{ 1 ، 2 } { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ * هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ }
هذا إخبار عن حمده والثناء عليه بصفات الكمال ، ونعوت العظمة والجلال عموما ، وعلى هذه المذكورات خصوصا . فحمد نفسه على خلقه السماوات والأرض ، الدالة على كمال قدرته ، وسعة علمه ورحمته ، وعموم حكمته ، وانفراده بالخلق والتدبير ، وعلى جعله الظلمات والنور ، وذلك شامل للحسي من ذلك ، كالليل والنهار ، والشمس والقمر . والمعنوي ، كظلمات الجهل ، والشك ، والشرك ، والمعصية ، والغفلة ، ونور العلم والإيمان ، واليقين ، والطاعة ، وهذا كله ، يدل دلالة قاطعة أنه تعالى ، هو المستحق للعبادة ، وإخلاص الدين له ، ومع هذا الدليل ووضوح البرهان { ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ } أي يعدلون به سواه ، يسوونهم به في العبادة والتعظيم ، مع أنهم لم يساووا الله في شيء من الكمال ، وهم فقراء عاجزون ناقصون من كل وجه .
مكية في قوله الأكثرين . قال ابن عباس وقتادة : هي مكية كلها إلا آيتين منها نزلتا بالمدينة ، قوله تعالى : " وما قدروا الله حق قدره " [ الأنعام : 91 ] نزلت في مالك بن الصيف وكعب بن الأشرف اليهوديين والأخرى قوله : " وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات " [ الأنعام : 141 ] نزلت في ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري وقال ابن جريج : نزلت في معاذ بن جبل ، وقاله الماوردي . وقال الثعلبي سورة " الأنعام " مكية إلا ست آيات نزلت بالمدينة " وما قدروا الله حق قدره " إلى آخر ثلاث آيات و " قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم " [ الأنعام : 151 ] إلى آخر ثلاث آيات . قال ابن عطية : وهي الآيات المحكمات وذكر ابن العربي : أن قوله تعالى : " قل لا أجد " نزل بمكة يوم عرفة . وسيأتي القول في جميع ذلك إن شاء الله . وفي الخبر أنها نزلت جملة واحدة غير الست الآيات وشيعها سبعون ألف ملك مع آية واحدة منها اثنا عشر ألف ملك وهي " وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو " [ الأنعام : 59 ] نزلوا بها ليلا . لهم زجل{[1]} بالتسبيح والتحميد فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب فكتبوها من ليلتهم ، وأسند أبو جعفر النحاس قال : حدثنا محمد بن يحيى حدثنا أبو حاتم روح بن الفرج مولى الحضارمة قال حدثنا أحمد بن محمد أبو بكر العمري حدثنا ابن أبي فديك حدثني عمر بن طلحة بن علقمة بن وقاص عن نافع أبي سهل{[2]} بن مالك عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( نزلت سورة الأنعام معها موكب من الملائكة سد ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح ) والأرض لهم ترتج ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( سبحان ربي العظيم ) ثلاث مرات{[3]} وذكر الدارمي أبو محمد في مسنده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه{[4]} قال : الأنعام من نجائب{[5]} القرآن . وفيه عن كعب قال : فاتحة " التوراة " فاتحة الأنعام وخاتمتها خاتمة " هود " . وقاله وهب بن منبه أيضا ، وذكر المهدوي قال المفسرون : إن " التوراة " افتتحت بقوله : " الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض " [ الأنعام : 1 ] الآية وختمت بقوله " الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك{[6]} " [ الإسراء : 111 ] إلى آخر الآية ، وذكر الثعلبي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( من قرأ ثلاث آيات من أول سورة " الأنعام " إلى قوله : " ويعلم ما تكسبون " [ الأنعام : 3 ] وكل الله به أربعين ألف ملك يكتبون له مثله عبادتهم إلى يوم القيامة وينزل ملك من السماء السابعة ومعه مرزبة{[7]} من حديد ، فإذا أراد الشيطان أن يوسوس له أو يوحي في قلبه شيئا ضربه ضربة فيكون بينه وبينه سبعون حجابا فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى : " امش في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي وكل من ثمار جنتي واشرب من ماء الكوثر واغتسل من ماء السلسبيل فأنت عبدي وأنا ربك " . وفي البخاري عن ابن عباس قال : إذا سرك أن تعلم جهل العرب ، فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة من سورة " الأنعام " " قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم " إلى قوله : " وما كانوا مهتدين{[8]} " [ الأنعام : 140 ] .
تنبيه : قال العلماء : هذه السورة أصل{[9]} في محاجة المشركين وغيرهم من المبتدعين ومن كذب بالبعث والنشور ، وهذا يقتضي إنزالها جملة واحدة لأنها في معنى واحد من الحجة وإن تصرف ذلك بوجوه كثيرة وعليها بنى المتكلمون أصول الدين لأن فيها آيات بينات ترد على القدرية دون السور التي تذكر والمذكورات وسنزيد{[10]} ذلك بيانا إن شاء الله بحول الله تعالى وعونه{[11]} .
الأولى : قوله تعالى : " الحمد لله " بدأ سبحانه فاتحتها بالحمد على نفسه وإثبات الألوهية أي أن الحمد كله له فلا شريك له فإن قيل : فقد افتتح غيرها بالحمد لله فكان الاجتزاء بواحدة يغني عن سائره . فيقال : لأن لكل واحدة منه معنى في موضعه لا يؤدي عنه غيره من أجل عقده بالنعم المختلفة ، وأيضا فلما فيه من الحجة في هذا الموضع على الذين هم بربهم يعدلون . وقد تقدم معنى " الحمد " في الفاتحة{[6217]} .
الثانية : قوله تعالى : " الذي خلق السماوات والأرض " أخبر عن قدرته وعلمه وإرادته فقال : الذي خلق أي اخترع وأوجد وأنشأ وابتدع ، والخلق يكون بمعنى الاختراع ويكون بمعنى التقدير ، وقد تقدم ، وكلاهما مراد هنا وذلك دليل على حدوثهما فرفع السماء بغير عمد وجعلها مستوية من غير أود{[6218]} وجعل فيها الشمس والقمر آيتين وزينها بالنجوم وأودعها السحاب والغيوم علامتين وبسط الأرض وأودعها الأرزاق والنبات ، وبث فيها من كل دابة آيات جعل فيها الجبال أوتادا وسبلا فجاجا وأجرى فيها الأنهار والبحار وفجر فيها العيون من الأحجار دلالات على وحدانيته ، وعظيم قدرته وأنه هو الله الواحد القهار وبين بخلقه السماوات والأرض أنه خالق كل شيء .
الثالثة : خرج مسلم قال : حدثني سريج بن يونس وهارون بن عبدالله قالا حدثنا حجاج بن محمد قال قال ابن جريج أخبرني إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن عبدالله بن رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة قال أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال : ( خلق الله عز وجل التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل ) .
قلت : أدخل العلماء هذا الحديث تفسيرا لفاتحة هذه السورة ، قال البيهقي : وزعم أهل العلم بالحديث أنه غير محفوظ لمخالفة ما عليه أهله التفسير وأهله التواريخ . وزعم بعضهم أن إسماعيل بن أمية إنما أخذه عن إبراهيم بن أبي يحيى عن أيوب بن خالد وإبراهيم غير محتج به وذكر محمد بن يحيى قال : سألت علي بن المديني عن حديث أبى هريرة ( خلق الله التربة يوم السبت ) . فقال علي : هذا حديث مدني رواه هشام بن يوسف عن ابن جريج عن إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن أبي رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي قال علي : وشبك بيدي إبراهيم بن أبي يحيى فقال لي : شبك بيدي أيوب بن خالد وقال لي شبك بيدي عبدالله بن رافع وقال لي : شبك بيدي أبو هريرة وقال لي : شبك بيدي أبو القاسم رسول الله{[6219]} صلى الله عليه وسلم فقال : ( خلق الله الأرض يوم السبت ) فذكر الحديث بنحوه . قال علي بن المديني : وما أرى إسماعيل بن أمية أخذ هذا الأمر إلا من إبراهيم بن أبي يحيى قال البيهقي : وقد تابعه على ذلك موسى بن عبيدة الربذي عن أيوب بن خالد إلا أن موسى بن عبيدة ضعيف . وروي عن بكر بن الشرود عن إبراهيم بن أبي يحيى عن صفوان بن سليم عن أيوب بن خالد وإسناده ضعيف عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن في الجمعة ساعة لا يوافقها أحد يسأل الله عز وجل فيها شيئا إلا أعطاه إياه ) قال : فقال عبدالله بن سلام : إن الله عز وجل ابتدأ الخلق فخلق الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين وخلق السماوات يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء وخلق الأقوات وما في الأرض يوم الخميس ويوم الجمعة إلى صلاة العصر وما بين صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس خلق آدم . خرجه البيهقي . قلت : وفيه أن الله تعالى بدأ الخلق يوم الأحد لا يوم السبت وكذلك تقدم في " البقرة " {[6220]} عن ابن مسعود وغيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . وتقدم فيها أن الاختلاف أيما خلق أولا الأرض أم السماء{[6221]} مستوفى . والحمد لله .
الرابعة : قوله تعالى : " وجعل الظلمات والنور " ذكر بعد خلق الجواهر خلق الأعراض لكون الجوهر لا يستغني عنه وما لا يستغني عن الحوادث فهو حادث . والجوهر في اصطلاح المتكلمين هو الجزء الذي لا يتجزأ الحامل للعرض . وقد أتينا على ذكره في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى في اسمه " الواحد " وسمي العرض عرضا لأنه يعرض في الجسم والجوهر فيتغير به من حال إلى حال والجسم هو المجتمع . وأقل ما يقع عليه اسم الجسم جوهران مجتمعان . وهذه الاصطلاحات وإن لم تكن موجودة في الصدر الأول فقد دل عليها معنى الكتاب والسنة فلا معنى لإنكارها وقد استعملها العلماء واصطلحوا عليها وبنوا عليها كلامهم وقتلوا بها خصومهم
واختلف العلماء في المعنى المراد بالظلمات والنور فقال السدي وقتادة وجمهور المفسرين : المراد سواد الليل وضياء النهار وقال الحسن الكفر والإيمان قال ابن عطية : وهذا خروج عن الظاهر .
قلت : اللفظ يعمه وفي التنزيل : " أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات{[6222]} " [ الأنعام : 122 ] . والأرض هنا اسم للجنس فإفرادها في اللفظ بمنزلة جمعها وكذلك " والنور " ومثله " ثم يخرجكم طفلا{[6223]} " [ غافر : 67 ] وقال الشاعر :
وقد تقدم{[6224]} وجعل هنا بمعنى خلق لا يجوز غيره قاله ابن عطية .
قلت : وعليه يتفق اللفظ والمعنى في النسق فيكون الجمع معطوفا على الجميع والمفرد معطوفا على المفرد فيتجانس اللفظ وتظهر الفصاحة والله أعلم وقيل : جمع " الظلمات " ووحد " النور " لأن الظلمات لا تتعدى والنور يتعدى ، وحكى الثعلبي أن بعض أهل المعاني قال : " جعل " هنا زائدة والعرب تزيد " جعل " في الكلام كقول الشاعر :
وقد جعلتُ أرى الاثنين أربعةً *** والواحد{[6225]} اثنين لما هدَّنِي الكِبَرُ
قال النحاس : جعل بمعنى خلق وإذا كانت بمعنى خلق لم تتعد إلا إلى مفعول واحد . وقد تقدم هذا المعنى ، ومحامل جعل في " البقرة " {[6226]} مستوفى .
الخامسة : قوله تعالى : " ثم الذين كفروا بربهم يعدلون " ابتداء وخبر والمعنى : ثم الذين كفروا يجعلون لله عدلا وشريكا وهو الذي خلق هذه الأشياء وحده قال ابن عطية : ف " ثم " دالة على قبح فعل الكافرين لأن المعنى : أن خلقه السماوات والأرض قد تقرر وآياته قد سطعت وإنعامه بذلك قد تبين ثم بعد ذلك كله عدلوا بربهم فهذا كما تقول : يا فلان أعطيتك وأكرمتك وأحسنت إليك ثم تشتمني ، ولو وقع العطف بالواو في هذا ونحوه لم يلزم التوبيخ كلزومه بثم ، والله أعلم .
هذه السورة مكية . وهي تتضمن فيضا من المعاني والمواعظ والمشاهد والحقائق بما يرسخ في الواقع البشري عقيدة التوحيد وحقيقة الألوهية المطلقة الكبرى لله وحده . وذلك في الواقع كله مبدوء بالثناء الأكبر من الله على ذاته العظيمة ، إذ خلق العالمين جميعا وخلق كل شيء في هذا الكون الواسع . سواء في ذلك الأحياء والجوامد والكائنات جميعا . وتتضمن السورة تنديدا بالمشركين الذين أعرضوا عن آيات الله وما فيها من حجج ودلائل . والذين لجوا في كفرهم لجوجا فسقطوا في الضلالة وفرط الجحدود حتى إنهم لو رأوا كتاب الله يتنزل عليهم من السماء في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقالوا مكابرين معاندين : { إن هذا إلا سحر مبين } وقالوا أشد من ذلك ، إذ سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل معه من السماء ملك يشهد له بصدق نبوته . وتتضمن السورة أيضا تحنانا من الله لرسوله الكريم بما يخفف عن نفسه وطأة الحزن والاغتمام كيلا يأسى عليهم كثيرا . فيعلمه ربه أنه قد استهزئ برسل آخرين من قبله فأحاط بهم العذاب الذي كانوا يتخذونه من قبل هزوا . وفي السورة يأمر الله نبيه الكريم أن يسأل قومه المشركين الضالين عن أعظم الشاهدين له بصدق ما أنيط به من النبوة والرسالة ، ليقرر بعد ذلك أن الله هو الشاهد له على أنه الحق وأنه مرسل من ربه ، يأتيه الوحي من السماء وكفى بالله شهيدا . وفي السورة بيان عن حال المشركين يوم القيامة حين يجمعهم الله مقهورين أذلة في أرض المحشر ليلاقوا الويل وضروب العذاب . وهنالك يسألهم الله وملائكته عن الشركاء الذين اصطنعوهم في الدنيا ليعبدوهم مع الله فينكرون أنهم فعلوا ذلك ، ينكرون أنهم كانوا مشركين { قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } .
وفي السورة إخبار عن أبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ كان يدفع الأذى عن رسول الله ويرد عنه كيد المشركين المعتدين إذا ما أرادوا أن ينالوا منه نيلا . لكنه مع ذلك كان ينأى بنفسه عن الدخول في الإسلام . وهو مقتضى قوله تعالى : { وهم ينهون عنه وينئون عنه } .
وفي السورة تزهيد للإنسان في الحياة الدنيا ، فما هي إلا لهو ولعب ، إذ تنشغل بها القلوب والأذهان عن طاعة الله وعن التوجه إلى جنابه . ولا جرم أن الدنيا دار زوال وفناء وإنما البقاء والديمومة في دار القرار ، وهي الآخرة . وتتضمن السورة كذلك تسلية لرسول الله ، إذ أعرض عنه المشركون وكذبوا دعوته وأنكروا نبوته ، فبين الله له أن هؤلاء لا يكذبونك أنت ولكنهم يكذبون الله الذي أوحى إليك . وذلك هو شأن النبيين من قبلك ، إذ كذبتهم أممهم فصبروا على أذاهم وتكذيبهم . ويندد الله بسؤال المشركين للنبي أن يطرد من حوله من المؤمنين الضعفاء كصهيب وعمار وبلال وسلمان كيما يجلسوا هم إليه ويحادثوه . وأنى لرسول الله أن يطرد هؤلاء المؤمنين الكرام الذين بادروا بالتصديق والطاعة .
وتتضمن السورة كذلك ذكرا مستفيضا لحقيقة هائلة من الحقائق الكبريات في هذا الكون . وهي مفتاح الغيب كلها عند الله سبحانه . فهو العليم بالأشياء كافة لدى حدوثها ومن قبل أن تحدث . فما من غيب خفي مستور ولا حدث ولا خبر ، هين أو جلل إلا هو في علم الله وإحاطته .
وفي السورة تحذير من القعود في مقاعد الذين يتناولون الإسلام بالسوء والطعن من الأشقياء والسفهاء والفاسقين . فإن علم المؤمن أنه لا يملك القدرة على التصدي لمثل هؤلاء الضالين الفجرة الذين يتطاولون على الإسلام بالشتائم والسخرية أو الاستخفاف والغمز فلا مساغ له بعد ذلك أن يقعد هذا المقعد . ولا مساغ له كذلك أن يجالسهم أو يحادثهم وهم يخوضون في آيات الله بالسخرية وبالبذيء من القول وهو ساكت واجم لا يريم ولا ينبس .
وفي السورة قصة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام مع أبيه وقومه بعد أن ظن أن الكوكب ربه . وكذا الشمس . حتى إذا استبان له وجه الحق أبلج أيقن أن الله وحده بيده ملكوت كل شيء وهو الذي فطر السموات والأرض . فهو القاهر القادر الذي عنت له الوجوه ، وخشعت له القلوب ولانت له الجوانح والجوارح .
إلى غير ذلك من المعاني الكبيرة والجليلة التي حوتها هذه السورة العظيمة .
هذه السورة العظيمة مكية في جملتها . وهي أصل في محاجة المشركين وغيرهم من المبتدعين . وفيها من أصول العقيدة الثابتة ما تجلى من خلاله بنيان هذا الدين الكبير وما قام عليه من أصول وقيم وتصورات وقد أنزلت هذه السورة ليلا جملة واحدة ومن حولها الملائكة يجأرون بالتسبيح مشيعين . وفي هذا أخرج الحاكم في مستدركه عن جابر قال : لما نزلت سورة الأنعام سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : " لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق " .
قوله تعالى : { الحمد لله الذي خلق السموت والأرض وجعل الظلمت والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } .
الحمد معناه الثناء . ومنه معنى التعجب والتعظيم للممدوح والخضوع من المادح . فهو أعم من الشكر الذي لا يكون إلا في مقابلة الصنيع{[1114]} .
فقد بدأ الله هذه السورة بالحمد على نفسه الكريمة تقديسا لذاته وتعظيما لجلاله وترسيخا للحقيقة الكبرى وهي الألوهية ليرسو في الأذهان والقلوب أن التعظيم الأكبر إنما يكون لله وحده دون أحد من خلقه .
قوله : { الذي خلق السموت والأرض } الله تعالى حقيق بالمدح الكامل ودوام الثناء لما امتن به على الكون من أنعم وخوارق وعجائب تدير الرأس وتثير الدهش وتبعث على البهر الغامر . ومن جملة ذلك كله خلق السموات والأرض ، على هذه الكيفية الدقيقة الرتيبة المنتظمة . السموات العظام الطباق العلى وما فيهن من أجرام وأنجم وكواكب تمور في أفلاكها الدائرة مورا . وذلك في حركة دائبة مقدورة لا تهدأ إلا أن تحين ساعة الفناء . لا جرم أن ما بثه الله في السموات من خلائق وأشياء كاثرة مبثوثة في أرجاء هذا الكون المعمور ينطق بعظمة الخالق المبدع المقتدر .
الخالق البارئ المتفرد بالألوهية ، المتعالي على الكائنات . وكذلك الأرض وما فيها من عجائب التركيب المنسجم ، ما بين سهول منبسطة رداح ، وجبال رواسي شامخات ، وأبحر هادرة مائجة تثير الهول والوجوم ، وأنهر جارية منسابة عذاب تشق بطون السهول والوهاد من الأرض . إلى غير ذلك من عجائب المناخ واختلاف المواسم بطقوسها وفصولها المتفاوتة المتكاملة التي تسير وفق نظام فلكي مقدر لا يند ولا يتخلف { صنع الله الذي أتقن كل شيء } .
قوله : { وجعل الظلمت والنور } معطوف على { خلق السموت } وهو من جملة الإشعار بعلة الحمد . والظلمات مفعولة لقوله : { وجعل } وهو يتعدى إلى مفعول واحد ، بمعنى خلق{[1115]} . والجعل هنا بمعنى الخلق . وقد اختلفوا في معنى الظلمات والنور . فقد قيل : المراد بالظلمات سواد الليل . وبالنور ضياء النهار . وهو قول أكثر المفسرين . وقيل : معناه : الكفر والإيمان . وقيل : الضلال والهدى . والصحيح أن اللفظ يعم ذلك كله . وقد أفرد النور لشرفه . فهو واحد لا يتعدد ، لأنه الحق . وجمع الظلمات وهي كثيرة وذلك كقوله : { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } .
قوله : { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } يعدلون ، أي يشركون به غيره . من العدل وهو التسوية . عدل الشيء بالشيء إذا ساواه به . أي يعدلون به ما لا يقدر على شيء منه . فقد جعلوا لله عدلا وشريكا وهو سبحانه الذي خلق الأشياء كلها وقيل : يعدلون ، من العدل وهو العدول . أي الانصراف عن الإيمان بالله وحده . وقوله { ثم } في أول الآية ، تفيد الاستبعاد . أي استبعاد عدولهم عن الإيمان بالله وعن طاعته وحده بعد وضوح الدلائل على كمال قدرته . أو استبعاد أن يعدلوا بالله غيره من المخاليق الذين اتخذوهم شركاء مع الله .
وقيل : { ثم } ، هنا تفيد التوبيخ والتقبيح لهؤلاء الكافرين الضالين الذين يجعلون لله شريكا وهو الذي خلق كل شيء . فإنه بعد أن تبين لكل ذي لب وبصيرة أن الله خالق الأشياء جميعا ، وأن نعمه على الكون لا تحصى عددا . فإنه مع ذلك كله يتخذ الظالمون المشركون عدلا يعبدونه من دون الله .