فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني - الشوكاني  
{قُل لَّوۡ كَانَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَلَـٰٓئِكَةٞ يَمۡشُونَ مُطۡمَئِنِّينَ لَنَزَّلۡنَا عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكٗا رَّسُولٗا} (95)

ثم أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيب عن شبهتهم هذه فقال : { قُل لَوْ كَانَ فِي الأرض ملائكة يَمْشُونَ مُطْمَئِنّينَ } أي : لو وجد وثبت أن في الأرض بدل من فيها من البشر ، ملائكة يمشون على الأقدام كما يمشي الإنس مطمئنين مستقرين فيها ساكنين بها . قال الزجاج : { مطمئنين } : مستوطنين في الأرض ، ومعنى الطمأنينة : السكون ، فالمراد ها هنا : المقام والاستيطان ، فإنه يقال : سكن البلد فلان : إذا أقام فيها وإن كان ماشياً متقلباً في حاجاته { لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مّنَ السماء مَلَكًا رَّسُولاً } حتى يكون من جنسهم ، وفيه إعلام من الله سبحانه بأن الرسل ينبغي أن تكون من جنس المرسل إليهم ، فكأنه سبحانه اعتبر في تنزيل الرسول من جنس الملائكة أمرين : الأوّل : كون سكان الأرض ملائكة ، والثاني : كونهم ماشين على الأقدام غير قادرين على الطيران بأجنحتهم إلى السماء ، إذ لو كانوا قادرين على ذلك لطاروا إليها ، وسمعوا من أهلها ما يجب معرفته وسماعه فلا يكون في بعثة الملائكة إليهم فائدة . وانتصاب { بشراً } و{ ملكاً } على أنهما مفعولان للفعلين ، و{ رسولاً } في الموضعين وصف لهما . وجوّز صاحب الكشاف أن يكونا حالين في الموضعين من { رسولاً } فيهما وقوّاه صاحب الكشاف ، ولعل وجه ذلك أن الإنكار يتوجه إلى الرسول المتصف بالبشرية في الموضع الأوّل ، فيلزم بحكم التقابل أن يكون الآخر كذلك .

/خ100