تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{سَلۡ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ كَمۡ ءَاتَيۡنَٰهُم مِّنۡ ءَايَةِۭ بَيِّنَةٖۗ وَمَن يُبَدِّلۡ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ} (211)

سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( 211 ) . يقول تعالى : ( سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ) تدل على الحق ، وعلى صدق الرسل ، فتيقنوها وعرفوها ، فلم يقوموا بشكر هذه النعمة ، التي تقتضي القيام بها .

بل كفروا بها وبدلوا نعمة الله كفرا ، فلهذا استحقوا أن ينزل الله عليهم عقابه ويحرمهم من ثوابه ، وسمى الله تعالى كفر النعمة تبديلا لها ، لأن من أنعم الله عليه نعمة دينية أو دنيوية ، فلم يشكرها ، ولم يقم بواجبها ، اضمحلت عنه وذهبت ، وتبدلت بالكفر والمعاصي ، فصار الكفر بدل النعمة ، وأما من شكر الله تعالى ، وقام بحقها ، فإنها تثبت وتستمر ، ويزيده الله منها .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{سَلۡ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ كَمۡ ءَاتَيۡنَٰهُم مِّنۡ ءَايَةِۭ بَيِّنَةٖۗ وَمَن يُبَدِّلۡ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ} (211)

قوله تعالى : " سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة " " سل " من السؤال : بتخفيف الهمزة ، فلما تحركت السين لم يحتج إلى ألف الوصل . وقيل : إن للعرب في سقوط ألف الوصل في ، " سل " وثبوتها في " واسأل " وجهين :

أحدهما - حذفها في إحداهما وثبوتها في الأخرى ، وجاء القرآن بهما ، فاتبع خط المصحف في إثباته للهمزة وإسقاطها .

والوجه الثاني - أنه يختلف إثباتها وإسقاطها باختلاف الكلام المستعمل فيه ، فتحذف الهمزة في الكلام المبتدأ ، مثل قوله : " سل بني إسرائيل " ، وقوله : " سلهم أيهم بذلك زعيم " {[1884]} . وثبت في العطف ، مثل قوله : " واسأل القرية " {[1885]} ، " واسألوا الله من فضله " {[1886]} قاله علي بن عيسى . وقرأ أبو عمرو في رواية ابن عباس عنه " اسأل " على الأصل . وقرأ قوم " اسل " على نقل الحركة إلى السين وإبقاء ألف الوصل ، على لغة من قال : الاحمر . و " كم " في موضع نصب ؛ لأنها مفعول ثان لآتيناهم . وقيل : بفعل مضمر ، تقديره كم آتينا آتيناهم . ولا يجوز أن يتقدمها الفعل لأن لها صدر الكلام . " من آية " في موضع نصب على التمييز على التقدير الأول ، وعلى الثاني مفعول ثان لآتيناهم ، ويجوز أن تكون في موضع رفع بالابتداء ، والخبر في آتيناهم ، ويصير فيه عائد على كم ، تقديره : كم آتيناهموه ، ولم يعرب وهي اسم لأنها بمنزلة الحروف لما وقع فيه معنى الاستفهام ، وإذا فرقت بين كم وبين الاسم كان الاختيار أن تأتي بمن كما في هذه الآية ، فإن حذفتها نصبت في الاستفهام والخبر ، ويجوز الخفض في الخبر كما قال الشاعر :

كم بِجُودٍ مُقْرِفٍ{[1887]} نالَ العُلاَ *** وكريمٍ بُخْلُه قد وضَعه

والمراد بالآية كم جاءهم في أمر محمد عليه السلام من آية معرفة به دالة عليه . قال مجاهد والحسن وغيرهما : يعني الآيات التي جاء بها موسى عليه السلام من فلق البحر والظلل من الغمام والعصا واليد وغير ذلك . وأمر الله تعالى نبيه بسؤالهم على جهة التقريع لهم والتوبيخ .

قوله تعالى : " ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته " لفظ عام لجميع العامة ، وإن كان المشار إليه بني إسرائيل ، لكونهم بدلوا ما في كتبهم وجحدوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، فاللفظ{[1888]} منسحب على كل مبدل نعمة الله تعالى . وقال الطبري : النعمة هنا الإسلام ، وهذا قريب من الأول . ويدخل في اللفظ أيضا كفار قريش ، فإن بعث محمد صلى الله عليه وسلم فيهم نعمة عليهم ، فبدلوا قبولها والشكر عليها كفرا .

قوله تعالى : " فإن الله شديد العقاب " خبر يتضمن الوعيد . والعقاب مأخوذ من العقب ، كأن المعاقب يمشي بالمجازاة له في آثار عقبه ، ومنه عقبة{[1889]} الراكب وعقبة القدر{[1890]} . فالعقاب والعقوبة يكونان بعقب الذنب ، وقد عاقبه بذنبه .


[1884]:- آية 40 سورة ن.
[1885]:- آية 82 سورة يوسف.
[1886]:- آية 32 سورة النساء.
[1887]:- المقرف: النذل اللئيم الأب.
[1888]:- في ز "فالجحود"
[1889]:- عقبة الراكب (بضم فسكون): الموضع يركب منه.
[1890]:- في هامش ب "في الصحاح: والعقبة أيضا شيء من المرق يرده مستعير القدر إذا ردها".
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{سَلۡ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ كَمۡ ءَاتَيۡنَٰهُم مِّنۡ ءَايَةِۭ بَيِّنَةٖۗ وَمَن يُبَدِّلۡ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ} (211)

{ سل بني إسرائيل } على وجه التوبيخ لهم ، وإقامة الحجة عليهم .

{ من آية } معجزات موسى ، أو الدلالات على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم .

{ ومن يبدل } وعيد .