{ قُلْ } لهم -لما بينا لهم الهدى ، وأوضحنا لهم المسالك- : { أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً } على هذا الأصل العظيم . { قُلِ اللَّهُ } أكبر شهادة ، فهو { شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } فلا أعظم منه شهادة ، ولا أكبر ، وهو يشهد لي بإقراره وفعله ، فيقرني على ما قلت لكم ، كما قال تعالى { وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ } فالله حكيم قدير ، فلا يليق بحكمته وقدرته أن يقر كاذبا عليه ، زاعما أن الله أرسله ولم يرسله ، وأن الله أمره بدعوة الخلق ولم يأمره ، وأن الله أباح له دماء من خالفه ، وأموالهم ونساءهم ، وهو مع ذلك يصدقه بإقراره وبفعله ، فيؤيده على ما قال بالمعجزات الباهرة ، والآيات الظاهرة ، وينصره ، ويخذل من خالفه وعاداه ، فأي : شهادة أكبر من هذه الشهادة ؟ "
وقوله : { وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ } أي وأوحى الله إليَّ هذا القرآن الكريم لمنفعتكم ومصلحتكم ، لأنذركم به من العقاب الأليم . والنذارة إنما تكون بذكر ما ينذرهم به ، من الترغيب ، والترهيب ، وببيان الأعمال ، والأقوال ، الظاهرة والباطنة ، التي مَن قام بها ، فقد قبل النذارة ، فهذا القرآن ، فيه النذارة لكم أيها المخاطبون ، وكل من بلغه القرآن إلى يوم القيامة ، فإن فيه بيان كل ما يحتاج إليه من المطالب الإلهية .
لما بيّن تعالى شهادته التي هي أكبر الشهادات على توحيده ، قال : قل لهؤلاء المعارضين لخبر الله ، والمكذبين لرسله { أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ } أي : إن شهدوا ، فلا تشهد معهم .
فوازِنْ بين شهادة أصدق القائلين ، ورب العالمين ، وشهادة أزكى الخلق المؤيدة بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة ، على توحيد الله وحده لا شريك له ، وشهادة أهل الشرك ، الذين مرجت عقولهم وأديانهم ، وفسدت آراؤهم وأخلاقهم ، وأضحكوا على أنفسهم العقلاء .
بل خالفوا بشهادة فطرهم ، وتناقضت أقوالهم على إثبات أن مع الله آلهة أخرى ، مع أنه لا يقوم على ما قالوه أدنى شبهة ، فضلا عن الحجج ، واختر لنفسك أي : الشهادتين ، إن كنت تعقل ، ونحن نختار لأنفسنا ما اختاره الله لنبيه ، الذي أمرنا الله بالاقتداء به ، فقال : { قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ } أي : منفرد ، لا يستحق العبودية والإلهية سواه ، كما أنه المنفرد بالخلق والتدبير .
{ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } به ، من الأوثان ، والأنداد ، وكل ما أشرك به مع الله . فهذا حقيقة التوحيد ، إثبات الإلهية لله ونفيها عما عداه .
قوله تعالى : " قل أي شيء أكبر شهادة " وذلك أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : من يشهد لك بأنك رسول الله فنزلت الآية ، عن الحسن وغيره . ولفظ ( شيء ) هنا واقع موقع اسم الله تعالى ، المعنى الله أكبر شهادة أي انفراده بالربوبية ، وقيام البراهين على توحيده أكبر شهادة وأعظم ، فهو شهيد بيني وبينكم على أني قد بلغتكم وصدقت فيما قلته وادعيته من الرسالة .
قوله تعالى : " وأوحي إلي هذا القرآن " أي والقرآن شاهد بنبوتي . " لأنذركم به " يا أهل مكة . " ومن بلغ " أي ومن بلغه القرآن . فحذف ( الهاء ) لطول الكلام . وقيل : ومن بلغ الحلم . ودل بهذا على أن من لم يبلغ الحلم ليس بمخاطب ولا متعبد . وتبليغ القرآن والسنة مأمور بهما ، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتبليغهما ، فقال : " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك{[6265]} " [ المائدة : 67 ] . وفي صحيح البخاري عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ) . وفي الخبر أيضا : من بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله أخذ به أو تركه . وقال مقاتل : من بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له . وقال القرظي : من بلغه القرآن فكأنما قد رأى محمدا صلى الله عليه وسلم وسمع منه . وقرأ أبو نهيك : ( وأوحى إلي هذا القرآن ) مسمى الفاعل ، وهو معنى قراءة الجماعة . " أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى " استفهام توبيخ وتقريع . وقرئ ( أئنكم ) بهمزتين على الأصل . وإن خففت الثانية قلت : ( أئنكم ) . وروى الأصمعي عن أبي عمرو ونافع ( أئنكم ) ، وهذه لغة معروفة ، تجعل بين الهمزتين ألف كراهة لالتقائهما ، قال الشاعر{[6266]} :
أيا ظبيةَ الوَعْسَاء بين جُلاجِل *** وبين النَّقَا أأنت أم أمُّ سالمِ
ومن قرأ " أئنكم " على الخبر فعلى أنه قد حقق عليهم شركهم . وقال : " آلهة أخرى " ولم يقل : ( آخر ) ، قال الفراء : لأن الآلهة جمع والجمع يقع عليه التأنيث ، ومنه قوله : " ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها{[6267]} " [ طه : 51 ] ، وقوله : " فما بال القرون الأولى{[6268]} " [ طه : 51 ] ولو قال : الأول والآخر صح أيضا{[6269]} . " قل لا أشهد قل " أي فأنا لا أشهد معكم فحذف لدلالة الكلام عليه ونظيره " فإن شهدوا فلا تشهد معهم{[6270]} " [ الأنعام : 150 ] .
قوله : { قل أي شيء أكبر شهدة } قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم : من يشهد لك يا محمد بأنك رسول الله ، فنزلت الآية . وأي مبتدأ ، وخبره ، أكبر . وشهادة تمييز . وإذا كانت { أي } استفهامية فقد لزم أن تكون مسمى باسم ما أضيفت إليه ، فوجب بذلك أن يسمى الله تعالى { شيء } {[1133]} وتأويل الآية هو : قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يكذبونك ويجحدون أنك نبي : أي الأشياء أعظم شهادة ؟ ثم أخبرهم بأن أعظم الأشياء شهادة هو الله وحده فهو العليم بالمحق منا من المبطل ، وبالرشيد من السفيه ، وبالمهتدي من الضال المتخبط . وهو شهيد بيني وبينكم على أنني نبي مبعوث من عنده سبحانه وأنني قد أبلغتكم رسالة ربي وصدقت فيما قلته لكم .
قوله : { وأوحي إلي هذا القرءان لأنذركم به ومن بلغ } أوحي مبني للمجهول . القرآن نائب فاعل مرفوع . من اسم موصول في محل نصب معطوف على المنصوب في { لأنذركم } أي قل لهؤلاء المشركين أن الله أوحى إلي هذا القرآن لأنذركم به عقابه وكذلك أنذر به من بلغه من سائر الناس غيركم ، فإن لم تهتدوا أنتم وهم بهديه وتتخذوه شرعة لكم ومنهاجا فلسوف يحل عليكم سخط الله ومقته ونقمته .
قوله : { أئنكم لتشهدون أن مع الله ءالهة أخرى } الهمزة الأولى في قوله { أئنكم } للاستفهام . وهو استفهام تقريع وتوبيخ . أي قل لهؤلاء المشركين الذين يعدلون بالله ربا سواه من الآلهة المصطنعة والأنداد المختلقين : أئنكم أيها المشركون الجاحدون تشهدون أن مع الله معبودا غيره من الأوثان والأصنام . وقال : { أخرى } ولم يقل أخر . لأن الألهة جمع والجمع يقع عليه التأنيث .
قوله : { قل لا أشهد } أي قل لهم : لا أشهد بما تشهدون أن مع الله آلهة أخرى بل إني أجحد ذلك وأنكره .
قوله : { قل إنما هو إله واحد } اتصلت ما بإن فكفتها عن العمل . هو في محل رفع مبتدأ . إله خبره . واحد ، صفة للخبر . أي إنما هو معبود واحد لا شريك له . وليس من شيء في الكائنات إلا هو مستسلم لجلاله ووجل من سلطانه وجبروته . ومخبت لعزه وعظمته .
قوله : { وإني برئ مما تشركون } أي أبرأ من كل شريك تعبدونه مع الله وتصطنعون له الإلهية المختلقة فإني أربأ بنفسي من مثل ما تختلقون من الأنداد فإني لا أعبد شيئا من ذلك . إنما أعبد الله الذي خلق كل شيء{[1134]} .