فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{۞قَٰلَ أَوَلَوۡ جِئۡتُكُم بِأَهۡدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمۡ عَلَيۡهِ ءَابَآءَكُمۡۖ قَالُوٓاْ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ} (24)

ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم ، أن يرد عليهم فقال :{ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ } أي أتتبعون آباءكم وتقلدونهم ؟ ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم ؟ قال الزجاج المعنى قل لهم أتتبعون ما وجدتم عليه آباءكم من الضلالة التي ليست من الهداية في شيء وإن جئتكم بأهدى منه ؟ قرأ الجمهور قل وقرئ قال : وهو حكاية لما جرى بين المنذرين وقومهم ، أي قال كل منذر من أولئك المنذرين لأمته ، وقيل إن كلتا القراءتين حكاية لما جرى بين المنذرين وقومهم أي قال كل منذر من أولئك المنذرين لأمته المقلدين ، كأنه قال لكل نبي قل بدليل قوله :

{ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } قال الشوكاني وهذا من أعظم الأدلة الدالة على بطلان التقليد وقبحه ، فإن هؤلاء المقلدة في الإسلام إنما يعملون بقول أسلافهم ، ويتبعون آثارهم ، ويقتدون بهم فإذا رام الداعي إلى الحق أن يخرجهم من ضلالة أو يدفعهم عن بدعة قد تمسكوا بها ، وورثوها عن أسلافهم بغير دليل نير ، ولا حجة واضحة ، بل لمجرد قيل وقال ، لشبهة داحضة ، وحجة زائفة ، ومقالة باطلة ، قالوا بما قاله المترفون من هذه الملل { إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ } أو بما يلاقي معناه معنى ذلك .

فإن قال لهم الداعي إلى الحق قد جمعتنا الملة الإسلامية وشملنا هذا الدين المحمدي ، ولم يتعبدنا الله ولا تعبدكم ولا آباءكم من قبلكم إلا بكتابه الذي أنزله على رسوله ، وبما صح عن رسوله صلى الله عليه وسلم ، فإنه المبين لكتاب الله ، الموضح لمعانيه ، الفارق بين محكمه ومتشابهه ، فتعالوا نرد ما تنازعنا فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله ، كما أمرنا الله بذلك في كتابه بقوله :

{ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } فإن الرد إليهما أهدى لنا ولكم من الرد إلى ما قاله أسلافكم ودرج عليه آباؤكم ، نفروا نفور الوحش ، ورموا الداعي لهم إلى ذلك بكل حجر ومدر ، كأنهم لم يسمعوا قول الله سبحانه { إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } ولا قوله { فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } .

فإن قال لهم القائل : هذا العالم الذي تقتدون به وتتبعون أقواله هو مثلكم في كونه متعبدا بكتاب الله وسنة رسوله ، مطلوبا منه ما هو مطلوب منكم ، وإذا عمل برأيه عند عدم وجدانه للدليل ، فذلك رخصة له ، لا يحل أن يتبعه غيره عليها ، ولا يجوز له العمل بها ، وقد وجد الدليل الذي لم يجده ، وها أنا أوجدكموه في كتاب الله ، أو فيما صح من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وذلك أهدى لكم مما وجدتم عليه آباءكم ، قالوا : لا نعمل بهذا ، ولا سمع لك ولا طاعة ، ووجدوا في صدورهم أعظم الحرج من حكم الكتاب والسنة ، ولم يسلموا لذلك ولا أذعنوا له .

وقد وهب لهم الشيطان عصا يتوكأون عليها عند أن يستمعوا من يدعوهم إلى الكتاب والسنة ، وهي أنهم يقولون : إن إمامنا الذي قلدناه واقتدينا به أعلم منك بكتاب الله وسنة رسوله ، وذلك لأن أذهانهم قد تصورت من يقتدون به تصورا عظيما بسبب تقدم العصر وكثرة الأتباع ، وما علموا أن هذا منقوض عليهم مدفوع به في وجوههم .

فإنه لو قيل لهم : إن في التابعين من هو أعظم قدرا وأقدم عصرا من صاحبكم ، فإن كان لتقدم العصر وجلالة القدر مزية توجب الاقتداء فتعالوا حتى أريكم من هو أقدم عصرا وأجل قدرا ، فإن أبيتم ذلك ففي الصحابة رضي الله عنهم من هو أعظم قدرا من صاحبكم علما وفضلا وجلالة قدر ، فإن أبيتم ذلك فها أنا أدلكم على من هو أعظم قدرا وأجل خطرا ، وأكثر إتباعا ، وأقدم عصرا ، وهو محمد بن عبد الله نبينا ونبيكم صلى الله عليه وسلم ، ورسول الله إلينا وإليكم ، فتعالوا فهذه سنته موجودة في دفاتر الإسلام ودواوينه التي تلقتها جميع هذه الأمة قرنا بعد قرن ، وعصرا بعد عصر ، وهذا كتاب ربنا خالق الكل ، ورازق الكل ، وموجد الكل ، بين أظهرنا ، موجود في كل بيت ، وبيد كل مسلم ، لم يلحقه تغيير ولا تبديل ، ولا زيادة ولا نقص ، ولا تحريف ولا تصحيف ، ونحن وأنتم ممن يفهم ألفاظه ، ويتعقل معانيه ، فتعالوا لنأخذ الحق من معدنه ، ونشرب صفو الماء من منبعه ، فهو مما وجدتم عليه آباءكم .

قالوا : لا سمع ولا طاعة ، إما بلسان القال أو بلسان الحال ، فتدبر هذا وتأمله إن بقي فيك بقية من إنصاف وشعبة من خير ، ومزعة من حياء ، وحصة من دين ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وقد أوضحت هذا غاية الإيضاح في كتابي الذي سميته أدب الطلب ومنتهى الأرب انتهى . وقد أوضحه الحافظ ابن القيم في إعلام الموقعين عن رب العالمين فأرجع إليهما إن رمت أن تنجلي عنك ظلمات التعصب ، وتنقشع لك سحائب التقليد .