الدر المصون في علم الكتاب المكنون للسمين الحلبي - السمين الحلبي  
{وَإِذۡ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ ٱلۡحَقَّ مِنۡ عِندِكَ فَأَمۡطِرۡ عَلَيۡنَا حِجَارَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئۡتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٖ} (32)

قوله تعالى : { هُوَ الْحَقَّ } : العامَّةُ على نصب " الحق " وهو خبر الكون و " هو " فصل ، وقد تقدَّم الكلامُ عليه مُشْبعاً . وقال الأخفش : " هو " زائد ، ومرادُه ما تقدَّم من كونِه فصلاً . وقرأ الأعمش وزيد بن علي برفع " الحق " ، ووجهُها ظاهرٌ برفع " هو " بالابتداء و " الحق " خبره ، والجملةُ خبرُ الكون كقوله :

*** تَحِنُّ إلى ليلى وأنت تركتَها

وكنتَ عليها بالمَلا أنت أقدرُ ***

وهي لغةُ تميم . وقال ابن عطية : " ويجوز في العربية رفع " الحق " على خبر " هو " والجملةُ خبرٌ ل " كان " . وقال الزجاج : " ولا أعلم أحداً قرأ بهذا الجائزِ " . قلت : قد ظهر مَن قرأ به وهما رجلان جليلان .

وقوله : { مِنْ عِندِكَ } حالٌ من معنى الحق أي : الثابت حالَ كونه مِنْ عندك . وقوله { مِّنَ السَّمَآءِ } فيه وجهان أحدهما : أنه متعلقٌ بالفعل قبله . والثاني : أنه صفة لحجارة فيتعلقُ بمحذوفٍ . وقولهم " من السماء " مع أن المطر لا يكون إلا منها ، قال الزمخشري : " كأنه أراد أن يقال : فأمْطر علينا السِّجِّيلَ ، فوضعَ " حجارة من السماء " موضعَه ، كما يقال : " صبَّ عليه مسرودةً من حديد " تريد : " درعاً " ، قال الشيخ : " إنه يريد بذلك التأكيد " ، قال : " كما أن قوله " من حديد " معناه التأكيد ؛ لأنَّ المسرودَ لا يكون إلا من حديد كما أن الأمطار لا تكون إلا من السماء " . وقال ابن عطية : " قولهم من السماء مبالغة وإغراق " . قال الشيخ : " والذي يظهر أنَّ حكمةَ قولِهم من السماء هي مقابلتُهم مجيءَ الأمطارِ من الجهة التي ذَكَر عليه السلام أنه يأتيه الوحي من جهتها أي : إنك تذكر أن الوحيَ يأتيك مِن السماء فَأْتِنا بالعذابِ من الجهة التي يأتيك الوحي منها قالوه استبعاداً له " .