وقال : { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين }( البينة : 1 ) ففرق بينهم في للفظ وظاهر العطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه ، وأيضا اسم الشرك عموم وليس بنص ، وقوله تعالى : { والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب . . . }( المائدة : 5 ) بعد قوله والمحصنات من المؤمنات نص فلا تعارض بين المحتمل وبين ما لا يحتمل( 193 ) .
11 . قال الأستاذ سيد قطب : " الجمهور على تحليل الزواج من الكتابيات ، ولكني أميل إلى اعتبار الرأي القاتل بالتحريم " ( 194 ) .
ونحن لا نمنع التحريم لاعتبارات مختلفة تدخل في نطاق السياسة الشرعية . قال أستاذي المرحوم الدكتور محمد يوسف موسى : عندما كنت في الجزائر أثناء الاحتلال الفرنسي لها سئلت عن حكم الزواج بالأجنبيات فأفتيت بأنه حرام ، لأني وجدت أن هناك شرطا غير مكتوب خلاصته أن الترقية إلى أي منصب رفيع قاصرة على من تزوج من فرنسية . فأفتيت بتحريم الزواج من الفرنسيات حفاظا على قوة المسلمين .
والخلاصة أن الزواج بالكتابيات جائز ، والجمهور على أنه مباح . وبعض الناس يحرمه والمختار انه مكروه لاعتبارات طارئة فإذا ترتبت عليه المفاسد صار حراما من باب سد الذرائع ومراعاة القواعد الأصولية التي تقول : درء المفاسد مقدم على جلب المصالح .