تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَءَاتُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰٓ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ ٱلۡخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِۖ وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَهُمۡ إِلَىٰٓ أَمۡوَٰلِكُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبٗا كَبِيرٗا} (2)

{ وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا }

وقوله تعالى : { وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا } هذا أول ما أوصى به من حقوق الخلق في هذه السورة . وهم اليتامى الذين فقدوا آباءهم الكافلين{[183]}  لهم ، وهم صغار ضعاف لا يقومون بمصالحهم .

فأمر الرءوف الرحيم عباده أن يحسنوا إليهم ، وأن لا يقربوا أموالهم إلا بالتي هي أحسن ، وأن يؤتوهم أموالهم إذا بلغوا ورشدوا ، كاملة موفرة ، وأن لا { تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ } الذي هو أكل مال اليتيم بغير حق . { بِالطَّيِّبِ } وهو الحلال الذي ما فيه حرج ولا تبعة . { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ } أي : مع أموالكم ، ففيه تنبيه لقبح أكل مالهم بهذه الحالة ، التي قد استغنى بها الإنسان بما جعل الله له من الرزق في ماله . فمن تجرأ على هذه الحالة ، فقد أتى { حُوبًا كَبِيرًا } أي : إثمًا عظيمًا ، ووزرًا جسيمًا .

ومن استبدال الخبيث بالطيب أن يأخذ الولي من مال اليتيم النفيس ، ويجعل بدله من ماله الخسيس . وفيه الولاية على اليتيم ، لأن مِنْ لازم إيتاء اليتيم ماله ، ثبوت ولاية المؤتي على ماله .

وفيه الأمر بإصلاح مال اليتيم ، لأن تمام إيتائه ماله حفظه والقيام به بما يصلحه وينميه وعدم تعريضه للمخاوف والأخطار .


[183]:- كذا في ب، وفي أ: الذين فقدت آباؤهم الكافلون.
 
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{وَءَاتُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰٓ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ ٱلۡخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِۖ وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَهُمۡ إِلَىٰٓ أَمۡوَٰلِكُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبٗا كَبِيرٗا} (2)

{ وآتوا اليتامى أموالهم } الخطاب للأولياء والأوصياء أي أعطوهم أموالهم إذا بلغوا { ولا تتبدلوا الخبيث } من أموالهم الحرام عليكم { بالطيب } الحلال من مالكم وهو أنه كان ولى اليتيم يأخذ الجيد من ماله ويجعل مكانه الرديء { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } لا تضيفوها في الأكل إلى أموالكم إذا احتجتم إليها { أنه } أي إن أكل أموالهم { كان حوبا كبيرا } أي إثما كبيرا

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَءَاتُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰٓ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ ٱلۡخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِۖ وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَهُمۡ إِلَىٰٓ أَمۡوَٰلِكُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبٗا كَبِيرٗا} (2)

قوله تعالى : ( وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا ) .

يأمر الله الأولياء والأوصياء أن يعطوا اليتامى أموالهم . والمقصود باليتامى هنا الذين كانوا أيتاما فيما مضى ثم بلغوا الرشد ، إذ لا يجوز أن تدفع الأموال لليتامى حال يتمهم فإن في ذلك تبديدا وتضييعا لها . وعلى ذلك فإن المقصود في الآية الذين كانوا أيتاما ، وذلك كقوله تعالى : ( فألقي لسحرة ساجدين ) إذ لا يسجد السحرة ماداموا على حالهم من الضلالة والشرك ، ولكنهم سحرة باعتبار ما كانوا عليه من السحر والشرك قبل الإيمان . وكذلك كان يقال للنبي ( ص ) حال كبره ونبوته : " يتيم أبى طالب " وذلك بالنظر ليتمه ؛ إذ كان صغيرا .

قوله : ( ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ) الخبيث والطيب هما صفتان للمال . والمقصود بالخبيث المال الزيف الهزيل أو الرديء الذي تعزف عنه النفس . أما الطيب فهو المال الجيّد المرغوب .

والله سبحانه ينهى الأولياء والأوصياء الذين يرعون اليتامى أن يأكلوا أموالهم الجيدة رغبة منهم فيها ليبذلوا مكانها أموالا رديئة ويقولوا : أموال بأموال . فإن ذلك لا يعدو أن يكون ضربا من التحايل الذي يدفع إليه الطمع والشهوة الجامحة في جمع المال . وذلك حرام بغير شك .

وقيل : الخبيث هو مال اليتيم إذا أكلتموه بغير حق . والطيب هو مالكم الحلال المشروع . أي لا تتبدلوا أموال اليتامى لتأكلوها خبيثة بدلا من أموالكم وهي حلال .

قوله : ( ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ) . أي لا تخلطوا أموالهم بأموالكم فتنفقوا من الخليط بغير تمييز واضح لتضيع أموال اليتامى . فإن خلط أموالهم بأموال الأوصياء طريق التفريط والتبديد بغير داع أو حاجة . وقد كانوا يخلطون أموالهم بأموال اليتامى دون تحرج حتى نزلت هذه الآية فانتهوا عن الخلط خشية الوقوع في الحرام .

وقد قيل : إن النهي عن الخلط قد نسخ بقوله : ( وإن تخالطوهم فإخوانكم ) مما جعل الأوصياء لا يتحرجون من خلط أموالهم بأموال اليتامى عندهم . ولعل الصواب أن نعتبر الآية في النهي موضحة على نحو أكبر بالآية الأخرى في جواز الخلط وليست منسوخة . فإن النسخ عملية إبدال حكم بحكم آخر يقوم مقامة تماما . لكن الوارد هنا أن النهي قد وقع على الخلط الذي تضيع فيه أموال اليتامى فيأكلها من ضم اليتيم إليه . وذلك فيه من سوء النية وفساد القصد ما هو مبين . أما إذا وقع الخلط بغير النية في التعدي على مال اليتيم فإن ذلك ما لا بأس فيه ولا حرج عندئذ في خلط المالين معا .

قوله : ( إنه كان حوبا كبيرا ) والحوب الكبير متعلق بخلط المال بنية سيئة . يقال : حاب الرجل حوبّا أي أثم . ويقال في الدعاء : اللهم اغفر لي حوبتي أي إثمي . وتأتي الحوبة بمعنى الحاجة أيضا{[686]} .


[686]:ـ المصباح المنير ج 1 ص 168 وتفسير النسفي ج 1 ص 205 وفتح القدير ج 1 ص 418.