تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعۡضِ ذُنُوبِهِمۡۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ} (49)

{ وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ْ } هذه الآية هي التي قيل : إنها ناسخة لقوله : { فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ْ }

والصحيح : أنها ليست بناسخة ، وأن تلك الآية تدل على أنه صلى الله عليه وسلم مخير بين الحكم بينهم وبين عدمه ، وذلك لعدم قصدهم بالتحاكم للحق . وهذه الآية تدل على أنه إذا حكم ، فإنه يحكم بينهم بما أنزل الله من الكتاب والسنة ، وهو القسط الذي تقدم أن الله قال : { وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ ْ } ودل هذا على بيان القسط ، وأن مادته هو ما شرعه الله من الأحكام ، فإنها المشتملة على غاية العدل والقسط ، وما خالف ذلك فهو جور وظلم .

{ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ْ } كرر النهي عن اتباع أهوائهم لشدة التحذير منها . ولأن ذلك في مقام الحكم والفتوى ، وهو أوسع ، وهذا في مقام الحكم وحده ، وكلاهما يلزم فيه أن لا يتبع أهواءهم المخالفة للحق ، ولهذا قال : { وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ْ } أي : إياك والاغترار بهم ، وأن يفتنوك فيصدوك عن بعض ما أنزل [ الله ] إليك ، فصار اتباع أهوائهم سببا موصلا إلى ترك الحق الواجب ، والفرض اتباعه .

{ فَإِن تَوَلَّوْا ْ } عن اتباعك واتباع الحق { فَاعْلَمْ ْ } أن ذلك عقوبة عليهم وأن الله يريد { أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ْ } فإن للذنوب عقوبات عاجلة وآجلة ، ومن أعظم العقوبات أن يبتلى العبد ويزين له ترك اتباع الرسول ، وذلك لفسقه .

{ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ْ } أي : طبيعتهم الفسق والخروج عن طاعة الله واتباع رسوله .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعۡضِ ذُنُوبِهِمۡۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ} (49)

قوله تعالى : { وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون } .

قال ابن عباس في سبب نزول هذه الآية : إن جماعة من اليهود منهم كعب بن أسيد وعبد الله بن صوريا وشاس بن قيس ، قال بعضهم لبعض : اذهبوا بنا إلى محمد ، عليه الصلاة والسلام ، لعلنا نفتنه عن دينه ، فأتوه فقالوا : يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم وأنا إن اتبعناك اتبعنا اليهود ولن يخالفونا ، وإن بيننا وبين قوم خصومة . ونحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم ونحن نؤمن بك ونصدقك . فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله فيهم { واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك } {[999]} .

قوله : { وأن احكم } في محل نصب معطوف على الكتاب . وتقدير الكلام : وأنزلنا إليك الكتاب . وأنزلنا إليك أن احكم بينهم بما أنزل الله . وتكرير الأمر بالحكم يأتي للتأكيد على الالتزام بشرع الله والحكم بما أنزل في كتابه الكريم دون غيره من الأحكام والشرائع . واستدلوا بهذه الآية على نسخ التخيير في قوله تعالى :

{ فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } .

قوله : { ولا تتبع أهواءهم } تقدم تفسير ذلك وجملته أن لا تترك العمل بما جاءك من الحق لتعمل بأهوائهم ومرادهم .

قوله : { واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك } أي احذر فتنة اليهود وغيرهم من الماكرين المضلين مخافة أن يستزلوك أو يصرفوك عن أقل القليل مما أنزل إليك .

وفي قوله : { عن بعض } ما يثير التنبه إلى خطورة الانصراف عن أقل القليل من شريعة الله . لا مجال ولا مساغ بحال أن يتهاون المسلمون في شيء من تعاليم الإسلام مهما قلت ومهما كان السبب إلا في الأخذ بالرخص عند الضرورة ووقوع الحرج . لا مبرر في غير ذلك البتة لغض الطرف عن أي حكم من أحكام الشريعة . بل إن شريعة الإسلام وافية متكاملة لا مناص من الأخذ بها كليا . وأيما تقاعس أو تناس أو تهاون في واحد من معاني الإسلام لا جرم أنه انفتال فاحش عن صراط الله المستقيم . انفتال عن منهج الله الكامل الشامل الذي لا يقبل التجزئة والمداهنة . انفتال مثير لا يطاق ولا يحتمل فهو في تصور الإسلام مرفوض .

قوله : { فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم } هؤلاء اليهود الذين اختصموا عندك يا محمد ، إن أبوا حكمك وأعرضوا عنك فاعلم أن الله جل جلاله إنما يريد أن يتعجل لهم العقوبة في الدنيا في مقابلة بعض من ذنوبهم التي اقترفوها . وقد عذبهم الله بالجلاء والتقهقر أمام جند الإسلام بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قوله : { وإن كثيرا من الناس لفاسقون } المراد أكثر الناس فاسقون أي خارجون عن منهج الله متمردون على أوامره مستنكفون عن طاعته . وقيل : المراد بهم هنا اليهود . والراجح الأول ، ويؤيده قوله تعالى : { وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين } وقوله : { وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله } .

ولا يخفى على البصير المدكر ما في الآية من تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بما يكفكف عن نفسه الألم والإحساس بالمرارة كلما تزاحمت عليه الخطوب من فرط كيد اليهود ، وما تشبت به المشركون العرب من ضلالات الجدود{[1000]} .


[999]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 133.
[1000]:- تفسير الطبري ج 6 ص 177 وتفسير القرطبي ج 6 ص 214 وروح المعاني ج 6 ص 155.