تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ ٱلۡحَقَّ مِنۡ عِندِكَ فَأَمۡطِرۡ عَلَيۡنَا حِجَارَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئۡتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٖ} (32)

وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا الذي يدعو إليه محمد هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ قالوه على وجه الجزم منهم بباطلهم ، والجهل بما ينبغي من الخطاب .

فلو أنهم إذ أقاموا على باطلهم من الشبه والتمويهات ما أوجب لهم أن يكونوا على بصيرة ويقين منه ، قالوا لمن ناظرهم وادعى أن الحق معه : إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له ، لكان أولى لهم وأستر لظلمهم .

فمنذ قالوا : اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ الآية ، علم بمجرد قولهم أنهم السفهاء الأغبياء ، الجهلة الظالمون ، فلو عاجلهم اللّه بالعقاب لما أبقى منهم باقية ، ولكنه تعالى دفع عنهم العذاب بسبب وجود الرسول بين أظهرهم ، فقال : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ فوجوده صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم أمنة لهم من العذاب .

وكانوا مع قولهم هذه المقالة التي يظهرونها على رءوس الأشهاد ، يدرون بقبحها ، فكانوا يخافون من وقوعها فيهم ، فيستغفرون اللّه [ تعالى فلهذا ] قال تعالى : وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ فهذا مانع يمنع من وقوع العذاب بهم ، بعد ما انعقدت أسبابه .

 
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ ٱلۡحَقَّ مِنۡ عِندِكَ فَأَمۡطِرۡ عَلَيۡنَا حِجَارَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئۡتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٖ} (32)

{ اللهم إن كان هذا } الذي يقوله محمد حقا { من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء } كما أمطرتها على قوم لوط { أو ائتنا بعذاب أليم } أي ببعض ما عذبت

به الأمم حمله شدة عداوة النبي صلى الله عليه وسلم على إظهار مثل هذا القول ليوهم أنه على بصيرة من أمره وغاية الثقة في أمر محمد أنه ليس على حق

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ ٱلۡحَقَّ مِنۡ عِندِكَ فَأَمۡطِرۡ عَلَيۡنَا حِجَارَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئۡتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٖ} (32)

ولما كان ذلك موضع عجب من عدم إعجال الضُلال بالعذاب وإمهالهم إلى أن أوقع{[34913]} بهم في غزوة بدر لا سيما مع قوله { إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح } بيّن السر في ذلك وإن بالغوا في استعجاله فقال : { وإذ قالوا } أي إرادة{[34914]} المكابرة بالتخييل إلى الناس أنهم على القطع من أنه باطل وإلا لما دعوا بهذا الدعاء { اللهم } أي يا من له تمام المُلك وعموم الملك { إن كان هذا } أي الأمر الذي أتانا به محمد { هو } أي لا ما نحن عليه { الحق } حال كونه منزلاً { من عندك } وقال الزجاج : إنه لا يعلم أحداً قرأ { الحق } بالرفع - أفاده أبو حيان{[34915]} { فأمطر علينا حجارة } ولعل تقييده بقوله : { من السماء } مع أن الإمطار لايكون إلا منها - لإزالة وهم من يتوهم أن الإمطار مجاز عن مطلق الرجم وأنه إنما ذكر لبيان أن الحجارة المرجوم بها في الكثرة مثل المطر { أو ائتنا بعذاب أليم* } أي غير الحجارة ، ولعل مرادهم بقولهم ذلك الإشارة إلى أن مجيء الوحي إليك من السماء خارق كما أن{[34916]} إتيان الحجارة منها كذلك ، فإن كنت صادقاً في إتيان الوحي إليك منها فائتنا بحجارة منها كما أتت الحجارة منها أصحاب الفيل صوناً من الله لبيته الذي أراد الجيش انتهاك حرمته وإعظاماً له - أشار إلى ذلك أبو حيان{[34917]} ، وهذه الآية والتي قبلها في

" النضر بن الحارث أسره المقداد يوم بدر فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله فقال المقداد : أسيري يا{[34918]} رسول الله ! فقال : إنه كان يقول في كتاب الله تعالى ما يقول ، فعاد المقداد رضي الله عنه لقوله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم أغن{[34919]} المقداد من فضلك ، فقال : ذاك الذي أردت يا رسول الله ! فقتله النبي صلى الله عليه وسلم فأنشدت أخته قتيلة أبياتاً{[34920]} منها : " ما كان ضرك لو مننت وربما *** منّ الفتى وهو المغيظ المخنق{[34921]}

" فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لو بلغني هذا الشعر قبل قتله لمننت عليه " وعن معاوية رضي الله عنه أنه قال لرجل من سبأ : ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة ! قال : أجهل من قومي قومك قالوا

{ إن كان هذا هو الحق {[34922]}من عندك{[34923]} }[ الأنفال : 32 ] وما قالوا : فاهدنا به ، والسر الذي بينه في هذه الآية في إمهالهم هو أنه ما منعه{[34924]} من الإسراع في إجابة دعائهم كما فعل في وقعة بدر إلا إجلال{[34925]} مقامه صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم فقال :


[34913]:في ظ: وقع.
[34914]:من ظ، وفي الأصل: إراة ـ كذا.
[34915]:راجع البحر المحيط 4/488.
[34916]:سقط من ظ.
[34917]:راجع البحر المحيط 4/489.
[34918]:زيد من ظ وتفسير الطبري ـ راجع تفسير آية 31.
[34919]:من الطبري، وفي الأصل وظ: أعز ـ كذا.
[34920]:من ظ، وفي الأصل: أثباتا كذا.
[34921]:من ظ وسيرة ابن هشام 2/68، وفي الأصل: الحق ـ كذا.
[34922]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[34923]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[34924]:في ظ: نعهم ـ كذا.
[34925]:في ظ: إجال ـ كذا.