تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (78)

{ 78 } { وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }

أي : هو المنفرد بهذه النعم ، حيث { أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا } ، ولا تقدرون على شيء ، ثم إنه { جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ } ، خص هذه الأعضاء الثلاثة ؛ لشرفها وفضلها ؛ ولأنها مفتاح لكل علم ، فلا وصل للعبد علم إلا من أحد هذه الأبواب الثلاثة ، وإلا فسائر الأعضاء والقوى الظاهرة والباطنة هو الذي أعطاهم إياها ، وجعل ينميها فيهم شيئا فشيئا ، إلى أن يصل كل أحد إلى الحالة اللائقة به ، وذلك لأجل أن يشكروا الله ، باستعمال ما أعطاهم من هذه الجوارح في طاعة الله ، فمن استعملها في غير ذلك كانت حجة عليه ، وقابل النعمة بأقبح المقابلة .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (78)

ولما انقضى توبيخهم على إيمانهم بالباطل وكفرانهم بالحق وما استتبعه ، وختم بأمر الساعة ، عطف على قوله تعالى : { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً } ، ما هو من أدلة الساعة وكمال القدرة والفعل بالاختيار من النشأة الأولى ، فقال تعالى : { والله } ، أي : الذي له العظمة كلها ، { أخرجكم } ، بعلمه وقدرته ، { من بطون أمهاتكم } ، والذي أخرجكم منها قادر على إخراجكم من بطن الأرض بلا فرق ، بل بطريق الأولى ، حال كونكم عند الإخراج : { لا تعلمون شيئاً } من الأشياء قل أو جل ، وعطف على { أخرجكم } ، قوله : { وجعل لكم } بذلك أيضاً { السمع والأبصار والأفئدة } ، آلات لإزالة الجهل الذي وقعت الولادة عليه ، وفتق مواضعها وسواها وعدلها وأنتم في البطون حيث لا تصل إليه يده ، ولا يتمكن من شق شيء منه بآلة ، فالذي قدر على ذلك في البطون إبداعاً ، قادر على إعادته في بطن الأرض ، بل بطريق الأولى ، ولعله جمعهما دون السمع ؛ لأن التفاوت فيهما أكثر من التفاوت فيه بما لا يعلمه إلا الله ؛ والأفئدة ، هي : القلوب التي هيأها للفهم وإصلاح البدن ، بما أودعها من الحرارة اللطيفة القابلة للمعاني الدقيقة ، { لعلكم تشكرون * } ، أي : لتصيروا - بمعارف القلوب التي وهبكموها إذا سمعتم المواعظ وأبصرتم الآيات - في حال يرجى فيها شكركم ، لما أفاض عليكم من لطائف صنعه ، بأن تعرفوا ما له من العلم والقدرة وحسن التعرف ، فتعترفوا له بجميع ما أتتكم به رسله ، وأهمه الذي تبنى عليه جميع مقاصد الأصول ، أو المنعم عليكم بهذه النعم إله واحد ، عالم بكل شيء ، قادر على كل شيء ، فاعل بالاختيار ، وأن الطبائع من جملة مقدوراته ، لا فعل لها إلا بتصريفه .