{ 18 - 20 ْ } { بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ * وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ْ }
يخبر تعالى ، أنه تكفل بإحقاق الحق وإبطال الباطل ، وإن كل باطل قيل وجودل به ، فإن الله ينزل من الحق والعلم والبيان ، ما يدمغه ، فيضمحل ، ويتبين لكل أحد بطلانه { فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ْ } أي : مضمحل ، فانٍ ، وهذا عام في جميع المسائل الدينية ، لا يورد مبطل ، شبهة ، عقلية ولا نقلية ، في إحقاق باطل ، أو رد حق ، إلا وفي أدلة الله ، من القواطع العقلية والنقلية ، ما يذهب ذلك القول الباطل ويقمعه فإذا هو متبين بطلانه لكل أحد .
وهذا يتبين باستقراء المسائل ، مسألة مسألة ، فإنك تجدها كذلك ، ثم قال : { وَلَكُمْ ْ } أيها الواصفون الله ، بما لا يليق به ، من اتخاذ الولد والصاحبة ، ومن الأنداد والشركاء ، حظكم من ذلك ، ونصيبكم الذي تدركون به { الْوَيْلُ ْ } والندامة والخسران .
ليس لكم مما قلتم فائدة ، ولا يرجع عليكم بعائدة تؤملونها ، وتعملون لأجلها ، وتسعون في الوصول إليها ، إلا عكس مقصودكم ، وهو الخيبة والحرمان .
{ بل } {[50596]}وإشعار لهذا المعنى بالقذف{[50597]} والدمغ تصويراً للحق بجعل الحق كأنه جرم{[50598]} صلب كالصخرة قذف بها على {[50599]}جرم رخو{[50600]} أجوف فقال : { نقذف } أي إنما شأننا أن نرمي رمياً شديداً { بالحق } الذي هو هذا الذكر الحكيم الذي أنزلناه جداً كله وثابتاً جميعه لا لهو فيه ولا باطل ، ولا هو مقارب لشيء منهما ، {[50601]}ولا تقدرون أن تتخذوا شيئاً منه{[50602]} لهواً اتخاذاً يطابقكم عليه منصف ، فنحن نقذف به { على الباطل } الذي أحدثتموه من عند أنفسكم { فيدمغه } أي فيمحقه محق المكسور الدماغ { فإذا هو } في الحال { زاهق } أي ذاهب الروح أي هالك ؛ ثم عطف على ما أفادته " إذا " قوله : { ولكم } أي وإذا لكم {[50603]}أيها المبطلون{[50604]} { الويل مما تصفون* } أي من وصفكم لكل شيء {[50605]}بما تهوى أنفسكم من غير إذن منا{[50606]} لكم{[50607]} ، لأنكم لا تقفون على حقائق الأمور ، فإن وصفتم القرآن بشيء مما تقدم ثم قذفنا عليه بما يبين{[50608]} بطلانه ، بان لكل عاقل أنه يجب عليكم أن تنادموا الويل بميلكم{[50609]} كل الميل ، وإن وصفتم الله أو الدنيا أو غيرهما{[50610]} فكذلك إنما أنتم متعلقون بقشور وظواهر لا يرضاها إلا بعيد عن العقل محجوب عن الإدراك ؛
قوله : ( بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ) ( بل ) ، حرف إضراب . و ( نقذف ) ، من القذف وهو الرمي{[3023]} ؛ أي ليس من شأننا أن نخلق شيئا عبثا ولا أن نتخذ الولد أو الصاحبة ، بل من شأننا أن نسلط الحق على الباطل ( فيدمغه ) دمغه ؛ أي شجّه حتى بلغت الشجة الدماغ بعد أن كسرت عظم دماغه . واسم الشجة هنا الدامغة وهي التي تخسف الدماغ ولا حياة معها . وهي عاشرة الشجاج المعروفة في الجروح من باب الجنايات{[3024]} .
والمعنى : يدحضه ويبطله ، أو يقهره ويأتي عليه . والمراد أن الله يسلط الحق على الباطل ليقضي عليه ويبدده تبديدا أو يمحقه محقا . والحق هو القرآن أو الإسلام بما حواه من بالغ الحجج وعظيم الأحكام في كل القضايا البشرية وبما يحمله للناس من تصورات وأساليب مميزة في التربية والأخلاق والسلوك . كل ذلك يجعل من الإسلام خير عقيدة سمحة عرفتها الدنيا ، وخير نظام كامل شامل تجد البشرية في ظلاله الأمن والسعادة والاستقرار والنجاة من كل الأدران والمتاعب . وفي مقابل ذلك كله يجثم الباطل على صدر البشرية في غالب الأحوال والأحايين . وذلك هو الباطل بكل صوره وأشكاله ومسمياته التي لقيت البشرية تحت كابوسها ألوانا من الشقاء والتعس والويل . ويلا الحروب والإذلال والاستعباد والخوف . كل ذلك في ظل الباطل التائه العارم المتنفش . الباطل الذي ما يفتأ ، بين الحين والآخر ، يصول ويتيه عربدة وغرورا وهو يجرجر للبشرية كل ضروب الخراب والفساد والظلم .
ولا يتردد الباطل في كل مكان وزمان عن نفث الشرور والبلايا والويلات للناس ، والمسلمين خصوصا . لا يتردد الباطل المتمرد المنتفش العاتي في العدوان على البشرية ، والمسلمين خاصة ، حتى يقذف الله عليه بالحق وهو الإسلام فيسلطه عليه تسلطيا ويقهره قهرا كيما يتطحطح ويتلاشى . أو ينفى وينهزم .
قوله : ( ولكم الويل مما تصفون ) ذلك وعيد من الله لهؤلاء المشركين الكاذبين الذين يتقولون على الله الكذب فيزعمون أن له ولدا أو صاحبة . والويل ، معناه الهلاك . أو هو واد في جهنم يهوي فيه الجاحدون والمضلون والمجرمون .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.