تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَلَوۡ جَعَلۡنَٰهُ مَلَكٗا لَّجَعَلۡنَٰهُ رَجُلٗا وَلَلَبَسۡنَا عَلَيۡهِم مَّا يَلۡبِسُونَ} (9)

{ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا } لأن الحكمة لا تقتضي سوى ذلك . { وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ } أي : ولكان الأمر ، مختلطا عليهم ، وملبوسا وذلك بسبب ما لبسوه على أنفسهم ، فإنهم بنوا أمرهم على هذه القاعدة التي فيها اللبس ، وبها عدم بيان الحق .

فلما جاءهم الحق ، بطرقه الصحيحة ، وقواعده التي هي قواعده ، لم يكن ذلك هداية لهم ، إذا اهتدى بذلك غيرهم ، والذنب ذنبهم ، حيث أغلقوا على أنفسهم باب الهدى ، وفتحوا أبواب الضلال .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَوۡ جَعَلۡنَٰهُ مَلَكٗا لَّجَعَلۡنَٰهُ رَجُلٗا وَلَلَبَسۡنَا عَلَيۡهِم مَّا يَلۡبِسُونَ} (9)

قوله تعالى : " ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا " أي لا يستطيعون أن يروا الملك في صورته إلا بعد التجسم بالأجسام الكثيفة ؛ لأن كله جنس يأنس بجنسه وينفر من غير جنسه ، فلو جعل الله تعالى الرسول إلى البشر ملكا لنفروا من مقاربته ، ولما أنسوا به ، ولداخلهم من الرعب من كلامه والاتقاء له ما يكفهم عن كلامه ، ويمنعهم عن سؤاله ، فلا تعم المصلحة ، ولو نقله عن صورة الملائكة إلى مثل صورتهم ليأنسوا به وليسكنوا إليه لقالوا : لست ملكا وإنما أنت بشر فلا نؤمن بك وعادوا إلى مثل حالهم . وكانت الملائكة تأتي الأنبياء في صورة البشر فأتوا إبراهيم ولوطا في صورة الآدميين ، وأتى جبريل النبي عليه الصلاة والسلام في صورة دحية الكلبي . أي لو أنزل ملك لرأوه في صورة رجل{[6255]} كما جرت عادة الأنبياء ، ولو نزل على عادته لم يروه ، فإذا جعلناه رجلا التبس عليهم فكانوا يقولون : هذا ساحر مثلك . وقال الزجاج : المعنى " وللبسنا عليهم " أي على رؤسائهم كما يلبسون على ضعفتهم ، وكانوا يقولون لهم إنما محمد بشروا وليس بينه وبينكم فروق فيلبسون عليهم بهذا{[6256]} ويشككونهم ، فأعلمهم الله عز وجل أنه لو أنزل في ملكا في صورة رجل لوجدوا سبيلا إلى اللبس كما يفعلون . واللبس الخلط ، يقال : لبست عليه الأمر ألبسه لبسا أي خلطته ، وأصله التستر بالثوب ونحوه وقال : " لبسنا " بالإضافة إلى نفسه على جهة الخلق ، وقال " ما يلبسون " فأضاف إليهم على جهة الاكتساب .


[6255]:في ع و ك: بشر.
[6256]:في ع: يلبسون عليهم مثل هذا.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَوۡ جَعَلۡنَٰهُ مَلَكٗا لَّجَعَلۡنَٰهُ رَجُلٗا وَلَلَبَسۡنَا عَلَيۡهِم مَّا يَلۡبِسُونَ} (9)

قوله : { ولو جعلنه ملكا لجعلنه رجلا } الضمير الأول يعود على الرسول عليه الصلاة والسلام . والضمير الثاني يعود على الملك . وفي تأويل الآية يقول ابن عباس : لو أتاهم ملك ما أتاهم إلا في صورة رجل ، لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من النور . أي لو بعثنا إليكم رسولا من الملائكة لصيرناه على هيئة رجل لتأنسوا به ولتتمكنوا من مخاطبته والأخذ عنه ، لأن كل جنس إنما يأنس بجنسه وينفر من غير جنسه . ولو جعل الله الرسول إلى الناس ملكا لنفروا من مقاربته ولما استأنسوا به ولكان قد داخل نفوسهم الرعب من صورته ومن كلامه مما يحفزهم بالضرورة على الكف عن كلامه أو مساءلته . وبذلك تتعطل المصلحة فلا ينتفعون ولا يهتدون .

قوله : { وللبسنا عليهم ما يلبسون } لبسنا من اللبس وهو الخلط . التبس عليه الأمر أي اختلط واشتبه واللبسة بضم اللام بمعنى الشبهة . ليست الأمر على القوم ألبسه لبسا إذا شبهته عليهم وجعلته مشكلا{[1123]} فيكون تأويل الآية : لخلطنا عليهم بتمثيله رجلا ، ما يخلطون على أنفسهم حينئذ ، إذ يقولون له : إنما أنت بشر ولست ملكا . قال الرازي في ذلك : والمعنى أنا إذا جعلنا الملك في صورة البشر فهم يظنون كون ذلك الملك بشرا فيعود سؤالهم أنا لا نرضى برسالة هذا الشخص . وقال الزمخشري في الكشاف : ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حينئذ فإنهم يقولون إذا رأوا الملك في صورة إنسان : هذا إنسان وليس بملك فإن قال لهم : دليل أني ملك أني جئت بالقرآن المعجز وهو ناطق بأني ملك لا بشر كذبوه كما كذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم .

وقال الشوكاني في تأويل الآية : أي لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم لأنهم إذا رأوه في صورة إنسان قالوا : هذا إنسان وليس بملك . فإن استدل لهم بأنه ملك كذبوه .


[1123]:- مختار الصحاح ص 590.