سورة الإسراء في جملتها تدور حول الرسول والرسالة فتبدأ بالحديث عن الإسراء بدايته ونهايته وغايته وهذا هو العنوان الذي تندرج تحته موضوعات السورة وكلها موضوعات لها أوجه مناسبة بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم .
فقد تحدثت عن بني إسرائيل بمناسبة الحديث عن الإسراء إلى بيت المقدس ، وكان اليهود يعيرون النبي بأنه لم يذهب إلى بيت المقدس مع أن الرسل السابقين قد ذهبت إليه وولدت حوله وهبط عليهم الوحي في معبده ويعيرون بأنه ليس من سلسلة الأنبياء ، فقد اختص الله إبراهيم بأن جعله أبا للأنبياء والمرسلين وجعل الرسالة كلها في عقبه بيد أن جميع المرسلين كانوا من نسل ولده إسحاق ، ثم يعقوب الملقب بإسرائيل وقد أنجب يعقوب اثني عشر سبطا لقبوا بالأسباط{[1]} ، وكان من نسلهم جميع أنبياء بني إسرائيل .
أما النبي محمد صلى الله عليه وسلم فكان وحده من نسل إسماعيل بن إبراهيم ، وقد جعل الله الإسراء إلى بيت المقدس ؛ ليكون بمثابة تدشين لنبوته ثم جعله يصلي إماما بالأنبياء ؛ ليكون هذا اعترافا بأنه أهل الرسالة ، وتشير بعض الآيات في القرآن إلى هذا المعنى{[2]} .
وصلاة النبي بالأنبياء تشير إلى وحدة الرسالات والنبوات وأنها جميعا من عند الله وأن الأنبياء والمرسلين أرسلوا من أجل هداية الناس ودعوتهم إلى التوحيد وإرشادهم إلى الفضائل وتحذيرهم من الرذائل ، فالغاية من الرسالة واحدة والهدف واحد وإن اختلفت الوسائل باختلاف الشعوب وطبائعها ، فمن الأنبياء من حارب رذائل معينة انتشرت بين قومه كتطفيف الكيل الذي جاء به شعيب ، والمثلية الجنسية التي حاربها لوط ، ولكن الأنبياء في الأساس العام دعاة إلى توحيد الله وهداة إلى الفضائل ومكارم الأخلاق ، ولذلك تلتقي الديانات على فكرة التوحيد وحسن السلوك ، وفي سورة الأعراف نجد آيات متلاحقة تتحدث عن رسالة كل نبي وتتشابه جميعها في أنها تبدأ أولا بالدعوة إلى توحيد الله . قال تعالى : { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قومي اعبدوا الله ما لكم من إله غيره . . . } ( الأعراف : 59 ) .
{ و إلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره . . . } ( الأعراف : 65 )
{ وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره . . . } ( الأعراف 73 )
فالرسالات متحدة في الأساس العام وهو التوحيد .
ومتخصصة في الفروع التي تعالجها والمشاكل التي تقدم حلولها وبعبارة أخرى : الغاية واحدة والوسيلة مختلفة .
وقد ذكر السيد رشيد رضا في تفسير المنار{[3]} : أن تعدد الرسل يشبه دولة أو جمهورية لها رئيس يحكمها بقانون عام ، وللرئيس نواب عنه يحكمون المحافظات فكل محافظ يتفق مع الآخر في الأساس العام للحكم ويختلف عنه باختلاف طبيعة الأقاليم فلمحافظة السويس أو البحر الأحمر أو الوادي الجديد مثلا تشريعات خاصة بها ، ولكنها تلتقي مع بقية المحافظات في احترام الأساس العام للحكم وتنفيذ دستور الدولة وطاعة رئيسها .
وكذلك الرسل ، الإله الذي أرسلهم إله واحد لا شريك له والدعوة التي أرسلوا بها دعوة واحدة في روحها وهدفها . ولكن الوسيلة لتهذيب السلوك تختلف من نبي إلى آخر ومن شعب لآخر .
ونجد نصوص القرآن والسنة تؤكد هذا المعنى وتأيده . فالقرآن يقول : { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده . . . }
ولذلك نجد المسلم يؤمن بالرسالات كلها وبالرسل والكتب الصحيحة التي أنزلها الله : { قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون } . ( البقرة : 136 ) .
وفي الصحيحين{[4]} يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنما مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى دارا فأتمها وأكملها إلا موضع لبنة فجعل الناس يقولون لو وضعت هذه اللبنة فأنا هذه اللبنة وأنا خاتم الرسل ) .
ويروي البخاري : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الأنبياء أخوات لعلات{[5]} أمهاتهم شتى ودينهم واحد ){[6]} .
وأبناء العلات هم أبناء الضرائر يكون أبوهم رجلا واحدا وأمهاتهم متعددات ، فكذلك الرسل ربهم الذي أرسلهم إله واحد ورسالاتهم متعددة بتعدد بلادهم .
وقريب من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) .
وفي هذه الوحدة رد على اليهود الذين ادعوا أنهم شعب الله المختار وأن الرسالة لا تكون إلا فيهم وأنهم أبناء الله وأم من عداهم لا يصح أن يكون رسولا .
فالله هو الذي خلق الخلق وهو يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس ، والرسالة منة إلهية يعطيها الله من يشاء من عباده .
بل إن الرسل أنفسهم فضل الله بعضهم على بعض فجعل منهم أولي العزم ، الذين تحملوا البلاء أكثر من غيرهم .
قال تعالى : { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض } . ( البقرة 253 ) .
وقال سبحانه : { فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل } . ( الأحقاف : 35 ) .
وأولوا العزم من الرسل خمسة هم : نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد .
وسموا بأولي العزم لتحملهم من البلاء والجهاد والكفاح أكثر مما تحمله سواهم ، ومن قواعد الإيمان أن تؤمن بالله ربا وخالقا ، وأن تؤمن بأن الله أرسل رسلا لهداية الناس : { رسلا مبشّرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } ( النساء : 165 ) .
وهؤلاء الرسل كثرة كثيرة في تاريخ البشرية الطويل ، وهم علامات مضيئة وشارات ترشد البشرية ، ولا يعلم عددهم إلا الله ، قال تعالى : { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك . . ( غافر : 78 ) .
وقد ورد ذكر كثير من الرسل في القرآن الكريم ، قال تعالى : { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم . ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين . وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين . وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين } . ( الأنعام : 83-86 ) .
كان موسى رسول بني إسماعيل وصاحب الثورات والألواح وصاحب الشريعة التي أرسل على أساسها عيسى ، فلم يأتي عيسى بشرع جديد ، بل كان في دعوته تابعا لتعاليم الثورات وغاية فكرته أن صاح صيحات متتابعة يدعوهم فيها إلى صدق الإيمان والإخلاص ويبعدهم عن حب المادة ويسموا بهم إلى الروحانية الخالصة .
ولذلك يقول عيسى : ما جئت لأنقض الناموس بل لأجدده ، وقال القرآن على لسان الجن : { إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى } . ( الأحقاف : 30 ) .
وفي البخاري يقول ورقة بن نوفل للنبي صلى الله عليه وسلم : هذا هو الناموس الذي أنزله الله على موسى{[7]} .
فموسى صاحب دين ينتظم القوانين المدنية والشرائع الدينية ، أما عيسى فجاء بفكرة إصلاحية روحية فقط . وقد عادت الكنيسة في الغرب إلى هذه الحدود الدينية وحدها . أما شريعة اليهود فهي شريعة متكاملة ولا ينافسها إلا الإسلام لأنه هو الدين الوحيد الذي يناظر اليهودية في اشتماله على منهج ونظام مدني وديني . وقد استقبل الأنبياء والمرسلون رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء ورحبوا به وقال له كل نبي : مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح وهذا دليل على أن الأنبياء والمرسلين إخوة في المهمة التي كلفوا بها والدعوة التي وقفوا حياتهم من أجلها .
استقبل النبي صلى الله عليه وسلم في السماء الأولى آدم ، وفي الثانية يحيى وعيسى ، وفي الثالثة يوسف ، وفي الرابعة إدريس ، وفي الخامسة هارون ، وفي السادسة موسى ، وفي السابعة إبراهيم ، وقد بكى موسى عند وداع النبي صلى الله عليه وسلم له ، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم : ما يبكيك يا موسى ؟ قال : أبكي لأن غلاما بعث من بعدي سيدخل من أمته الجنة أكثر مما يدخل من أمتي . وهو بكاء الغبطة لا بكاء الحسد ، ولعل موسى قد تذكر أنه طلب رؤية الله فلم يجب إلى ذلك قال تعالى : { وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين . ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني . . . } ( الأعراف : 142 ، 143 ) .
ثم إن موسى رأى النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء ، يأخذ ليلا ويركب البراق وجبريل في الركاب ويصلي إماما بالأنبياء ويصعد في السماوات العلا ويرى من فضل الله ما يرى وتحوطه عناية الله وفضل الله ويرى الجنة ونعيمها ويرى الملأ الأعلى يخصونه بالسلام والتحية . وتلك كلها خصائص اختص الله بها محمدا عليه الصلاة والسلام .
وحين فرض الله على النبي صلى الله عليه وسلم خمسين صلاة رجع إلى الهبوط ، فمر بموسى في السماء السادسة ، فقال له : ماذا أعطاك ربك ؟ قال : خمسين صلاة ، فقال له موسى : ارجع إلى ربك ، فاسأله التخفيف ، فإن أمتك لا تطيق ذلك ، وإني جاهدت بني إسرائيل قبلك . وعاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه ، فسأله التخفيف ، فحط عنه عشر صلوات ، فلما رجع إلى موسى ، قال له : ارع إلى ربك فاسأله التخفيف ، وتكررت توصية موسى للنبي صلى الله عليه وسلم مرارا حتى أصبحت خمس صلوات ، ثم قال الله له : { يا محمد ، هي خمس في العمل ، وخمسون في الثواب ، والحسنة بعشر أمثالها ، لا يبدل القول لدي ، وما أنا بظلام للعبيد } . وقد عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى موسى فقال له : ماذا أعطاك ربك ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم : خمس صلوات ، فقال له موسى : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : سألت ربي حتى استحييت ولكني أرضي وأسلم .
ومن هذا الحديث نعرف ما بين الأنبياء من صلات ووشائج ونلمس رحمة موسى بالأمة المحمدية .
وقد نقل إلى النبي صلى الله عليه وسلم خبرته في جهاد بني إسرائيل . ولذلك قال عليه الصلاة والسلم : ( كان موسى خيرهم لي حين رجعت إليه ) . وفي رواية : ( فمررت بموسى ، ونعم الصاحب كان لكم ) .
وكأنما أريد بهذه الرحلة العجيبة إعلان وراثة الرسول صلى الله عليه وسلم الأخير لمقدسات الرسل قبله واشتمال رسالته على هذه المقدسات وارتباط رسالته بها جميعا ، فهي رحلة ترمز إلى أبعد من حدود الزمان والمكان ، وتربط بين عقائد التوحيد الكبرى من لدن إبراهيم وأسماعيل عليهما السلام إلى محمد خاتم النبييين عليه الصلاة والسلام .
هي سورة مكية نزلت في السنة الحادية عشرة للبعثة قبل الهجرة بسنة . وتسمى سورة الإسراء نظرا لذكر الإسراء في صدرها ، كما تسمى سورة بني إسرائيل للحديث عنهم وعن إفسادهم في الأرض وعقوبة الله لهم على هذا الفساد .
وعدد آياتها 111 آية وهي مكية اتفاقا إلا الآيات : 26 ، 32 ، 57 ، ومن آية 73 ، إلى 80 فمدنية ، وقد نزلت بعد القصص ، فهي من أواخر ما نزل بمكة وقد تميزت آياتها بالطول النسبي وبسط الفكرة والدعوة إلى الآداب ومكارم الأخلاق على حين تجد الآيات المكية التي نزلت في أوائل البعثة تتميز بقصر الفواصل ، ومراعاة السجع ، والدعوة إلى التوحيد ، وسوق الأدلة على الإيمان بالله ، والآيات المدنية تتميز بالطول ، وبيان أحكام التشريع ، ونظام العبادات ، والمعاملات ، فسورة الإسراء اشتملت على خصائص السورة المكية ، ومن ناحية أخرى ظهر فيها صفات من خصائص السور المدنية ؛ لأنها من أواخر العهد المكي فهي ممهدة للعهد المدني ، حيث استقرت الدعوة في المدينة ونزل القرآن يرسم سياسة المسلمين الداخلية والخارجية ويبين للمؤمنين نظام الحرب والسلم وأدب المعاملة وفن الحديث وطريقة الدعوة ومنهاج الحياة . وقد ذكر العلماء أن من واجبات المفسر أن يعرف مكي القرآن ومدنيه وما يشبه المدني وهو مكي وما يشبه المكي وهو مدني{[8]} ، وأن يعرف تاريخ النزول وأسباب النزول وما نزل من القرآن أولا وما نزل تاليا وما نزل مفردا وما نزل مشيعا بالملائكة . . فإن هذه المعرفة تعطينا ضوءا كاشفا يوضح أهداف السورة ومقصد الآيات وأسرار التشريع ، فهي دراسة للجو المحيط بالنص ولا غنى لمن أراد دراسة نص من النصوص عن معرفة قائله والبيئة الاجتماعية التي نشأ فيها والعوامل والظروف التي أحاطت بهذا النص .
ونحن حين ندرس القرآن نحيط بدراسة مماثلة للنص وما حوله ، ثم نحتاج إلى صفة أخرى هي صدق النية وعمق النظرة وإخلاص القلب وسلامة الفطرة حتى نستكشف هدى القرآن وسمو تعاليمه ؛ لأنها تظهر واضحة أمام المؤمنين ، وتخفى عن عيون الجاحدين قال تعالى : { وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا . وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا } . ( الإسراء : 45 ، 46 ) .
بدأت سورة الإسراء بقوله تعالى : { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير } .
وهذا هو مطلع السورة أو عنوانها الذي يحشد موضوعات السورة ، إن السورة في مجملها تتحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن القرآن الذي نزل عليه وموقف المشركين من هذا القرآن . وفي خلال هذا الحديث تستطرد إلى ذكر بني إسرائيل والحديث عن ماضيهم وإفسادهم في الأرض وعقوبة الله لهم كأنها تتوعد كل مكذب ومفسد بالعقاب العادل وفي هذا تهديد لكفار مكة ، ولكل خارج على نطاق الإيمان وشريعة العدل والنظام الإلهي ( انظر الآيات : 1-22 ) .
كما تحدثت السورة عن قضية التوحيد لتقيم عليها البناء الاجتماعي كله وآداب العمل والسلوك ، فأمرت بالإحسان إلى الوالدين ، وبإيتاء ذي القربى حقه والمسكين وابن السبيل ، ونهت عن التبذير والقتل والزنا وتطفيف الكيل وأكل مال اليتيم ، والكبر والبطر . ( الآيات : 23_39 ) .
وقد أمرت المسلمين بجملة من الآداب في أسلوب رائع حكيم يدعوا الناس إلى التمسك بها ويؤيد أن القرآن كتاب تربية أخلاقية وسلوكية . وأن هذه التربية هي التي صاغت المجتمع الإسلامي المحمدي صياغة جديدة مهذبة .
وبذلك كانت معجزة القرآن أنه غدا روحا جديدة يسري في أوصال المجتمع العربي والإسلامي فيهدم حطام الجاهلية وأوثانها ، ويقيم على أشلائها دولة جديدة تؤمن بالله ورسوله وتهتدي بكتابه الذي أنزله نورا وهدى . فترى المسلم إما عابدا في مسجده أو ساعيا على رزقه أو مجاهدا في سبيل إعلاء كلمة الله . وجمعت المسلمين تحت راية جديدة عمادها الإخلاص وأساسها الحب لله ولدينه وقوتها في تماسك المسلمين وأخوتهم وترابطهم وتساندهم ، فصلة الرحم والعطف على الفقير والبعد عن الكبر والشح والظلم كلها آداب سلوكية جعلت من المؤمنين خير أمة أخرجت للناس .
( وفي الآيات : 39-58 ) تحدثت السورة عن أوهام الوثنية الجاهلية حول نسبة البنات والشركاء إلى الله وعن البعث واستبعادهم لوقوعه وعن استقبالهم للقرآن وتقولاتهم على الرسول عليه الصلاة والسلام ، وأمرت المؤمنين أن يقولوا قولا آخر ويتكلموا بالتي هي أحسن .
( وفي الآيات : 59-76 ) بينت السورة لماذا كانت معجزة محمد صلى الله عليه وسلم معجزة عقلية خالدة ولم تكن معجزة مادية محدودة ، فقد كذب الأولون بالخوارق فحق عليهم الهلاك إتباعا لسنة الله ، كما تناولت الحديث عن الإسراء وحكمته ، وأن الله جعله فتنة وامتحانا للناس ليتميز المؤمنون ، وينكشف المنافقون ، ويجيء في هذا طرف من قصة إبليس وإعلانه أنه سيكون حربا على ذرية آدم .
يجيء هذا الطرف من القصة كأنه كشف لعوامل الظلال الذي يبدو من المشركين ويعقب عليه بتخويف البشر من عذاب الله وتذكيرهم بنعمة الله عليهم في تكريم الإنسان وتفضيله على جميع المخلوقات وتسخير جميع الكون له حتى يفكر بعقله ويؤمن بقلبه فمن اهتدى أخذ كتابه بيمينه يوم القيامة ومن عمى عن الحق في الدنيا فهو في الآخرة أعمى وأظل سبيلا .
( وفي الآيات 73-88 ) تستعرض السورة كيد المشركين للرسول ومحاولتهم فتنته عن بعض ما أنزل إليه ومحلولة إخراجه من مكة ، ثم تأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يمضي في طريقه يقرأ القرآن ويؤذي الصلاة ويدعو الله أن يحسن مدخله ومخرجه ، وتذكر رسالة القرآن بأنها شفاء لأمراض الجاهلية ورحمة بالجماعة الإسلامية .
( وفي الآيات : 77-111 ) ختام السورة ويستمر فيها الحديث عن القرآن وإعجازه على حين يطلب كفار مكة خوارق مادية ويطلبون نزول الملائكة ويقترحون أن يكون للرسول بيت من زخرف أو جنة من نخيل وعنب يفجر الأنهار خلالها تفجيرا ، أو أن يفجر لهم من الأرض ينبوعا أو أن يرقى هو في السماء ثم يأتيهم بكتاب مادي معه يقرؤونه . . إلى آخر هذه المقترحات التي يمليها العنت والمكابرة لا طلب الهدى والاقتناع ، ويرد الله على هذا كله بأنه خارج عن وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم وطبيعة الرسالة .
فالرسول يوحى إليه وليس إلها يتحكم في مظاهر الكون ، وقد سبق أن أعطى الله موسى معجزات مادية فكذب بها فرعون وجحد نبوة موسى فكانت العاقبة أن أغرق الله فرعون ومن معه من المكذبين .
إن طريقة القرآن هي طريقة الدعوة الهادفة المتأنية وقد نزل مفرقا ليقرأه الرسول صلى الله عليه وسلم على قومه في هدوء وتؤدة وليجيب على أسئلة السائلين وليكون كتاب الحياة يحياها مع المؤمنين يعلمهم دينهم ويرد عنهم دعاوى أعدائهم ويلفت أنظارهم إلى الكون وما فيه حتى يعبدوا الله ويسجدوا له عن خشوع ويقين وتختم السورة بحمد الله وتنزيهه عن الولد والشريك في الملك كما بُدئت بتنزيه الله وتسبيحه . وإذا أردنا إيجازا أكثر أمكننا أن نرجع أهداف سورة الإسراء إلى الأمور الآتية :
1- معجزة الإسراء من مكة إلى بيت المقدس : آية 1 .
2-تاريخ بني إسرائيل وإسرائيل وإفسادهم في الأرض وعقوبة الله لهم : الآيات : 2-8 .
3- جملة من الآداب يجب على المسلمين أن يتحلوا بها حتى تظل رابطتهم قوية متماسكة ، وحتى لا يصيبهم ما أصاب اليهود عندما أفسدوا في الأرض : 23-29 .
4- بيان أن كل ما في السماوات والأرض مسبح لله : آية 44 .
5- الكلام في البعث مع إقامة الأدلة على إمكانه : الآيات 50-55 .
6- الرد على المشركين الذين اتخذوا مع الله آلهة من الأوثان والأصنام آية : 46 .
7- الحكمة في عدم إنزال الآيات التي اقترحوها على محمد صلى الله عليه وسلم : آية : 46 .
8- قصة سجود الملائكة لآدم وامتناع إبليس من ذلك الآيات : 61-65 .
9- تعدد بعض نعم الله : الآيات 66-72 .
10- طلب المشركين من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يوافقهم في بعض معتقداتهم وإلحافهم في ذلك : الآيات 73-77 .
11- أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإقامة الصلاة والتهجد في الليل : 78-87 .
12- بيان إعجاز القرآن وأن البشر يستحيل عليهم أن يأتوا بمثله : الآيات : 88-100 .
13- قصة موسى مع فرعون : 101-105 .
14- الحكمة في إنزال القرآن منجما : الآيات 106-110 .
15- تنزيه الله عن الولد والشريك والناصر والمعين : الآية 111 .
أهداف السورة تؤيد أنها سورة مكية نزلت تثبت العقيدة وترسل أدب السلوك وتذكر تاريخ اليهود . ثم تناقش المشركين في آلهتهم ، وفي تعنتهم وكفرهم ، وتذكر طرفا من قصة آدم وإبليس وقصة موسى وفرعون لتوضح عقوبة المتكبرين ومثوبة المؤمنين . وفي أثناء السورة حديث عن القرآن وإعجازه ، وعجز البشر عن الإتيان بمثله ، وتعديد نعم الله على خلقه لتستميل الناس إلى الإيمان بالله وتقيم الحجة على أعداء الدين .
ومما لا شك فيه أن تصورنا لموقف الإسلام في مكة قبل الهجرة يعيننا كثيرا على فهم الصورة ويوضح أن القرآن كان كتاب الحياة ، صور موقف المشركين وعقيدتهم وتعنتهم ، وذكر كرفا مما أصاب الأولين علهم يتعظون أو يعتبرون ، قال تعالى : { وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرّفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا . ( طه : 113 ) .
إنك تحس من خلال النص بنبضات حية تصور عانة المشركين وظلال عقيدتهم وتبرز أسلوب الدعوة الجديد الذي يملك الحجة على قضية الألوهية ويسوق الأدلة على قضيته من سجلات التاريخ ومن مواقع الكون ومشاهده ، ومن التحدي بالقرآن وتأكيد عجزهم عن الإتيان بمثله .
والقرآن من خلال حديثه ينتقل من فن إلى فن ، ومن وصف للإسراء إلى تاريخ لليهود إلى رد على دعوى المشركين إلى قصص لآدم وإبليس وفرعون وموسى .
ويربط القرآن بين هذه الأفكار المتناثرة برباط قوي متين يؤكد أنه كتاب الله ، ولو كان من صنع بشر لتلمس طرقا للانتقال فكل كاتب تجد في كتابته أثرا للقوة في مكان ، ثم تفتر قوته في مكان آخر ، قال تعالى : { أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } . ( النساء : 82 ) ، وقد تعرضت علوم السابقين للنقض والتعديل ، ولم يبق كتاب في تاريخ البشرية سلم من النقض والعيب إلا هذا الكتاب .
وفي سورة الإسراء : آية 88 يقول الله عز وجل : { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } .
{ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ، لنريه ، من آياتنا إنه ، هو السميع البصير ( 1 ) }
سبحان : اسم فعل لتسبيح الله{[322]} وتنزيهه ، فمعنى سبحان الله : أسبح الله سبحانه التقديس والتنزيه على السوء من الذات والصفات والأفعال والأسماء والأحكام أي ما أبعد الذي له هذه الصفات عن جميع النقائص .
أسرى : سار في الليل{[323]} ومعنى أسرى به صيره ساريا .
ليلا : أي في جزء من الليل ، أو في ساعات منه{[324]} .
من المسجد الحرام : أي : ابتداء الإسراء المسجد الحرام وسمي حراما لتحريم القتل والعدوان فيه ، حتى لو وجد فيه قاتل أبيه حرم عليه قتله داخل المسجد لقوله : ومن دخله كان آمنا .
إلى المسجد الأقصى : هو بيت المقدس وسمي الأقصى ؛ لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام .
الذي باركنا حوله : بارك الله حوله بركات مادية ومعنوية وأحاطه ببركات الدنيا والدين ، فجعل حوله الأشجار والثمار وجعله متعبد الأنبياء من وقت موسى ومهبط الوحي ومسرى محمد صلى الله عليه وسلم .
لنريه من آياتنا : فيها بيان لحكمة الإسراء ، وقد رأى النبي من آيات الله ودلائل قدرته الكثير ورأى صورا وأشكالا جسمت فيها المعاني بصورة ملموسة محسوسة .
كما رأى الملائكة تعبد الله على أشكال شتى منها القائم ، والراكع ، والساجد ، ورأى الأنبياء والمرسلين ، ورأى الجنة والنار .
وكان لدى النبي صلى الله عليه وسلم من الصفاء والنقاء والطهر ما جعله أهلا لأن يرى آيات الله في هذا الكون وأن يتفتح قلبه الشريف ليحيط بأسرار الكون ونظمه وليرى العالم العلوي وملائكة السماء ، وهناك فرض الله عليه الصلاة تحية خالدة لهذا اللقاء الكريم .
إنه هو السميع البصير : السميع بدعاء محمد صلى الله عليه وسلم ، البصير بما أصابه من أذى المشركين وهو يسمع ويرى ما لطف دق وخفا عن الأسماع والأبصار من اللطائف والأسرار .
1- { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير .
تحدثت الآية على تنزيه الله أن يكون له صاحبة أو ولد وبينت أن الإسراء بعبد من عبيد الله اختاره واصطفاه ، وأن العبودية كلما تحقق مضمونها من الخضوع والخشوع والإخلاص لله سما صاحبها وزاد قدره وكان الإسراء من أول بيت وضع للناس ، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، حيث كانت الرسل تتعبد وحيث اعترفت له الأنبياء بالرسالة ، وحيث صعد من هذا المكان الطاهر إلى السماوات العلا إلى سدرة المنتهى إلى جنة المأوى ، ولم يتحول بصره يمينا ولا شمالا ولا تجاوز الطريق المرسوم ، بل كان في سمت النبيين وأمانة الصديقين وسمو المرسلين .
المعراج والمصعد والمرقى كلها بمعنى واحد تدل على الصعود والارتقاء ومعراج الرسول صلى الله عليه وسلم هو صعوده إلى السماوات العلا ، حيث لقي من فضل الله الكثير ورأى من آيات ربه الكبرى .
وكان الإسراء والمعراج في ليلة واحدة ، الإسراء رحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، والمعراج رحلة سماوية إلى الملإ الأعلى . وقد تحدثت سورة النجم عن المعراج في قوله تعالى : { والنجم إذا هوى . ما ضل صاحبكم وما غوى . وما ينطق عن الهوى . إن هو إلا وحي يوحى . علمه شديد القوى . ذو مرة فاستوى . وهو بالأفق الأعلى . ثم دنا فتدلى . فكان قاب قوسين أو أدنى . فأوحى إلى عبده ما أوحى . ما كذب الفؤاد ما رأى . أفتمارونه على ما يرى . ولقد رآه نزلة أخرى . عند سدرة المنتهى . عندها جنة المأوى . إذ يغشى السدرة ما يغشى . ما زاغ البصر وما طغى . لقد رأى من آيات ربه الكبرى . } ( النجم : 1-18 ) .
وقع الإسراء في السنة الحادية عشرة للبعثة ، قبل الهجرة بسنة{[325]} أو قبلها بسنة وشهرين .
وكان المشركون قد أمعنوا في إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم وبالغوا في تعذيب المسلمين حتى اضطروهم للهجرة إلى الحبشة مرتين ، ولما يئس النبي صلى الله عليه وسلم من أهل مكة ذهب إلى الطائف وبها قبائل ثقيف فدعاهم للإسلام ورغبهم في الإيمان ، وكان يأمل أن يجيبوه إلى دعوته ، ولكنهم ردوه أسوأ رد وأرصدوا له الغلمان يرجمونه بالحجارة ، حتى دميت قدماه الشريفتان ، وقد أغمى على النبي من شدة الإيذاء{[326]} ، فلما أفاق وجد نفسه مكذبا في قومه مضطهدا في مكة معذبا في الطائف وحيدا غريبا ، فمد يده إلى الله سبحانه قائلا :
( اللهم أشكو إليك ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا رب العالمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلا من تكلني ، إلى عدو يتجهمني أو بعيد ملكته أمري ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخر أن ينزل بي سخطك أو يحل علي غضبك ، لك العتبى حتى ترضى . عافيتك هي أوسع لي إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ) .
وقد جاءه جبريل وقال : يا محمد هذا ملك الجبال ، وإن الله أمره أن يطيعك في قومك بسبب ما فعلوه بك ، فئن شئت أن يطبق عليهم الأخشبين ( جبلين بمكة ) ، فعل ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : لا تفعل إني لأرجو أن يخرج من ظهورهم من يعبد الله . اللهم اهد قومي فهم لا يعلمون .
فقال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم : صدق من سماك الرءوف الرحيم .
وعاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة حزينا كئيبا ولم يستطع دخولها إلا في جوار المطعم بن عدي .
كانت الفترة التي سبقت الإسراء من أقسى الفترات على النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، وكان الامتحان قاسيا ، يواجه المؤمنين كل يوم بفتنة ومحنة ويستنصر المؤمنون رسول الله قائلين : ألا تعدوا الله لنا ، ألا تستنزل غضبه على عدونا ، فيجيبهم بأن طريق الدعوة طريق وعر وصعب ، وأن على المؤمن أن يتحمل البلاء في ذات الله ، ويصبح فيهم : ( والله لقد كان يؤتى بالرجل فيمن قبلكم فيشق بالمنشار من مفرق رأسه إلى قدميه فما يصده ذلك عن دينه ، والذي نفس محمد صلى الله عليه وسلم بيده ليتمن الله ذلك الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون ) .
كان فضل الله على المؤمنين في هذه الفترة المؤلمة ؛ أن أعطى نبيه عليه السلام معجزة إلهية كبرى ؛ ليرى عوالم أخرى وليصعد في السماء ؛ وليرى من فضل الله ونعمه الكثير ثم يعود بالصلاة صلة بين المؤمنين وربهم فهي العون للمؤمن في رحلة الحياة وهي الملجأ والملاذ إلى الله وهي فترة المناجاة والمناداة فيها تسمو الروح وتطهر النفس ويناجي العبد إلها سميعا بصيرا مجيبا .
وردت قصة الإسراء والمعراج في كتب السنة الصحاح وسرت بين الأمة سريانا مستفيضا ووعتها بطون الكتب وتحدث بها الرواة حتى نقلها من أعاظم الرجال خمسة وأربعون صحابيا بطرق شتى وأخذها جيل عن جيل في تواتر وإجماع .
وأمر في جملته خاضع لقدرة الله التي لا تقف أمامها حدود وهو معجزة لرسول الله . والمعجزة : أمر خارق للعادة يظهره الله على يد مدعي الرسالة تصديقا له في دعواه ، وليس فيما كشفه العلم من قوانين الجذب العام ونظام الأفلاك ومسابح النجوم وعناصر الكواكب ونواميس الحركة وطبقات الهواء وتحديد الحركات ومعايير السرعة- ليس في ذلك كله وما يتصل به- ما يقف أمام الإسراء والمعراج .
فقد ثبت أن نجم المشتري يجري بسرعة ثلاثين ألف ميل في الساعة فيجري تسعة أميال كلما تنفس الإنسان . والمشتري أكبر من أرضنا بألف وأربعمائة مرة . وأن الله الذي جعل هذا الجسم الكثيف الهائل يقطع الأبعاد الشاسعة في لحظات لا يبعد عليه أن يسري بنبيه الكريم من مكة إلى بيت المقدس على مقتضى ناموس لا نعرفه ، وإن كان الوجود يشتمل عليه ، ما دام العلم قد أثبت سرعة عجيبة لأجرام كثيفة .
وإننا نشهد كل يوم كشفا عن ناموس ، وأبطالا لناموس ، حتى لقد صرح بعض علماء الغرب بأن أخوف ما نخافه أن ما نفاخر به اليوم من العلوم يصبح بعد مائة سنة باطلا منسوخا .
ويؤثر لرئيس مجمع ترقي العلوم بجامعة كمبردج سنة 1854م أن كنه المادة غير معروف ، وأن منتهى علمها مبتدأ جهلها .
ونحن إذا طوينا القرون القهقري فرجعنا إلى ما قبل اليوم منذ قرنين اثنين ، أفكنا نحسب موجات الأثير وعدسات التيلفزيون والتلستار تنقل صوت الإنسان وصورته إلى الأبعاد الشاسعة والأقطار النائية ؟
إن الإنسان قد أخذه العجب العجاب عند اختراع الطائرة العادية ، ثم الطائرة النفاثة والأطباق الطائرة ، والأقمار الصناعية .
وكان وصول الإنسان إلى القمر أخيرا خبرا مذهلا أخذ على الناس في كل أصقاع الدنيا لبهم واستولى على اهتمامهم ، وذلك كله مما يقرب في ذهن الإنسان سهولة الإسراء والمعراج خاصة وأنهما يقعان في دائرة القدرة الإلهية التي يخضع لها كل شيء في عالم السماوات والأرض والهواء والفضاء ، قال تعالى : { وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون } ( الزمر : 67 ) .
هذه جملة من الأحاديث النبوية الشريفة ترسم سورة الإسراء وتحكي قصته ومشاهداته بروايات متعددة .
قال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى ، حدثنا حماد بن سلمة ، أخبرنا ثابت البناني ، عن أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أتيت بالبراق ، وهو دابة بيضاء ، فوق الحمار ودون البغل ، يضع حافره عند منتهى طرفه ، فركبته ، فسار بي ، حتى أتيت بيت المقدس فربطت الدابة في الحلقة التي يربط فيها الأنبياء ، ثم دخلت فصليت فيه ركعتين ، ثم خرجت فأتاني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن ، فاخترت اللبن ، فقال جبريل عليه السلام : أصبت الفطرة ، فقال : ثم عرج بي إلى السماء الدنيا ، فاستفتح جبريل عليه السلام ، فقيل له : من أنت ؟ قال جبريل : قيل : ومن معك ؟ قال : محمد ، قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : قد أرسل إليه ، ففتح لنا فإذا أنا بآدم ، فرحب بي ودعا لي الخير .
ثم عرج بنا إلى السماء الثانية ، فاستفتح جبريل ، فقيل له : من أنت ؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : قد أرسل إليه ، ففتح لنا فإذا بابني الخالة يحيى وعيسى ، فرحبا بي ، ودعوا لي الخير .
ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة ، فاستفتح جبريل . فقيل له : من أنت ؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : قد أرسل إليه ، ففتح لنا فإذا أنا بيوسف عليه السلام ، وإذا هو قد أعطى شطر الحسن . فرحب بي ودعا لي بخير .
ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة ، فاستفتح جبريل . فقيل له : من أنت ؟ قال : جبريل . فقيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : قد بعث إليه ، ففتح لنا ، فإذا أنا بإدريس ، فرحب بي ودعا لي الجير .
يقول الله تعالى : { ورفعناه مكانا عليا } ( مريم : 57 ) .
ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة ، فاستفتح جبريل . فقيل له : من أنت ؟ قال جبريل . فقيل : ومن معك ؟ قال : محمد . فقيل : قد أرسل إليه ، ففتح لنا ، فإذا أنا بهارون ، فرحب بي ودعا لي الخير .
ثم عرج بنا على السماء السادسة ، فاستفتح جبريل . فقيل له : من أنت ؟ قال جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد ، فقيل : وقد بعث إليه ؟ قال : قد بعث إليه ، ففتح لنا ، فإذا أنا بموسى عليه السلام ، فرحب بي ودعا لي الخير .
ثم عرج بنا إلى السماء السابعة ، فاستفتح جبريل . فقيل له : من أنت ؟ قال : جبريل . قيل ومن معك ؟ قال : محمد . فقيل : وقد بعث إليه ؟ قال : قد بعث إليه ، ففتح لنا ، فإذا أنا بإبراهيم عليه السلام ، وإذا هو مستند إلى البيت المعمور ، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ، ثم لا يعودون إليه .
ثم ذهبت إلى سدرة المنتهى : فإذا أوراقها كآذان الفيلة ، وإذا ثمرها كالقلال ، فلما غشيها من أمر الله ما غشيها ، تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن يصفها من حسنها ، قال : فأوحى الله إلى ما أوحى ، وقد فرض علي في كل يوم وليلة خمسين صلاة .
فنزلت حتى انتهيت إلى موسى . قال : ما فرض ربك على أمتك ؟ قال : خمسين صلاة في كل يوم وليلة .
قال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك ، فإن أمتك لا تطيق ذلك ، وإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم . قال : فرجعت إلى ربي ، فقلت أي رب خفف عن أمتي ؛ فحط عني خمسا .
فنزلت حتى انتهيت إلى موسى ، فقال : ما فعلت ؟ فقلت : حط عني خمسا : فقال : إن أمتك لا تطيق ذاك ، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك .
قال : فلم أزل أرجع بين ربي ، وبين موسى ، ويحط عني خمسا خمسا ، حتى قال : يا محمد هي خمس صلوات في كل يوم وليلة بكل صلاة عشر ، فتلك خمسون صلاة ، ومن هم بحسنة فلم يعملها ، كتبت له حسنة . فإن عملها كتبت له عشرا ، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب ، فإن عملها كتبت سيئة واحدة .
فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته . فقال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك ، فإن أمتك لا تطيق ذلك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد رجعت إلى ربي حتى استحيت ) ( رواه مسلم بهذا السياق ){[327]} .
قال البيهقي : وفي هذا السياق : أن المعراج كان ليلة أسرى به عليه الصلاة والسلام من مكة إلى بيت المقدس .
ويقول بن كثير عن ذلك : وهذا الذي قاله هو الحق الذي لا شك فيه ولا مرية .
وقبل أن نبدأ أحاديث أخرى نذكر أنه :
ذهب الجمهور من علماء المحدثين والفقهاء ، والمتكلمين ، إلى أن الإسراء والمعراج :
وقعا في ليلة واحدة في اليقظة ،
بجسد النبي صلى الله عليه وسلم وروحه ،
ولقد توارد على ذلك- كما يقول الإمام ابن حجر- ظواهر الأخبار الصحيحة ولا ينبغي العدول عن ذلك إذ ليس في العقل ما يحيله {[328]} ، حتى يحتاج إلى تأويل .
ولو كان مناما ، أو بالروح فقط لما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم مكذب ، لجواز وقوع مثل ذلك أو أبعد منه لآحاد الناس : إن الناس في الرؤيا يرون أنهم سافروا وأبعدوا ، وجاءوا وعقدوا العقود ورأوا نتائج عقودهم وثمار جهودهم ، فلو كنا بصدد رؤيا لما ارتاب في صدق الصادق الصدوق صلوات الله وسلامه عليه إنسان .
ولما أشفقت السيدة أم هانئ رضي الله عنها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لما أخبرها الخبر ، وقال : إنه سيحدث الناس به ، فأرادت منه أن يعدل عن ذلك قائلة : إنهم سيكذبونك ، فلم يستجب صلوات الله وسلامه عله لنصيحتهما ، لأن الحق ينبغي أن يذاع ، وأذاعه صلى الله عليه وسلم بين الناس . وحدث ما حدث مما سنذكر بعضه فيما بعد إنشاء الله .
وفي حديث عند الطبراني البراز ، أنه عليه الصلاة والسلام : مر على قوم يزرعون ويحصدون في يوم ، كما حصدوا عاد كما كان فقال لجبريل عليه السلام : ما هذا ؟
قال : هؤلاء المجاهدون في سبيل الله ، تضاعف لهم الحسنة إلى سبعمائة ضعف ، وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين .
ثم أتى قوما ترضخ رءوسهم بالصخر ، كلما رضخت عادت كما كانت ، ولا يفتر عنهم من ذلك شيء .
قال : هؤلاء الذين تتثاقل رءوسهم عن الصلاة المكتوبة .
ثم أتى على قوم ، على أقبالهم رقاع ، وعلى أدبارهم رقاع .
قال : هؤلاء الذين لا يؤذون زكاة أموالهم ، وما ظلمهم الله ، وما ربك بظلام للعبيد .
ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج في قدر ، ولحم نيىء في قدر خبيث فجعلوا يأكلون من النيىء الخبيث ويدعون النضيج .
قال جبريل : هذا الرجل من أمتك ، تكون عنده امرأة الحلال الطيب فيأتي امرأة خبيثة فيبيت عندها حتى يصبح ، والمرأة تقوم من عند زوجها حلالا طيبا ، فتأتي رجلا خبيثا فتبيت عنده حتى تصبح .
ثم أتى على رجل قد جمع حزمة حطب عظيمة لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها .
قال : هذا رجل من أمتك ، تكون عليه أمانات الناس ، لا يقدر على أدائها وهو يريد أن يحمل عليها .
ثم أتى على قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد كلما قرضت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيء .
قال : ثم أتى على جحر صغير يخرج منه ثور عظيم ، فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج فلا يستطيع .
قال : هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة يندم عليها فلا يستطيع أن يردها .
ثم أتى على واد فوجد فيه ريحا طيبة باردة ، وريح مسك وسمع صوتا .
قال : هذا صوت الجنة ، تقول رب آتني بما وعدتني ، فقد كثرت غرفي وإستبرقي وحريري وسندسي ، وعبقريي ، ولؤلئي ، ومرجاني ، وذهبي ، وأكوابي ، وصحافي ، وأباريقي ، ومواكبي ، وعسلي ، ومائي ، ولبني ، وخمري ، فأتني بما وعدتني .
قال : لك كل مسلم ومسلمة ، ومؤمن ومؤمنة ، ومن آمن بي وبرسلي وعمل عملا صالحا ، ولم يشرك بي شيئا ، ولم يتخذ من دوني أندادا ، ومن خشيني فهو آمن ، ومن سألني فقد أعطيته ، ومن أقرضني جازيته ، ومن توكل علي كفيته ، إنني أنا الله لا إله إلا أنا ، لا أخلف الميعاد ، قد أفلح المؤمنون ، وتبارك الله أحسن الخالقين .
ثم أتى على واد فسمع صوتا منكرا ووجد ريحا منتنة .
قال : هذا صوت جهنم ، تقول ربي آتني بما وعدتني فقد كثرة سلاسلي ، وأغلالي ، وسعيري ، وحميمي ، وضريعي ، وغساقي ، وعذابي ، وقد بعد قعري ، واشتد حري ، فأتني بما وعدتني .
قال : لك كل مشرك ومشركة ، وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب .
وفي حديث أبي سعيد : أنه رأى أخونة عليها لحم طيب ليس عليها أحد . وأخرى عليها لحم نتن ، عليها ناس يأكلون .
قال جبريل : هؤلاء الذين يتركون الحلال ويأكلون الحرام .
وفيه : أنه مر بقوم بطونهم أمثال البيوت ، كلما نهض أحدهم خر ، وأن جبريل قال له : هم أكلة الربا .
وأنه مر بقوم مشافرهم كالإبل يلتقمون جمرا فيخرج من أسافلهم ، وأن جبريل قال له أن هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما .
وأنه مر بقوم يقطع من جنوبهم اللحم ، فيطعمون وأنهم الغمازون اللمازون .
وأنه مر بنساء تعلقن بثديهن ، وأنهن الزواني .
وفيه : حتى أتيت بيت المقدس أوثقت دابتي بالحلقة التي كانت الأنبياء تربطها فيها ، فدخلت أنا وجبريل بيت المقدس ، فصلى كل واحد منا ركعتين .
في رواية أنس عن مسلم : ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ، ثم خرجت فجاءني جبريل عليه السلام ، بإناء من خمر وإناء من لبن ، فاخترت اللبن .
فقال جبريل : اخترت الفطرة . أي : اخترت اللبن الذي عليه بنيت الخلقة .
وقال النووي : المراد بالفطرة هنا : الإسلام والاستقامة .
وفي رواية ابن مسعود : ثم خلت المسجد فعرفت النبيين : ما بين قائم ، وراكع وساجد .
ثم أذن مؤذن فأقيمت الصلاة ، فقمنا صفوفا ننتظر من يؤمنا ، فأخذ بيدي جبريل فقدمني فصليت بهم .
وأخرج البخاري من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى : { وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس } . ( الإسراء : 60 ) ، قال : هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليلة أسري به {[329]} .
وأخرج الطبري الأوسط في الأوسط بسند صحيح عن ابن عباس أنه يقول : ( إن محمدا صلى الله عليه وسلم ، رأى ربه مرتين : مرة ببصره ، ومرة بفؤاده ) .
نظر محمد إلى ربه ، قال عكرمة : فقلت له : نظر محمد إلى ربه ؟
قال : نعم جعل الكلام لموسى ، والخلة لإبراهيم ، والنظر لمحمد صلى الله عليه وسلم .
وأخرجه البيهقي في ( كتاب الرؤيا ) بلفظ :
إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة ، واصطفى موسى بالكلام ، واصطفى محمدا بالرؤيا .
أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم ، والكلام لموسى ، والرؤية لمحمد صلى الله عليه وسلم ؟
وأخرج أحمد بسند صحيح عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( رأيت ربي صلى الله عليه وسلم : ( رأيت ربي عز وجل ) .
وأخرج أحمد والنسائي والبزار والطبراني والبيهقي ، وابن مردويه بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن بن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
ولما أسرى بي مرت بي رائحة طيبة ، فقلت : ما هذه الرائحة ؟
قالوا : ماشطة بنت فرعون وأولادها ، سقط مشطها منها فقالت : بسم الله .
فأمر ببقرة من نحاس ، فأحميت ، ثم أمر بها لتلقى فيها وأولادها فألقوا واحدا حتى بلغ رضيعا فيهم ، فقال :
قعي يا أمه ولا تقاعسي فإنك على حق .
قال : وتكلم أربعة ، وهم صغار ، هذا ، وشاهد يوسف ، وصاحب جريح وعيسى بن مريم .
وأخرج الترمذي- وحسنه- وابن مردويه . من عبد الرحمان ، عن ابن مسعود قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقيت إبراهيم ليلة أسري بي ، فقلت : يا محمد أقرأ أمتك مني السلام ، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة ، عذبة الماء ، وأنها قيعان ، وأن غراسها سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
وأخرج أحمد وأبو داود من طريق عبد الرحمان بن جبير عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لما عرج بي مررت بقوم لهم أظافر من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم ، فقلت : من هؤلاء يل جبريل ؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ، ويقعون في أعراضهم .
وأخرج ابن مردويه من طريق قتادة وسليمان التميمي وتمامة ، وعلي بن زيد ، عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ليلة أسري بي مررت بناس تقرض شفاههم بمقاريض من نار ، كلما قرضت عادت ، فقلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ ، قال : هؤلاء خطباء أمتك يقولون ما لا يفعلون ) .
وأخرج ابن ماجة والحكيم الترمذي ( في نوادر الأصول ) وابن أبي حاتم وابن مردويه ، هن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( رأيت ليلة أسري بي مكتوبا على باب الجنة ، الصدقة بعشر أمثالها ، والقرض بثمانية عشر ) .
فقلت لجبريل : ما بال القرض أفضل من الصدقة ؟
قال : لأن السائل يسأل وعنده ، والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة .
وأخرج ابن مردويه عن سمرة بن جندب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( رأيت ليلة أسري بي رجلا يسبح في نهر ويلقم الحجارة ، فسألت : من هذا ؟ فقيل لي : هذا آكل الربا .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما- فيما رواه الإمام أحمد- قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لما كانت ليلة أسري بي ، وأصبحت بمكة ، فظعت أمري ، وعرفت أن الناس مكذبي .
قال : فمر عدو الله أبو جهل المستهزئ : هل كان من شيء ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم .
قال : فلم ير أنه يكذبه ، مخافة أن يجحده الحديث إذا دعا قومه إليه .
قال : أرأيت إن دعوت قومك تحدثهم ما حدثتني ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم .
فانطلق أبو جهل فقال : هيا يا معشر بني لؤي .
قال : فانتفضت إليه المجالس ، وجاءوا حتى جلسوا إليهما .
فقال أبو جهل : حدث قومك بما حدثتني .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني أسري بي الليلة .
قالوا : ثم أصبحت بين ظهرانينا ؟
فإذا بالقوم بين واضع يده على رأسه متعجبا للكذب .
قالوا : وهل تستطيع أن تنعت لنا المسجد ؟ - وفي القوم من سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذهبت أنعت ، فما زلت أنعت حتى التبس على بعض النعت ، قال : فجيء بالمسجد وأنا أنظر ، حتى وضع دون دار عقيل ، فنعته وأنا أنظر إليه .
قال : فقال القوم : أما النعت فوالله لقد أصاب .
وعن الحسن : أنه في يوم الحديث عن الإسراء : ارتد كثير ممن كان أسلم ، وذهب الناس إلى أبي بكر فقالوا له : هل لك يل أبا بكر في صاحبك ؟ يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة .
فقال لهم أبو بكر : إنكم تكذبون عليه ؟
فقالوا : لا ، ها هو ذاك في المسجد يحدث به الناس .
قال أبوا بكر : لئن كان قاله لقد صدق ، فما يعجبكم من ذلك ؟ فوالله إنه يخبرني أن الخبر ليأتيه من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه ، فهذا أبعد مما تعجبون منه .
ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا نبي الله ، أحدثت هؤلاء القوم أنك أتيت بيت المقدس هذه الليلة ؟
قال : يا نبي الله فصفه لي ، فإني قد جئته ؟
قال الحسن : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فرفع لي حتى نظرت إليه . فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصف لأبي بكر ويقول أبو بكر : صدقت ، أشهد أنك رسول الله ، وكلما وصف له منه شيئا ، قال صدقت أشهد أنك رسول الله قال : حتى انتهى .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأنت يا أبا بكر : ( الصديق ) .
هذا هو الموجز لما ترويه السنة مؤيدة للقرآن عن هذا النبإ الجليل ، ولقد حاول ابن إسحاق أن يبين الحكمة في هذا الحادث فقدم- حسبما يروي ابن هشام- لحديث الإسراء بكلمة نفيسة يقول فيها :
وكان في مسراه ، وما ذكر منه ، بلاء وتمحيص ، وأمر من أمر الله في قدرته وسلطانه فيه عبرة لأولي الألباب ، وهدى ورحمة وثبات لمن آمن بالله وصدق . وكان من أمر الله على اليقين .
فأسرى به كيف شاء ، وكما شاء ؛ ليريه من آياته الكبرى ، حتى عاين ما عاين من أمره وسلطانه العظيم ، وقدرته التي يصنع بها ما يريد .
يقول الإمام البوصيلي في ( همز يته ) :
فطوى الأرض سائرا والسماوا *** ت العلا فوقها له إسراء
فصف الليلة التي كان للمختا *** ر فيها على البراق استواء
وترقى به إلى قاب قوسين *** وتلك السيادة القعساء
رتب تسقط الأماني حسرى *** دونها ما وراءهن وراء
ثم وافى يحدث شكرا *** إذا أتته من ربه النعماء
وتحدى فارتاب كل مريب *** أو يبقى مع السيول الغثاء
ويقول شوقي في قصيدته التي عارض فيها الإمام البوصيري :
يتساءلون وأنت أطهر هيكل *** بالروح أم بالهيكل الإسراء
بهما سموت مطهرا وكلاهما *** نور وروحانية وبهاء
فضل عليك لذى الجلال ومنة *** والله يفعل ما يرى ويشاء
تغشى العيون من العوالم كلما *** طويت سماء قلدتك سماء
في كل منطقة حواشي نورها *** نون وأنت النقطة الزهراء
أنت الجمال بها وأنت المجتلي *** والكف والمرآة والحسناء
الله هيأ من حظيرة قدسه *** نزلا لذاتك لم يجزه علاء
العرش تحتك سدة وقوائم *** ومناكب الروح الأمين وطاء
و الرسل دون العرش لم يؤذن لهم *** حاشا لغيرك موعد ولقاء
عنى الفلاسفة والمتصوفون الإسلاميون بتلمس حكمة الإسراء ، وكان الصوفية يجدون فيها دليلا عمليا على أهمية العناية بالنفس الإسلامية ، وأن الروح سر من أسرار الله في الإنسان ، إذا تطهرت من سيطرة المادة وزاد تعلقها بالحق والخير ، فإنها تسمو إلى الملأ الأعلى ، بل إن الروح إذا عظمت العناية بها صارت أقصى من الجسد وتلاشت مادية الجسم أمام سمو الروح وانطلاقها .
ويذكرون أن الرياح أن الرياح أجسام لطيفة فقط ، وليست روحية مع أنها تزعزع الأشجار الباسقة وتقتلع الأوتاد العاتية وتفتت الصخور الجاثمة .
والكهرباء- وهي من اللطافة بحيث ترى آثارها ولا ترى آثارها ولا ترى حقيقتها- تحول خواص الأجسام إلى أضدادها وتبعث اليوم في الدنيا حياة جديدة ، فهي تحمل الأثقال وتقلقل الجبال وترسل الصواعق فتنشر الضوء وتؤجج النيران ، وهذا يعطينا دليلا على مدى ما للأجسام اللطيفة من سلطان على المادة .
فالإسراء بالنبي ليلا وصعوده إلى السماوات العلا أثر من آثار تزكية النفس وتطهيرها ، بل إن مروره في السماوات على الملائكة يمكن أن يدل على منازل الأنبياء ، وتكون السماء إشارة إلى كل ما علاك ومنازل الأنبياء في السماوات حسب درجاتهم وجهادهم ، ويكون لرسول الله منزلة أعلى ، تجاوزت في روحانيتها آدم في سمائه الأولى ، ثم تجاوزت يحيى وعيسى في الثانية ، ويوسف في الثالثة ، وإدريس في الرابعة ، وهارون في الخامسة ، وموسى في السادسة ، وإبراهيم في سمائه السابعة .
تجاوز رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ذلك وتجاوز الكون كله إلى سدرة المنتهى وإلى شجرة النهاية ، ثم إلى حيث لا يبلغ ملك مقرب ولا نبي مرسل إلى قاب قوسين أو أدنى{[330]} .
إذا كانت التوجيهات السابقة ، إنما كانت لتدلنا على مقام رسول الله ، صلوات الله عليه وسلامه ، فنزداد بذلك تقديرا وحبا وإتباعا ، فإن من هدى الله سبحانه وتعالى وتوجيهاته في نبإ الإسراء والمعراج : هذه الرمزيات الأخلاقية التي تربط ربطا محكما بين الدين والأخلاق .
والواقع أن الأخلاق في جو الإسلام مرتبطة بالدين ارتباطا لا ينفصل ، منه تنبع ، وعلى أساسه تقوم ، وعنه تصدر ؛ لأنها جزء من الدين الإسلامي لا يتجزأ ، مصدرها هو مصدره : إلهي رباني .
وبعض الناس في العصر الحديث يريد أن يجعل للأخلاق مصادر أخرى ، يريد بعضهم أن يجعل أساس الأخلاق الضمير ، بيد أن ذلك خطأ بين ، فالضمير يربي ويكون ، وتربيته وتكوينه هما شكله ، ونزعته واتجاهه ، الذي يتكيف بحسب الثقافة والبيئة والعصر والوسط .
إن الضمير يصنع كما تصنع المزيقات ، وهو إذن مقياس للأخلاق خاطئ .
وبعض الناس يريد أن يرجع بالأخلاق إلى المصلحة العامة ، ولكن المصلحة العامة كلمة غير محددة ، وكل من يتحدث باسم المصلحة العامة إنما يتحدث باسم فكرته هو ، منحرفة كانت هذه الفكرة أو غير منحرفة .
فالمصلحة العامة إذن كأساس للأخلاق إنما هي : أساس غير مضمون .
وبعض الناس يريد أن يرجع بالأخلاق إلى المصلحة الشخصية أو إلى اللذة ، أو إلى المنفعة . وكل هذا وارد الغرب الأوروبي ، أو الغرب الأمريكي عندما انحرف هذا الغرب وألحد .
أما وارد الشرق الإسلامي ، أو بتعبير أدق ، وارد الإسلام الإلهي ، فإن مقياس الأخلاق فيه : إنما هو المبادئ الدينية ، إنما هو آيات القرآن ، وإنما هو الفضائل التي أوحاها الله سبحانه وتعالى ، هذه الفضائل التي حددها القرآن في أسلوب عربي مبين وتحدث عنها نبأ الإسراء والمعراج في صور رمزية دالة هادفة مؤثرة وبينتها السنة النبوية الشريفة ، وركزها القرآن والسنة على أسس من الإيمان قوية ثابتة ، إنها في رحلة الإسراء والمعراج تكون منهج حياة مؤسسة على الإيمان بالله ورسوله{[331]} .
لعله أصبح واضحا أن الإسراء هو الانتقال بالنبي من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى .
وأن المعراج هو العروج به إلى السماوات العلا .
ولعل سائلا يسأل ، هل كان الإسراء بالروح والجسد أم بالروح وحدها ويمكن أن نوضح الجواب بما يأتي :
1- أكثر العلماء أن الإسراء كان بالروح والبدن يقظة لا مناما ولهم على ذلك أدلة :
( أ ) أنه لو كان مناما ما كانت قريش تبادر إلى تكذيبه ، ولما قالت أم هانىء : لا تحدث الناس فيكذبوك ، ولما فضل أبو بكر بالصديق ، وجاء في الحديث عن أبي هريرة أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي ، فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها ، ( لم أعرفها حق المعرفة ) . فكربت كربا ما كربت مثله قط . فرفعه الله لي أنظر إليه ، فما سألوني عن شيء إلا أنبأهم به ( الحديث ){[332]} .
( ب ) أن التسبيح والتعجب- في قوله : { سبحان الذي أسرى بعبده }- إنما الأمور العظام ، ولو كان ذلك مناما لم يكن فيه كبير شأن ، ولم يكن مستعظما .
( ج ) أن قوله : بعبده يدل على مجموع الروح والجسد .
( د ) أن ابن عباس قال في قوله : { وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس } ؛ هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى لله عليه وسلم ليلة أسري به ويؤيده أن العرب قد تستعمل الرؤيا في المشاهدة الحسي ، ألا ترى إلى قول الراعي يصف صائدا :
وكبر للرؤيا وهش فؤاده *** وبشر قلبنا كان جما بلابله
( ه ) أن الحركة بهذه السرعة ممكنة في نفسها ، فقد جاء في القرآن أن الرياح كانت تسير بسليمان عليه السلام إلى المواضع البعيدة في الأوقات القليلة ، قال تعالى : { غدوها شهر ورواحها شهر } . وجاء فيه أن الذي عنده علم من الكتاب أحضر عرش بلقيس من أقصى الشام في مقدار لمح البصر ، كما قال تعالى : { قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك } . وإذا جاز هذا لدى طائفة من الناس جاز لدى النبي بالأولى .
ويرى آخرون أن الإسراء كان بالروح فحسب ، ولهم على ذلك حجج :
( أ ) أن معاوية بن أبي سفيان كان إذا سأل عن سري رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( كان رؤيا من الله صادقة ) ، وقد ضعف هذا ؛ بأن معاوية يومئذ كان من المشركين فلا يقبل خبره في مثل هذا ، أو أن هذا رأى لمعاوية لا سند له .
( ب ) أن بعض آل بني بكر قال : كانت عائشة تقول : ما فقدت جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن أسري بروحه ، ونقدوا هذا ؛ بأن عائشة يومئذ كانت صغيرة ولم تكن زوجا لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
( ج ) أن الحسن قال : في قوله : { وما جعلنا الرؤيا . . . } الآية ، أنها رؤيا منام رآها ، والرؤيا تختص بالنوم .
قال أبو جعفر الطبري : الصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن الله أسري بعبده محمد صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى كما أخبر الله عباده ، وكما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن حمله على البراق حتى أتاه به وصلى هناك بمن صلى من الأنبياء والرسل فأراه ما أراه من الآيات ولا معنى لقول من قال : أسري بروحه دون جسده ؛ لأن ذلك لو كان كذلك لم يكن في ذلك ما يوجب أن يكون دليلا على نبوته ، ولا حجة على رسالته ، ولا كان الذي أنكروا حقيقة ذلك من أهل الشرك كانوا يدفعون به عن صدقه فيه ؛ إذ لم يكن منكرا عندهم ، ولا عند أحد من ذوي الفطرة الصحيحة من بني آدم أن يرى الرائي منهم في المنام ما على مسيرة سنة ، فكيف ما هو مسيرة شهر أو أقل- وبعد فإن الله إنما أخبر في كتابه : أنه أسري بعبده ولم يخبرنا بأنه أسري بروح عبده ، وليس جائزا لأحد أن يتعدى ما قال الله إلى غيره- إلى أن الأدلة الواضحة والأخبار المتابعة عن رسول الله صلى اله عليه وسلم أن الله أسري به على دابة يقال لها : البراق ، ولو كان الإسراء بروحه لم تكن الروح محمولة على البراق ، إذ كانت الدواب لا تحمل إلا الأجساد . 1ه .
أن الذي عليه المعول عند جمهرة المسلمين أنه أسري به عليه السلام يقظة لا مناما من مكة إلى بيت المقدس راكبا البراق ، فلما انتهى إلى باب المسجد ربط الدابة عند الباب ودخله يصلي في قبلته تحية المسجد ركعتين وعرج به إلى السماء وعاد منها ثم ركب البراق وعاد إلى مكة قبل الفجر .
10- إننا لنقف قليلا عند هذين الحادثين الجليلين ؛ لنستخلص منهما أمورا هي غاية في العظة والاعتبار :
1- أن هاتين الرحلتين : الرحلة الأرضية ( الإسراء ) والرحلة السماوية ( المعراج ) حدثتا في ليلة واحدة قبل الهجرة بسنة ؛ ليمحص الله المؤمنين ويبين منهم صادق الإيمان ومن في قلبه مرض ؛ فيكون الأول خليقا بصحبة رسوله الأعظم إلى دار الهجرة والانضواء تحت لوائه ، وجديرا بما يحتمله من أعباء عظام وتكاليف شاقة من حروب دينية ، وقيام بدعوة عظيمة تستتبع همة قعساء وإنشاء دولة تبتلع المعمور في ذلك الحين شرقا وغربا .
2- أن الله أطلع رسوله على ما في هذا الكون أرضية وسماوية من العظمة والجلال ؛ ليكون ذلك درسا عمليا ؛ لتعليم رسوله بالمشاهدة والنظر ، فإن التعليم بالمشاهدة أجدى أنواع التعليم ، فهو وإن لم يذهب إلى مدرسة أو يجلس إلى معلم أو يسبح في أرجاء المعمورة أو يصعد بالآيات العلمية إلى السماء ؛ فقد كفل له ربه ذلك بما أراه من آياته الكبرى وما أطلعه من مشاهدة تلك العوالم التي لا تصل أذهاننا إلى إدراك كنهها إلا بضرب من التخيل والتوهم ، فأنّى لنا أن نصل إلى ذلك وقد حبس عنا الكثير من العلم ولم نؤت إلا قليله { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } .
3- أن ما يجد كل يوم من ضروب المخترعات والتوصل بها إلى طي المسافات بوسائل الطائرات والنفاثات والأقمار الصناعية ، جعلنا نعتقد أن ما جاء في وصف هاتين الرحلتين- من الأمور الميسورة التي ليست بالعزيزة الحصول أو الأمور المستحيلة .
4- أن روحانية الأنبياء تتغلب على كثافة أجسامهم ، فما يخيل إلينا من العوائق العملية من صعوبة الوصول إلى الملإ الأعلى ؛ لتخلخل الهواء واستحالة الوصول إلى الطبقات العليا من السماء ، فهو إنما يكون بالنظر إلى الأجرام والأجسام المشاهدة في عالم الحس ، وأن لروحانية الأنبياء والملائكة أحكاما لم يصل العقل البشري إلى تحديدها وإبداء الرأي فيها وإنها لفوق مستوى إدراكه ، فأجدر بنا ألا نطيل البحث فيها ولا التعمق في استقصاء آثارها .
5- أن ما جاء في الحديث من أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى إماما بالأنبياء في عالم السماوات ؛ ليرشد أن محمدا صلى الله عليه وسلم جاء بشريعة ختمت الشرائع السابقة كلها ، وأتمتها ومن أوتوها ألقوا الزعامة إليه وصاروا مؤتمين به .
6- أن في هذا مغزى جديرا بطويل التأمل والتفكر وهو أن جميع الأنبياء كانوا في وفاق ووئام في الملكوت الأعلى- بالقرب من ربهم الذي أرسلهم- أفلا يجدر بمتّبعيهم أن يقتفوا سنة رسلهم وأن يجعلوا أمرهم بينهم سلما لا حربا ، وأن يجعلوا الشريعة الأخيرة والقانون الذي جاءت به هو الشريعة التي يقضى بها بين الناس كما هو متبع في القوانين الوضعية ، فإن الذي يجب العمل به هو القانون الأخير منها .
وتسمى الإسراء وسبحان أيضا وهي كما أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم مكية وكونها كذلك بتمامها قول الجمهور وقال صاحب الغنيان بإجماع وقيل إلا آيتين ( وإن كادوا ليفتنونك ) ( وإن كادوا ليستفزونك ) وقيل إلا أربعا هاتان وقوله تعالى : ( وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس ) وقوله سبحانه : ( وقل رب أدخلني مدخل صدق ) وزاد مقاتل قوله سبحانه : ( إن الذين أوتوا العلم من قبله ) الآية وعن الحسن إلا خمس آيات ( ولا تقتلوا النفس ) الآية ( ولا تقربوا الزنا ) الآية ( أولئك الذين يدعون ) الآية ( أقم الصلاة ) الآية ( وآت ذا القربى حقه ) الآية وقال قتادة : إلا ثماني آيات وهي قوله تعالى : ( وإن كادوا ليفتنونك ) إلى آخرهن وقيل غير ذلك وهي مائة وعشر آيات عند الجمهور وإحدى عشرة عند الكوفيين وكان صلى الله تعالى عليه وسلم كما أخرج أحمد والترمذي وحسنه والنسائي وغيرهم عن عائشة يقرؤها والزمر كل ليلة وأخرج البخاري وابن الضريس وابن مردويه عن ابن مسعود أنه قال في هذه السورة والكهف ومريم وطه والأنبياء هن من العتاق الأول وهن من تلادي وهذا وجه في ترتيبها ووجه اتصال هذه بالنحل كما قال الجلال السيوطي أنه سبحانه كما قال في ءاخرها ( إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ) ذكر في هذه شريعة أهل السبت التي شرعها سبحانه لهم في التوراة فقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : إن التوراة كلها في خمس عشرة ءاية من سورة بني إسرائيل وذكر تعالى فيها عصيانهم وإفسادهم وتخريب مسجدهم واستفزازهم النبي صلى الله عليه وسلم وإرادتهم إخراجه من المدينة وسؤالهم إياه عن الروح ثم ختمها جل شأنه بآيات موسى عليه السلام التسع وخطابه مع فرعون وأخبر تعالى أن فرعون أراد أن يستفزهم من الآرض فأهلك وورث بنو إسرائيل من بعده وفي ذلك تعريض بهم أنهم سينالهم ما نال فرعون حيث أرادوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ما أراد هو بموسى عليه السلام وأصحابه ولما كانت هذه السورة مصدرة بقصة تخريب المسجد الأقصى افتتحت بذكر إسراء المصطفى صلى الله عليه وسلم تشريفا له بحلول ركابه الشريف جبرا لما وقع من تخريبه وقال أبو حيان في ذلك : إنه تعالى لما أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالصبر ونهاه عن الحزن على الكفرة وضيق الصدر من مكرهم وكان من مكرهم نسبته صلى الله عليه وسلم إلى الكذب والسحر والشعر وغير ذلك مما رموه وحاشاه به عقب ذلك بذكر شرفه وفضله وعلو منزلته عنده عز شأنه وقيل : وجه ذلك اشتمالها على ذكر نعم منها خاصة ومنها عامة وقد ذكر في سورة النحل من النعم ما سميت لأجله سورة النعم واشتمالها على ذكر شأن القرآن العظيم كما اشتملت تلك وذكر سبحانه هناك في النحل ( يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس ) وذكر ههنا في القرآن ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ) وذكر سبحانه في تلك أمره بإيتاء ذي القربى وأمر هنا بذلك مع زيادة في قوله سبحانه : ( وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا ) وذلك بعد أن أمر جل وعلا بالإحسان بالوالدين اللذين هما منشأ القرابة إلى غير ذلك مما لا يحصى فليتأمل والله تعالى الموفق
{ بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ } سبحان هنا على ما ذهب إليه بعض المحققين مصدر سبح تسبيحاً بمعنى نزه تنزيهاً لا بمعنى قال سبحان الله ؛ نعم جاء التسبيح بمعنى القول المذكور كثيراً حتى ظن بعضهم أنه مخصوص بذلك وإلى هذا ذهب صاحب القاموس في شرح ديباجة الكشاف ، وجعل سبحانمصدر سبح مخففاً وليس بذاك ، وقد يستعمل علماً للتنزيه فيقطع عن الإضافة لأن الأعلام لا تضاف قياساً ويمنع من الصرف للعلمية والزيادة واستدل على ذلك بقول الأعشى :
قد قلت لما جاءني فخره . . . سبحان من علقمة الفاخر
وقال الرضى : لا دليل على علميته لأنه أكثر ما يستعمل مضافاً فلا يكون علماً وإذا قطع فقد جاء منوناً في الشعر كقوله :
سبحانه ثم سبحاناً نعوذ به . . . وقبلنا سبح الجودى والجمد
سبحانك اللهم ذو السبحان . . . ولا مانع من أن يقال في البيت الذي استدلوا به : حذف المضاف إليه وهو مراد للعلم به وأبقى المضاف على حاله مراعاة لأغلب أحواله أي التجرد عن التنوين كقوله :
خالط من سلمى خياشيم وفا . . . انتهى ، وظااهر كلام الزمخشري أنه علم للتسبيح دائماً وعو على جنس لأن علم الجنس كما يوضع للذوات يوضع للمعاني فلا تفصيل عنده ، وانتصر له صاحب الكشف فقال : إن ما ذهب إليه العلامة هو الوجه لأنه إذا ثبتت العلمية بدليلها فالإضافة لا تنافيها وليست من باب زيد المعارك لتكون شاذة بل من باب حاتم طى وعنترة عبس وذكر أنه يدل على التنزيه البليغ وذلك من حيث الاشتقاق من السبح وهو الذهاب والإبعاد من الآرض ثم ما يعطيه نقله إلى التفعيل ثم العدول عن المصدر إلى الاسم الموضوع له خاصة لا سيما وهو علم يشير إلى الحقيقة الحاضرة في الذهن وما فيه من قيامه مقام المصدر مع الفعل فإن انتصابه بفعل متروك الإضهار ولهذا لم يجز استعماله إلا فيه تعالى أسماؤه وعظم كبرياؤه ، وكأنه قيل : ما أبعد الذي له هذه القدرة عن جميع النقائص فلا يكون اصطفاؤه لعبده الخصيص به إلا حكمة وصواباً انتهى .
وأورد على ما ذكره أولا أن منع إضافة العلم قياساً لم يفرق بين إضافة وإضافة فإن ادعى أن بعض الأعلام اشتهرت بمعنى كحاتم بالكرم فيجوز في نحوه الإضافة لقصد التخصيص ودفع العموم الطارىء فما نلأحن فيه ليس من هذا القبيل كما لا يخفى . وما ذكر من دلالته على التنزيه من جميع النقائص هو الذي يشهد له المأثور ، ففي العقد الفريد عن طلحة قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير سبحان الله فقال : تنزيه لله تعالى عن كل سوء .
وقال الطيبي في قول الزمخشري : إنه دل على التنزيه البليغ عن جميع القبائح التي يضيفها إليه أعداء الله تعالى إن ذلك مما يأباه مقام الإسراء إباء العيوف الورود وهو مزيف بل معناه التعجب كما قال في النور الأصل في ذلك أن يسبح الله تعالى عند رؤية العجيب من صنائعه ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه وليس بشيء ، ففي الكشف أن التنزيه لا ينافي التعجب كما توهم واعترض ، وجعله مداراً والتعجب تبعاً ههنا هو الوجه بخلاف آية النور ، وذكر بعضهم أن الظاهر من كلام الكشاف في مواضع أنه لا يرتضي الجمع بين التنزيه والتعجب للمنافاة بينهما بل لأن كلا منهما معنى مستقل فالجمع بينهما جمع بين معنى المشترك ، وعلى الجمع فالوجه ما ذكر أنه الوجه فافهم ، وقيل إن سبحان ليس علماً أصلاً بلا تفصيل ففيه ثلاثة مذاهب ، وذكر بعضهم أنه في الآية على معنى الأمر أي نزهو الله تعالى وبرئوه من جميع النقائص ويدخل فيها العجز عما بعد أو من العجز عن ذلك ، والمتبادر اعتبار المضارع ، والإسراء السير بالليل خاصة كالسرى فأسرى وسرى بمعنى( {[548]} ) وليست همزة أسرى للتعدية كما قال أبو عبيدة ، وقال ابن عطية : الهمزة للتعدية والمفعول محذوف أي أسري ملائكته بعبده ، قال في البحر : وإنما احتاج إلى هذه الدعوى لاعتقاد أنه إذا كان أسرى بمعنى سرى لزم من كون الباء للتعدية مشاركة الفاعل للمفعول وهذا شيء ذهب إليه المبرد فإذا قلت : قمت بزيد يلزم منه قيامك وقيام زيد عنده وإذا جعلت الباء كالهمزة لا يلزم ذلك كما لا يخفى ، وقال أيضاً : يحتمل أن يكون أسري بمعنى سرى على حذف مضاف وإقامة المضاف إليه مقامه والأصل أسلاي ملائكته وهو مبني على ذلك الاعتقاد أيضاً ، وقال الليث : يقال أسري لأول الليل وسرى لآخره وأما سار فالجمهور على أنه عام لا اختصاص له بليل أو نهار . وقيل إنه مختص بالنهار وليس مقلوباً من سرى ، وإيثار لفظة العبد للإيذان بتمحضه صلى الله عليه وسلم في عبادته سبحانه وبلوغه في ذلك غاية الغايات القاصية ونهاية النهايات النائية حسبما يلوح مبدأ الإسراء ومنتهاه ، والعبودية على ما نص عليه العارفون أشرف الأوصاف وأعلى المراتب وبها يفتخر المحبون كما قيل :
لا تدعني إلا بيا عبدها . . . فإنه أشرف أسمائي
بالله ان سألوك عني قل لهم . . . عبدي وملك يدي وما أعتقته
وعن أبي القاسم سليمان الأنصاري أنه قال : لما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الدرجات العالية والمراتب الرفيعة أوحى الله تعالى إليه يا محمد بم ننشرفك ؟ قال : بنسبتي إليك بالعبودية فأنزل الله تعالى { سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ } وجاء قولوا عبد الله ورسوله ، وقيل إن في التعبير به هنا دون حبيبه مثلا سداً لباب الغلو فيه صلى الله عليه وسلم كما وقع للنصارى في نبيهم عليه السلام ، وذكروا أنه لم يعبر الله تعالى عن أحد بالعبد مضافاً إلى ضمير الغيبة المشار به إلى الهوية إلا النبي صلى الله عليه وسلم وفي ذلك من الإشارة ما فيه ، ومن تأمل أدنى تأمل ما بين قوله تعالى : { سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ } وقوله تعالى :
{ وَلَمَّا جَاء موسى لميقاتنا } [ الأعراف : 143 ] ظهر له الفرق التام بين مقام الحبيب ومقام الكليم صلى الله عليه وسلم وسيأتي إن شاء الله تعالى قريباً في هذه السورة ما يفهم منه الفرق أيضاً فلا تغفل ، وإضافة { سبحانه } إلى الموصول المذكور للأشعار بعلية ما حيز الصلة للمضاف فإن ذلك من أدلة كمال قدرته وبالغ حكمته وغاية تنزهه تعالى عن صفات النقص ، وقوله تعالى : { لَيْلاً } ظرف لأسرى ، وفائدته الدلالة بتنكيره على تقليل مدة الإسراء وأنها بعض من أجزاء الليل ولذلك قرأ عبد الله . وحذيفة { مِّنَ اليل } أي بعضه كقوله تعالى : { وَمِنَ اليل فَتَهَجَّدْ } [ الإسراء : 79 ] .
واعترض بأن البعضية المستفادة من من التبعيضية هي البعضية في الأجزاء والبعضية المستفادة من التنكير البعضية في الأفراد والجزئيات فكيف يستفاد من التنكير أن الإسراء كان في بعض من أجزاء الليل فالصواب أن تنكيره لدفع توهم أن الإسراء كان في ليال أو لإفادة تعظيمه كما هو المناسب للسياق والسياق أي ليلا أي ليل دنا فيه المحب إلى المحبوب وفاز مقام الشهود بالمطلوب . وأجاب عن ذلك بعض الكاملين بما لا يخفى نقصه . وقال بعض المحققين : إن ما ذكر قد نص عليه الشيخ عبد القاهر في دلائل الاعجاز ولا يرد عليه الاعتراض ابتداء .
وتحقيقه على ما صرح به الفاضل اليمني نقلاً عن سيبويه . وابن مالك أن الليل والنهار إذا عرفا كانا معياراً للتعميم وظرفاً محدوداً فلا تقول صحبته الليلة وأنت تريد ساعة منها إلا أن تقصد المبالغة كما تقول أتاني أهل الدنيا لناس منهم بخلاف المنكر فإنه لا يفيد ذلك فلما عدل عن تعريفه هنا علم أنه لم يقصد استغراق السرى له وهذا هو المراد من البعضية المذكورة ولا حاجة إلى جعل الليل مجازاً عن بعضه كما إنك إذا قلت جلست في السوق وجلوسك في بعض أماكنه لا يكون فيه السوق مجازاً كما لا يخفى ، وقد أشار إلى هذا المدقق في الكشف ، وقيل : المراد بتنكيره أنه وقع في وسطه ومعظمه كما يقال جاءني فلان بليل أي في معظم ظلمته فيفيد البعضية أيضاً ، وينافيه ما سيأتي إن شاء الله تعالى في الحديث ، وزعم أن ذكر { لَيْلاً } للتأكيد أو تجريد الإسراء وإرادة مطلق السير منه ناشىء من قلة البضاعة كما لا يخفى .
وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان حكمة كون الإسراء ليلاً { مّنَ المسجد الحرام } .
الظاهر أن المراد به المسجد المشهور بين الخاص والعام بعينه وكان صلى الله عليه وسلم إذ ذاك في الحجر منه ، فقد أخرج الشيخان . والترمذي . والنسائي من حديث أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا أنا في الحجر وفي رواية في الحطيم بين النائم واليقظان إذ أتاني آت فشق ما بين هذه إلى هذه فاستخرج قلبي فغسله ثم أعيد ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض يقال له البراق فحملت عليه » الحديث ، وفي بعض الروايات أنه جاءه جبريل وميكائيل عليهما السلام وهو مضطجع في الحجر بين عمه حمزة وابن عمه جعفر فاحتملته الملائكة عليهم السلام وجاؤوا به إلى زمزم فألقوه على ظهره وشق جبريل صدره من ثغرة نحره إلى أسفل بطنه( {[549]} ) بغير آلة ولا سيلان دم ولا وجود ألم ثم قال لميكائيل : ائتني بطست من ماء زمزم فأتاه به فاستخرج قلبه الشريف وغسله ثلاث مرات ثم أعاده إلى مكانه وملأه إيماناً وحكمة وختم عليه ثم خرج به إلى باب المسجد فإذا بالبراق مسرجا ملجماً فركبه الخبر ، ويعلم منه الجمع بين ما ذكر من أنه عليه الصلاة والسلام كان إذ ذاك في الحجر وما قيل إنه كان بين زمزم والمقام ، وقيل : المراد به الحرم وأطلق عليه لإحاطته به فهو مجاز بعلاقة المجاورة الحسية والإحاطة أو لأن الحرم كله محل للسجود ومحرم ليس يحل فهو حقيقة لغوية والنكتة في هذا التعبير مطابقة المبدى المنتهى .
وكان صلى الله عليه وسلم إذ ذاك في دار فاختة( {[550]} ) أم هانىء( {[551]} ) بنت أبي طالب ؛ فقد أخرج النسائي عن ابن عباس وأبو يعلى في مسنده ، والطبراني في الكبير من حديثها أنه صلى الله عليه وسلم كان نائماً في بيتها بعد صلاة العشاء فأسري به ورجع من ليلته وقص القصة عليها ، وقال مثل لي النبيون فصليت بهم ثم خرج إلى المسجد وأخبر به قريشاً فمن مصفق وواضع يده على رأسه تعجباً وإنكاراً وارتد أناس ممن آمن به عليه الصلاة والسلام وسعى رجال إلى أبي بكر فقال : إن كان قال ذلك لقد صدق قالوا تصدقه على ذلك قال : إني أصدقه على أبعد من ذلك أصدقه بخبر السماء غدوة أو روحة فسمى الصديق ، وكان في القوم من يعرف بين المقدس فاستنعتوه إياه فجلى له فطفق ينظر إليه وينعته لهم فقالوا : أما النعت فقد أصاب فيه فقالوا : أخبرنا عن عيرنا فهي أهم إلينا هل لقيت منها شيئاً ؟ قال : نعم مررت بعير بني فلان وهي بالروحاء وقد أضلوا بعيراً لهم وهم في طلبه وفي رحالهم قدح من ماء فعطشت فأخذته وشربته ووضعته كما كان فاسألوا هل وجدوا الماء في القدح حين رجعوا ؟ قالوا : هذه آية قال : ومررت بعير بني فلان وفلان وفلان راكبان قعوداً فنفر بعيرهما مني فانكسر فاسألوهما عن ذلك قالوا : هذه آية أخرى ، ثم سألوه عن العدة والاحمال والهيئات فمثلت له العير فاخبرهم عن كل ذلك وقال : تقدم( {[552]} ) يوم كذا مع طلوع الشمس وفيها فلان وفلان يقدمها جمل أورق عليه غرارتان مخيطتان قالوا .
وهذه آية أخرى فخرجوا يشتدون ذلك اليوم نحو الثنية فجعلوا ينظرون متى تطلع الشمس فيكذبوه إذ قال قائل . هذه الشمس قد طلعت وقال آخر : هذه العير قد أقبلت يقدمها بعير أورق فيها فلان وفلان كما قال فلم يؤمنوا وقالوا هذا سحر مبين قاتلهم الله أني يؤفكون وفي بعض الآثار أن أم هانىء قالت : فقدته صلى الله عليه وسلم وكان نائماً عندي فامتنع مني النوم مخافة أن يكون عرض له بعض قريش ويقال إنه تفرقت بنو عبد المطلب يلتمسونه ووصل العباس إلى ذي طوى وهو ينادي يا محمد يا محمد فأجابه صلى الله عليه وسلم فقال : يا ابن أخي أعييت قومك أين كنت ؟ قال : ذهبت إلى بيت المقدس قال : من ليلتك قال : نعم قال : هل أصابك الأخير ؟ قال ما أصابني الأخير وقيل : غير ذلك .
وكما اختلف في مبدأ الإسراء اختلف في سنته فذكر النووي في الروضة أنه كان بعد النبوة بعشر سنين وثلاثة أشهر ، وفي الفتاوي أنه كان سنة خمس أو ست من النبوة ، ونقل عنه الفاضل الملا أمين العمري في شرح ذات الشفاء الجزم بأنه كان في السنة الثانية عشرة من المبعث . وعن ابن حزم دعوى الإجماع على ذلك ، وضعف ما في الفتاوي بأن خديجة رضي الله تعالى عنها لم تصل الخمس وقد ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين . وقيل كان قبل الهجرة بسنة وخمسة أشهر ، وقيل ثلاثة أشهر ، ووقع في حديث شريك بن أبي نمرة عن أنس أنه كان قبل أن يوحى إليه صلى الله عليه وسلم وقد خطأه غير واحد في ذلك ، ونقل الحافظ عبد الحق في كتابه الجمع بين الصحيحين حديث شريك الواقع فيه ذلك بطوله ، ثم قال : هذا الحديث بهذا اللفظ من رواية شريك عن أنس قد زاد فيه زيادة مجهولة وأتى بألفاظ غير معروفة .
وقد روى حديث الإسراء عن أنس جماعة من الحفاظ المتقنين والأئمة المشهورين كابن شهاب . وثابت البناني . وقتادة فلم يأت أحد منهم بما أتى به شريك ، وشريك ليس بالحافظ عند أهل الحديث .
وأجاب عن ذلك محيي السنة وغيره بما ستسمعه إن شاء الله تعالى ، وكذا اختلف في شهره وليلته فقال النووي في الفتاوي : كان في شهر ربيع الأول ، وقال في شرح مسلم تبعاً للقاضي عياض : إنه في شهر ربيع الآخر ، وجزم في الروضة بأنه في رجب ، وقيل : في شهر رمضان ، وقيل : في شوال ، وكان على ما قيل الليل السابعة والعشرين من الشهر وكانت ليلة السبت كما نقله ابن الملقن عن رواية الواقدي ، وقيل : كانت ليلة الجمعة لمكان فضلها وفضل الإسراء ، ورد بأن جبرائيل عليه السلام صلى بالنبي صلى الله عليه وسلم أول يوم بعد الإسراء الظهر ولو كان يوم الجمعة لم يكن فرضها الظهر قاله محمد بن عمر السفري ، وفيه أن العمري ذكر في شرح ذات الشفاء أن الجمعة والجنازة وجبتا بعد الصلوات الخمس ، وفي شرح المنهاج للعلامة ابن حجر إن صلاة الجمعة فرضت بمكة ولم تقم بها لفقد العدد أو لأن شعارها الإظهار وكان صلى الله عليه وسلم بها مستخفياً ، وأول من أقامها بالمدينة قبل الهجرة أسعد بن زرارة بقرية على ميل من المدينة .
ونقل الدميري عن ابن الأثير أنه قال : الصحيح عندي أنها كانت ليلة الاثنين واختاره ابن المنير ، وفي البحر قيل إن الإسراء كان في سبع عشرة من شهر ربيع الأول والرسول صلى الله عليه وسلم ابن إحدى وخمسين سنة وتسعة أشهر وثمانية ووعشرين يوماً ، وحكى أنها ليلة السابع والعشرين من شهر ربيع الآخر عن الجرمى ، وهي على ما نقل السفيري عن الجمهور أفضل الليالي حتى ليلة القدر مطلقاً ، وقيل هي أفضل بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وليلة القدر أفضل بالنسبة إلى أمته عليه الصلاة والسلام ، ورد بأن ما كان أفضل بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم فهو أفضل بالنسبة إلى أمته عليه الصلاة والسلام فهي أفضل مطلقاً نعم لم يشرع التعبد فيها والتعبد في ليلة القدر مشروع إلى يوم القيامة والله تعالى أعلم واختلف أيضاً أنه في اليقظة أو في المنام فعن الحسن أنه في المنام .
وروى ذلك عن عائشة . ومعاوية رضي الله تعالى عنهما ، ولعله لم يصح عنها كما في البحر ، وكان رضي الله تعالى عنها إذ ذاك صغيرة ولم تكن زوجته عليه الصلاة والسلام ، وكان معاوية كافراً يومئذ ، واحتج لذلك بقوله تعالى : { وَمَا جَعَلْنَا الرءيا التي أريناك إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ } [ الإسراء : 60 ] لأن الرؤيا تختص بالنوم لغة ، ووقع في حديث شريك المتقدم ما يؤيده ، وذهب الجمهور إلى أنه في اليقظة ببدنه وروحه صلى الله عليه وسلم والرؤيا تكون بمعنى الرؤية في اليقظة كما في قول الراعي يصف صائداً :
وكبر للرؤيا وهش فؤاده . . . وبشر قلبا كان جماً بلاله
وقال الواحدي : إنها رؤية اليقظة ليلاً فقط وخبر شريك لا يعول عليه على ما نقل عن عبد الحق ، وقال النووي : وأما ما وقع في رواية عن شريك وهو نائم وفي أخرى عنه بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان فقد يحتج به من يجعلها رؤيا نوم ولا حجة فيه إذ قد يكون ذلك أول وصول الملك إليه وليس في الحديث ما يدل على كونه صلى الله عليه وسلم نائماً في القصة كلها .
واحتج الجمهور لذلك بأنه لو كان مناماً ما تعجب منه قريش ولا استحالوه لأن النائم قد يرى نفسه في السماء ويذهب من المشرق إلى المغرب ولا يستبعده أحد ، وأيضاً العبد ظاهر في الروح والبدن ، وذهبت طائفة منهم القاضي أبو بكر . والبغوي إلى تصديق القائلين بأنه في المنام والقائلين بأنه في اليقظة وتصحيح الحديثين في ذلك بأنّ الإسراءكان مرتين إحداهما في نومه صلى الله عليه وسلم قبل النبوة فاسري بروحه توطئة وتيسيراً لما يضعف عنه قوى البشر وإليه الإشارة بقوله تعالى : { وَمَا جَعَلْنَا الرءيا التي أريناك إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ } [ الإسراء : 60 ] ثم أسري بروحه وبدنه بعد النبوة ؛ قال في الكشف : وهذا هو الحق وبه يحصل الجمع بين الأخبار .
وحكى المازري في شرح مسلم قولاً رابعاً جمع به بين القولين فقال : كان الإسراء بجسده صلى الله عليه وسلم في اليقظة إلى بيت المقدس فكانت رؤية عين ثم أسري بروحه الشريفة عليه الصلاة والسلام منه إلى ما فوقه فكانت رؤيا قلب ولذا شنع الكفار عليه عليه الصلاة والسلام قوله : أتيت بيت المقدس في ليلتي هذه ولم يشنعوا عليه قوله فيما سوى ذلك ولم يتعجبوا منه لأن الرؤيا ليست محل التعجب ، وليس معنى الإسراء بالروح الذهاب يقظة كالإنسلاخ الذي ذهب إليه الصوفية والحكماء فإنه وإن كان خارقاً للعادة ومحلاً للتجب أيضاً إلا أنه أمر لا تعرفه العرب ولم يذهب إليه أحد من السلف ، والأكثر على أن المعراج كالإسراء بالروح والبدن ولا استحالة في ذلك فقد ثبت بالهندسة أن مساحة قطر جرم الآرض ألفان وخمسمائة وخمسة وأربعون فرسخاً ونصف فرسخ وأن مساحة قطر كرة الشمس خمسة أمثال ونصف مثل لقطر جرم الآرض وذلك أربعة عشر ألف فرسخ وأن طرف قطرها المتأخر يصل موضع طرفه المتقدم في ثلثي دقيقة فتقطع الشمس بحركة الفلك الأعظم أربعة عشر ألف فرسخ في ثلثي دقيقة من ساعة مستوية .
وذكر الإمام في الأربعين أن الأجسام متساوية في الذوات والحقائق فوجب أن يصح على كل واحد منها ما يصح على غيره من الأعراض لأن قابلية ذلك العرض إن كان من لوازم تلك الماهية فأينما حصلت حصل لزم حصول تلك القابلية فوجب أن يصح على كل منها ما يصح على الآخر ، وإن لم يكن من لوازمها كان من عوارضعا فيعود الكلام فإن سلم وإلا دار أو تسلسل وذلك محال فلا بد من القول بالصحة المذكورة والله تعالى قادر على جميع الممكنات فيقدر على أن يخلق مثل هذه الحركة السريعة في بدن النبي صلى الله عليه وسلم أو فيما يحمله ، وقال العلامة البيضاوي : الاستخالة مدفوعة بما ثبت في الهندسة أن ما بين طرفي قرص الشمس ضعف ما بين طرفي كرة الآرض مائة ونيفاً وستين مرة ثم إن طرفها الأسفل يصل موضع طرفها الأعلى في أقل من ثانية إلى آخر ما قال ، وما ذكرناه هو الصواب في التعبير فإن المقدمتين اللتين ذكرهما ممنوعتان ، أما الأولى بأن النسبة التي ذكرها إنما هي نسبة جرم الشمس إلى جرم الآرض كما برهنوا عليه في باب مقادير الاجرام والابعاد من كتب الهيئة لكنهم قالوا جرم الشمس مثل جرم الآرض مائة وستة وستين مرة وربع مرة وثمن مرة .
والعلامة جعل ذلك نسبة القطر إلى القطر لأنه المتبادر مما بين الطرفين ، وإرادة الجرم منه خلاف الظاهر جداً ، وكان يكفيه لو أراد ذلك أن يقول : قرص الشمس ضعف كرة الآرض فاي معنى لما زاده ، وأما الثانية فإن أراد بالثانية الثانية من دقيقة الدرجة الفلكية التي هي ستون دقيقة فمنعها بما حرره العلامة القطب الشيرازي في نهاية الإدراك حيث قال : مقدار الدرجة الواحدة من مقعر الفلك الأطلس بالأميال 3953439 ميلا فالفلك الأعلى يقطع فيما مقداره من الزمان جزء واحد من خمسة عشر جزءاً من ساعة مستوية وهو ثلث خمسها هذا المقدار من الأميال فإذا تحرك مقدار دقيقة وهي جزء من تسعمائة جزء من ساعة مستوية كان قدر قطعة من المسافة 817551 ميلا وسدس ميل وخمس ربع أو ربع خمس ميل ، ولأن حين ما يبدو قرن الشمس إلى أن تطلع بالتمام يكون بقدر ما يعد واحد من واحد إلى ثلثمائة فبمقدار ما يعد ثلاثين يتحرك الفلك 817551 ميلا وهو ألف وسبعمائة واثنان وثلاثون فرسخاً من مقعره والله تعالى أعلم بما يتحرك محدبه حينئذ فسبحان الله تعالى ما أعظم شأنه اه .
وحاصل ذلك أن الفلك الأعظم يتحرك من ابتداء طلوع جرم الشمس إلى أن يطلع بتمامه سدس درجة وهو عشر دقائق من ستين دقيقة من درجة فلكية ومقدار مساحة هذه الدقائق 006915 أي خمسمائة ألف وتسعة عشر ألفا وستمائة فرسخ وإذا جعلنا هذه الدقائق ثواني كانت ستمائة ثانية فاين الأقل من ثانية .
وإن أراد بالثانية الثانية من دقيقة الساعة التي هي ربع الدرجة الفلكية فسدس الدرجة ههنا يكون ثلثي دقيقة وإذا جعلنا ثلثي الدقيقة ثواني كانا أربعين ثانية وهذه الثواني هي الثواني الستمائة بعينها إلا أن المنجمين لما جعلوا الساعة ستين دقيقة تسهيلاً للحساب والساعة عبارة عن خمسة عشر درجة فلكية اقتضى أن تكون الدرجة الفلكية وكل ثانية من ثواني دقيقة الساعة بخمسة عشر ثانية من ثواني دقيقة الدرجة الفلكية فالخلاف بين ثواني دقائق الدرجة الفلكية وثواني دقيقة الساعة اعتبار لفظي وأجاب عبد الرحمن الكردي الشهير بالفاضل بأن الثانية جزء من ستين جزأً من دقيقة والدقيقة قد تطلق على جزء من ستين جزأً من درجة وقد تطلق على جزء من ستين جزءاً من ساعة وقد تطلق على جزء من ستين جزأً من يوم بليلته ، ومراد العلامة البيضاوي من الثانية الثانية الثالثة لا الثانية الأولى وهو ظاهر ولا الثانية الثانية كما ذهب إليه سعدي جلبي وتبعه ابن صدر الدين ، وفيه أنه يفهم منه أن الفلكيين قد يقسمون اليوم بليلته إلى ستين دقيقة كما يقسمونها إلى الساعات والدرجات والدقائق قسمة يتميز بها أجزاء الزمان ولم يقل بذلك أحد منهم وإنما ذكر ذلك بعضهم تسهيلاً لمعرفة الكسر الزائد على الأيام التامة من السنة لتعرف منه السنة الكبيسة في ثلاث سنين أو أربع سنين وهو بمعزل عما نحن فيه من قطع المسافة البعيدة بالزمان القليل ولو سلمنا ما زعمه كان ناقصاً من مدة حركة الفلك الأعظم من ابتداء طلوع قرص الشمس إلى انتهائه وهو ثلثا دقيقة هما أربعون ثانية وذلك جزء من تسعين جزأً من ساعة مستوية كما حرره العلامة الشيرازي ، وما ذكره من أن الثانية من دقيقة اليوم بليلته عبارة عن أربعة وعشرين ثانية من ثواني دقيقة الساعة ، وهي أقل من ثلثي دقيقة بستة عشر ثانية خطأ على خطأ تلك إذن قسمة ضيزى ، نعم قد أصاب في الرد على الفاضلين وقد أخطأ الفاضل الأول في غير ذلك في هذا المقام كما لا يخفى على من وقف على كلامه وكان له أدنى اطلاع ، على كتب القوم ، ولتداول هذا المبحث بين الطلبة وعدم وجدانهم من يبل غليلهم تعرضنا له بما نرجو أن يبل به الغليل ، هذا والعلماء درجات والله تعالى الموفق لفهم الدقائق فتأمل مرة وثانية وثالثة فلعل الله سبحانه أن يفتح عليك غير ذلك ، وما ذكر من تساوي الأجسام مبني على ما قيل على تركبها من الجواهر الفردة وفيه خلاف النظام والفلاسفة ، والبحث في ذلك طويل ، ولا يستدل على الاستحالة بلزوم الخرق والالتئام ، وقد برهنوا على استحالة ذلك لأنا نقول : إن برهانهم على ذلك أوهن من بيت العنكبوت كما بين في محله ، ولم تتعرض الآية لأنه صلى الله عليه وسلم كان في الإسراء به محمولاً على شيء لكن صحت الأخبار بأنه عليه الصلاة والسلام أسري به على البراق { إلى المسجد الاقصى } وهو بيت المقدس ، ووصفه بالأقصى أي الأبعد بالنسبة إلى من بالحجاز ، وقال غير واحد : إنه سمي به لأنه أبعد المساجد التي تزار من المسجد الحرام وبينهما نحو من أربعين ليلة ، وقيل : لأنه ليس وراءه موضع عبادة فهو أبعد مواضعها ، وقال ابن عطية : يحتمل أن يراد بالأقصى البعيد دون مفاضلة بينه وبين ما سواه وهو بعيد في نفسه للزائرين ، وقيل المراد بعده عن الأقذار والخبائث .
واختلف في ركوب جبريل عليه السلام معه فقيل : ركب خلفه عليه الصلاة والسلام ، والصحيح أنه لم يركب بل أخذ بركابه وميكائيل يقود البراق . واختلف أيضاً في استمراره عليه عليه الصلاة والسلام في عروجه إلى السماء فقيل : عرج عليه ، والصحيح أنه نصب له معراج فعرج عليه ، وجاء في وصفه وعظمه ما جاء ، ووهم الحافظ ابن كثير كما قال الحلبي القائلين ومنهم صاحب الهمزية إن عروجه صلى الله عليه وسلم على البراق . ومن الأكاذيب المشهورة أنه صلى الله عليه وسلم لما أراد العروج صعد على صخرة بيت المقدس وركب البراق فمالت الصخرة وارتفعت لتلحقه فأمسكتها الملائكة ففي طرف منها أثر قدمه الشريف وفي الطرف الآخر أثر أصابع الملائكة عليهم السلام فهي واقفة في الهواء قد انقطعت من كل جهة لا يمسكها إلا الذي يمسك السماء أن تقع على الآرض سبحانه وتعالى ، وذكر العلائي في تفسيره أنه كان للنبي عليه الصلاة والسلام ليلة الإسراء خمسة مراكب ، الأول : البراق إلى بيت المقدس ، الثاني : المعراج منه إلى السماء الدنيا ، الثالث : أجنحة الملائكة منها إلى السماء السابعة ، الرابع : جناح جبريل عليه السلام منها إلى سدرة المنتهى ، الخامس : الرفرف منها إلى قاب قوسين ، ولعل الحكمة في الركوب إظهار الكرامة وإلا فالله سبحانه وتعالى قادر على أن يوصله إلى أي موضع أراد في أقل من طرفة عين ، وقيل لم يكن إلا البراق من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى والمعراج منه إلى حيث شاء الله تعالى وقد كان له عشر مراقي سبعة إلى السموات والثامن إلى السدرة والتاسع إلى المستوى الذي سمع فيه صريف الأقلام والعاشر إلى العرش والله تعالى أعلم .
ومن العجائب ما سمعته عن الطائفة الكشفية والعهدة على الراوي أن للروح جسدين جسد من عالم الغيب لطيف لا دخل للعناصر فيه وجسد من عالم الشهادة كثيف مركب من العناصر والنبي صلى الله عليه وسلم حين عرج به ألقى كل عنصر من عناصر الجسد العنصري في كرته فما وصل إلى فلك القمر حتى ألقى جميع العناصر ولم يبق معه إلا الجسد اللطيف فرقى به حيث شاء الله تعالى ، ثم لما رجع عليه الصلاة والسلام رجع إليه ما ألقاه واجتمع فيه ما تفرق منه ، ولعمري إنه حديث خرافة لا مستند له شرعاً ولا عقلاً .
وذكر مولانا عبد الرحمن الدشتي ثم الجامي أن المعراج إلى العرش بالروح والجسد وإلى ما وراء ذلك بالروح فقط وأنشد بالفارسية :
جو رفرف شد مشرف ازوجودش . . . كرفت ازدست رفرف عرش زودش
بدست عرش تن جون خرقه بكذاشت . . . علم برلا مكان بي خرقه افراشت
كلى برد ندا زين دهليزه يست . . . بدان دركاه وإلا دست بردست
جهت رامهره ازششدر رهانيد . . . مكانرا مركب ازتنكى جهانيد
مكاني يافت خالي ازمكان نيز . . . كه تن محرم نبودا نجا وجان نيز
ولم أقف على مستند له من الآثار وكأنه لاحظ أن العروج فوق العرش بالجسد يستدعي مكاناً ، وقد تقرر عند الحكماء أن ما وراء العرش لا خلا ولا ملا وبه تنتهي الأمكنة وتنقطع الجهات ، وقال بعضهم : أمر المعراج أجل من أن يكيف وماذا عسى يقال سوى أن المحب القادر الذي لا يعجزه شيء دعا حبيبه الذي خلقه من نوره إلى زيارته وأرسل إليه من أرسل من خواص ملائكته فكان جبريل هو الآخذ بركابه وميكائيل الآخذ بزمام دابته إلى أن وصل إلى ما وصل ثم تولى أمره سبحانه بما شاء حتى حصل فأي مسافة تطول على ذلك الحبيب الرباني وأي جسم يمتنع عن الخرق لذلك الجسد النوراني :
جز بحزوى فثم عالم لطف . . . من بقايا أجساده الأرواح
ومن تأمل في العين وإحساسها بالقريب والبعيد ولو كان فاقدها وذكر له حالها لأنكر ذلك إنكاراً ما عليه مزيد ، وكذا في غير ذلك من آثار قدرة الله تعالى الظاهرة في الأنفس والآفاق والواقع على جلالة قدرها الاتفاق لم يسعه إلا تسليم ما نطقت به الآيات وصحت به الروايات ، ويشبه كلام هذا البعض ما قاله بعض شعراء الفرس إلا أن فيه ميلاً إلى مذهب أهل الوحدة وهو قوله :
قصه بيرنك معراج ازمن بيدل مبرس . . . قطره دريا كشت وبيغمر نميدا نم جه شد
والظاهر أن المسافة التي قطعها عليه الصلاة والسلام في مسيره كانت باقية على امتدادها ، ويؤيد ذلك ما ذكره الثعلبي في تفسيره في وصف البراق أنه إذا أتى وادياً طالت يداه وقصرت رجلاه وإذا أتى عقبة طالت رجلاه وقصرت يداه ؛ وكانت المسافة في غاية الطول ، ففي حقائق الحقائق كانت المسافة من مكة إلى المقام الذي أوحى الله تعالى فيه إلى نبيه عليه الصلاة والسلام ما أوحى قدر ثلثمائة ألف سنة ، وقيل : خمسين ألفاً ، وقيل غير ذلك ، وأنه ليس هناك طي مسافة على نحو ما يثبته الصوفية وبعض الفقهاء للأولياء كرامة ، وجهل بعض الحنفية مثبتيه لهم وكفرهم آخرون وليس له وجه ظاهر ، وربما يلزم مثبتيه القول بتداخل الجواهر والفلاسفة والمتكلمون سوى النظام يحيلونه ويبرهنون على استحالته ، وادعى بعضهم الضرورة في ذلك وقالوا : المنع مكابرة ، وقد أثبت الصوفية للأولياء نشر الزمان ولهم في ذلك حكايات عجيبة والله تعالى أعلم بصحتها ، ولم أر من تعرض لذلك من المتشرعين وهو أمر وراء عقولنا المشوبة بالأوهام ، ومثله في ذلك قول من قال : الأزل والأبد نقطة واحدة الفرق بينهما بالاعتبار ، وليس لفهم ذلك عندي إلا المتجردون من جلابيب أبدانهم وقليل ما هم ، وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الإشارة حكاية إنكار طي المسافة أيضاً وذكر ما فيه والله تعالى الموفق .
وإنما أسرى به صلى الله عليه وسلم ليلاً لمزيد الاحتفال به عليه الصلاة والسلام فإن الليل وقت الحلوة والاختصاص ومجالسة الملوك ولا يكاد يدعو الملك لحضرته ليلاً إلا من هو خاص عنده وقد أكرم الله تعالى فيه قوماً من أنبيائه عليهم السلام بأنواع الكرامات وهو كالأصل للنهار ، وأيضاً الاهتداء فيه للمقصد أبلغ من الاهتداء في النهار ، وأيضاً قالوا : إن المسافر يقطع في الليل ما لا يقطع في النهار ومن هنا جاء عليكم بالدلجة فإن الآرض تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهار ، وأيضاً أسري به ليلاً ليكون ما يعرج إليه من عالم النور المحض أبعد عن الشبه بما يعرج منه من عالم الظلمة وذلك أبلغ في الإعجاب .
وقال ابن الجوزي في ذلك : إن النبي صلى الله عليه وسلم سراج والسراج لا يوقد إلا ليلاً وبدر وكذا مسير البدر في الظلم إلى غير ذلك من الحكم التي لا يعلمها إلا الله تعالى ، ثم إن الآية ليست نصاً في دخوله عليه الصلاة والسلام المسجد الأقصى إلا أن الأخبار الصحيحة نص في ذلك ، وقوله سبحانه : { الذى *بركنا حَوْلَهُ } صفة مدح وفيها إزالة اشتراك عارض ، وبركته بما خص به من كونه متعبد الأنبياء عليهم السلام وقبلة لهم وكثرة الأنهار والأشجار حوله ، وفي الحديث أنه تعالى بارك فيما بين العريش إلى الفرات وخص فلسطين بالتقديس ، وقيل : بركته أن جعل سبحانه مياه الآرض كلها تنفجر من تحت صخرته والله تعالى أعلم بصحة ذلك ، وهو أحد المساجد الثلاث التي تشد إليها الرحال ، والأربع التي يمنع من دخولها الدجال فقد أخرج أحمد في المسند أن الدجال يطوف الآرض إلا أربعة مساجد ؛ مسجد المدينة . ومسجد مكة . والأقصى . والطور . والصلاة فيه مضاعفة فقد أخرج أحمد أيضاً . وأبو داود . وابن ماجه عن ميمونة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها قالت : يا نبي الله أفتنا في بيت المقدس قال : أرض المحشر والمنشر ائتوه وصلوا فيه فإن صلاة فيه بألف صلاة .
وفي رواية لأحمد عن بعض نسائه عليه الصلاة والسلام أنها قالت : يا رسول الله فإن لم تستطع إحدانا أن تأتيه قال : إذا لم تستطع إحداكن أن تأتيه فلتبعث إليه زيتاً يسرج فيه فإن من بعث إليه بزيت يسرج فيه كان كمن صلى فيه ، وروى بعضه أبو داود ، وهو ثاني مسجد وضع في الآرض لخبر أبي ذر قلت : يا رسول الله أي مسجد وضع في الآرض أولاً ؟ قال : المسجد الحرام قلت : ثم أي ؟ قال : المسجد الأقصى قلت : كم بينهما قال : أربعون سنة ثم أينما أدركتك الصلاة فصل فإن الفضل فيه ، وقد أسسه يعقوب عليه السلام بعد بناء إبراهيم عليه السلام الكعبة بما ذكر في الحديث وجدده سليمان أو أتم تجديد أبيه عليهما السلام بعد ذلك بكثير ، والكلام فيما يتعلق بذلك مفصل في محله { لِنُرِيَهُ مِنْ ءاياتنا } أي لنرفعه إلى السماء حتى يرى ما يرى من العجائب العظيمة ، فقد صح أنه صلى الله عليه وسلم عرج به من صخرة بيت المقدس كما تقدم واجتمع في كل سماء مع نبي من الأنبياء عليهم السلام كما في «صحيح البخاري » .
وغيره ، واطلع عليه الصلاة والسلام على أحوال الجنة والنار ورأى من الملائكة ما لا يعلم عدتهم إلا الله تعالى .
ونقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه عليه الصلاة والسلام رأى ليلة المعراج في مملكة الله تعالى خلقاً كهيئة الرجال على خيل بلق شاكين السلاح طول الواحد منهم ألف عام والفرس كذلك يتبع بعضهم بعضاً لا يرى أولهم ولا آخرهم فقال يا جبريل من هؤلاء ؟ فقال : ألم تسمع قوله تعالى : { وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلاَّ هُوَ } [ المدثر : 31 ] فأنا أهبط وأصعد أراهم هكذا يمرون لا أدري من أين يجيئون ولا إلى أين يذهبون ، وقد صلى صلى الله عليه وسلم بالأنبياء عليهم السلام في بيت المقدس ، وقال في «العقائق » وكانت صلاته عليه الصلاة والسلام بهم ركعتين قرأ في الأولى قل يا أيها الكافرون وفي الثانية الإخلاص ؛ وقال بعضهم : كانت دعاء ، وذكر أن الأنبياء كانوا سبعة صفوف ثلاثة منهم مرسلون وأن الملائكة عليهم السلام صلت معهم وهذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام كما قال القاضي زكريا في «شرح الروض » ، والحكمة في ذلك أن يظهر أنه أمام الكل عليه الصلاة والسلام ، وهل صلى بأرواحهم خاصة أو بها مع الأجساد فيه خلاف ، وكذا اختلف في أنه صلى الله عليه وسلم صلى بهم قبل العروج أو بعده فصحح الحافظ ابن كثير أنه بعده وصحح القاضي عياض وغيره أنه قبله ، وجاء في رواية أنه عليه الصلاة والسلام صلى في كل سماء ركعتين يؤم أملاكها ، وكان الإسراء والعروج في بعض ليلة واحدة ، وكان رجوعه صلى الله عليه وسلم على ما كان ذهابه عليه ولم يعين مقدار ذلك البعض ، وكيفما كان فوقوع ما وقع فيه من أعجب الآيات وأغرب الكائنات ، وفي بعض الآثار أنه صلى الله عليه وسلم لما رجع وجد فراشه لم يبرد من أثر النوم ، وقيل : إن غصن شجرة أصابه بعمامته في ذهابه فلما رجع وجده بعد يتحرك ، وزعم بعضهم أن ليلة الإسراء غير ليلة المعراج وظاهر الآية على ما سمعت يقتضي أنهما في ليلة واحدة ؛ وإنما أسري به صلى الله عليه وسلم أولاً إلى بيت المقدس وعرج به ثانياً منه ليكون وصوله إلى الأماكن الشريفة على التدريج فإن شرف بيت المقدس دون شرف الحضرة التي عرج إليها على ما قيل ، وقيل : توطيناً له عليه الصلاة والسلام لما في المعراج من الغرابة العظيمة التي ليست في الإسراء وإن كان غريباً أيضاً ، وقيل : لتتشرف به أرض المحشر ذهاباً وإياباً ، وقيل : لأن باب السماء الذي يقال مصعد الملائكة عليهم السلام على مقابلة صخرة بيت المقدس فقد نقل عن كعب الأحبار أنه قال : إن لله تعالى باباً مفتوحاً من سماء الدنيا إلى بيت المقدس ينزل منه كل يوم سبعون ألف ملك يستغفرون لمن أتى بيت المقدس وصلى فيه فأسريه به صلى الله عليه وسلم إلى هناك أولاً ثم عرج به ليكون صعوده على الاستواء ، وقيل : إن اسطوانات المسجد قالت ربنا حصل لنا من كل نبي حظ وقد اشتقنا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فأرزقنا لقاءه فبدىء بالإسراء به إلى المسجد تعجيلاً للإجابة ، وقيل : غير ذلك .
وعبر بمن الدالة على التبعيض لأن إراءة جميع آيات الله تعالى لعدم تناهيها مما لا تكاد تقع ولو قيل آياتنا لتبادر الكل ، وربما يستعان بالمقام على إرادته واستشكل بأنه كيف يرى نبينا صلى الله عليه وسلم بعض الآيات ويرى إبراهيم عليه السلام ملكوت السموات والآرض كما نطق به قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم مَلَكُوتَ * السموات والآرض } [ الأنعام : 75 ] وفرق بين الحبيب والخليل ، وأجيب بأن بعض الآيات المضافة إليه تعالى أشرف وأعظم من ملكوت السموات والآرض كما قال تعالى : { لَقَدْ رأى مِنْ ءايات رَبّهِ الكبرى } [ النجم : 18 ] ، وقال الخفاجي : السؤال غير وارد لأن ما رآه إبراهيم عليه السلام ما فيها من الدلائل والحجج وليس ذلك مقاوماً للمعراج فتأمل .
وقال ابن عطية : يحتمل أن يكون معنى الآية لنرى محمداً صلى الله عليه وسلم للناس آية من آياتنا أي ليكون عليه الصلاة والسلام آية في أنه يصنع الله تعالى ببشر هذا الصنع ، ويندفع بهذا السؤال المذكور إلا أنه احتمال في غاية البعد ، ثم لا يخفى أنه ليس في الآية إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة الإسراء إذ لا يصدق عليه تعالى أنه من آياته بل لا يصدق سبحانه أنه آية ، نعم مثبتو الرؤية يحتجون بغير ذلك ، وسيأتي إن شاء الله تعالى ، وكذا ليست الآية نصاً في المعراج بل هي نص في الإسراء دونه إذ يجوز حمل بعض الآيات على ما حصل له صلى الله عليه وسلم في الإسراء فقط بل قال بعضهم : ليس في الآيات مطلقاً ما هو نص في ذلك ، من هنا قالوا : الإسراء إلى بيت المقدس قطعي ثبت بالكتاب فمن أنكره فهو كافر والمعراج ليس كذلك فمن أنكره فليس بكافر بل مبتدع ؛ وكأنه سبحانه إنما لم يصرح به كما صرح بالإسراء رحمة بالقاصرين على ما قيل ، وفي التفسير الخازني أن فائدة ذكر المسجد الأقصى فقط دون السماء أنه لو ذكر صعوده عليه الصلاة والسلام لاشتد إنكارهم لذلك فلما أخبر أنه أسري به إلى بيت المقدس وبان لهم صدقه فيما أخبر به من العلامات التي فيه وصدقوه عليها أخبر بعد ذلك بمعراجه إلى السماء فكان الإسراء كالتوطئة للمعراج اه ، وهذا ظاهر في الخبر الوارد في هذا الباب لا في الآية لأنه لم يخبر فيها بالمعراج كما أخبر فيها بالإسراء دلالة ، وقيل : إن الإشارة بعد ذلك التصريح كافية فتدبر ، وصرف الكلام من الغيبة التي في قوله سبحانه : { سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ } إلى صيغة المتكلم المعظم في { بَارَكْنَا حوله لِنُرِيَهُ مِنْ ءاياتنا } لتعظيم البركات والآيات لأنها كما تدل على تعظيم مدلول الضمير تدل على عظم ما أضيف إليه وصدر عنه كما قيل إنما يفعل العظيم العظيم ، وقد ذكروا لهذا التلوين نكتة خاصة وهي أن قوله تعالى : { الذى أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً } يدل على مسيره عليه الصلاة والسلام من عالم الشهادة إلى عالم الغيب فهو بالغيبة أنسب وقوله تعالى : { بَارَكْنَا حَوْلَهُ } دل على إنزال البركات فيناسب تعظيم المنزل والتعبير بضمير العظمة متكفل بذلك ، وقوله سبحانه : { لِنُرِيَهُ } على معنى بعد الاتصال وعز الحضور فيناسب التكلم معه ، وأما الغيبة فلكونه صلى الله عليه وسلم إذ ذاك ليس من عالم الشهادة ولذا قيل إن فيه إعادة إلى مقام السر والغيبوبة من هذا العالم والغيبة بذلك اليق وقوله تعالى : { مِنْ ءاياتنا } عود إلى التعظيم كما سبقت الإشارة إليه ، وأما الغيبة في قوله عز وجل : { إِنَّهُ هُوَ السميع البصير } على تقدير كون الضمير له تعالى كما هو الأظهر وعليه الأكثر فليطابق قوله تعالى : { بِعَبْدِهِ } ويرشح ذلك الاختصاص بما يوقع هذا الالتفات أحسن مواقعه وينطبق عليه التعليل أتم انطباق إذ المعنى قربه وخصه بهذه الكرامة لأنه سبحانه مطلع على أحواله عالم باستحقاقه لهذا المقام ، قال الطيبي : أنه هو السميع لأقوال ذلك العبد البصير بأفعاله بكونها مهذبة خالصة عن شوائب الهوى مقرونة بالصدق والصفا مستأهلة للقرب والزلفى ، وأما على تقدير كون الضمير للنبي صلى الله عليه وسلم كما نقله أبو البقاء عن بعضهم وقال : أي السميع لكلامنا البصير لذاتنا ، وقال الجلبي : إنه لا يبعد ، والمعنى عليه إن عبدي الذي شرفته بهذا التشريف هو المستأهل له فإنه السميع لأوامري ونواهي العامل بهما البصير الذي ينظر بنظرة العبرة في مخلوقاتي فيعتبر أو البصير بالآيات التي أريناه إياها كقوله تعالى :
{ مَا زَاغَ البصر وَمَا طغى } [ النجم : 17 ] فقيل لمطابقة الضمائر العائدة عليه وكذا لما عبر به عنه من قوله سبحانه : { عَبْدِهِ } ، وقيل : للإشارة إلى اختصاصه صلى الله عليه وسلم بالمنح والزلفى وغيبوبة شهوده في عين بي يسمع وبي يبصر ، ولا يمتنع إطلاق السميع والبصير على غيره تعالى كما توهم لا مطلقاً ولا هنا ، قال الطيبي : ولعل السر في مجىء الضمير محتملاً للأمرين الإشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم إنما رأى رب العزة وسمع كلامه به سبحانه كما في الحديث المشار إليه آنفاً فافهم تسمع وتبصر ، وتوسيط ضمير الفصل إما لأن سماعه تعالى بلا إذن وبصره بلا عين على نحو لا يشاركه فيه تعالى أحد وإما للإشعار باختصاصه صلى الله عليه وسلم بتلك الكرامة .
وزعم ابن عطية أن قوله تعالى : { إِنَّهُ هُوَ السميع البصير } وعيد للكفار على تكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الإسراء أي إنه هو السميع لما تقولون أيها المكذبون البصير بما تفعلون فيعاقبكم على ذلك .
وقرأ الحسن { لِيُرِيَهُ } بياء الغيبة ففي الآية حينئذٍ أربع التفاتات .
( ومن باب الإشارة ) : في الآيات : { سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً } [ الإسراء : 1 ] . فيه أربع إشارات . إشارة التقديس سبحان فهو تنزيه له تعالى عن اللواحق المادية والنقائص التشبيهية وعن جميع ما يرتسم في الأذهان . وإشارة الغيرة بعدم ذكر الاسم الظاهر من أسمائه الحسنى عزت أسمائه وكذا بعدم ذكر اسمه صلى الله عليه وسلم . وإشارة الغيب بذكر ضمير الغائب . وإشارة السر بذكر الليل فإنه محل السر والنجوى ، وعن بعض الأكابر لولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا ، وذكر غير واحد أن في اختيار عنوان العبودية إشارة إلى أنها أعلى المقامات وقد أشير إلى ذلك فيما سلف ، وأصلها الذل والخضوع وحيث أن الذل لشيء لا يكون إلا بعد معرفته دلت العبودية لله تعالى على معرفته سبحانه وكمالها على كمالها ، ومن هنا فسر ابن عباس قوله تعالى : { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات : 56 ] بقوله : إلا ليعرفون وهي تسعة وتسعون سهماً بعدد الأسماء الإلهية التي من أحصاها دخل الجنة لكل اسم إلهي عبودية مختصة به يتعبد له من يتعبد من المخلوقين ولم يتحقق بهذا المقام على كمال مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان عبداً محضاً زاهداً في جميع الأحوال التي تخرجه عن مرتبة العبودية وشهد الله تعالى له بأنه عبد مضاف إليه من حيث هويته هنا واسمه الجامع في قوله سبحانه : { وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ الله } [ الجن : 19 ] ولما أمر صلى الله عليه وسلم بتعريف مقامه يوم القيامة قيد ذلك فقال عليه الصلاة والسلام : " أنا سيد ولد آدم ولا فخر " بالراء أو الزاي على اختلاف الروايتين وهي لما علمت من معناها لا يمكن أن تكون نعتاً إلهياً أصلاً بل هي صفة خاصة لا اشتراك فيها فقد قال أبو يزيد البسطاني : ما وجدت شيئاً يتقرب به إليه تعالى إذ رأيت كل نعت يتقرب به للألوهية فيه مدخل فقلت : يا رب بماذا أتقرب إليه ؟ قال : تقرب إلى بما ليس لي قلت : يا رب وما الذي ليس لك ؟ قال : الذلة والافتقار .
وذكر أن العبد مع الحق في حال عبوديته كالظل مع الشخص في مقابلة السراج كلما قرب إلى السراج عظم الظل ولا قرب من الله تعالى إلا بما هو لك وصف أخص لإله سبحانه وكلما بعد عن السراج صغر الظل فإنه ما يبعدك عن الحق إلا خروجك عن صفتك التي تستحقها وطمعك في صفته تعالى ، كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار وهما صفتان لله تعالى و { ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم } [ الدخان : 49 ] وهما كذلك وإلى هذا أشار صلى الله عليه وسلم بقوله : ( أَعُوذُ بِكَ مِنكَ ) وأول بعضهم الليل بظلمة الغواشي البدنية والتعلقات الطبيعية وقال : إن الترقي والعروج لا يكون إلا بواسطة البدن وقد صرحوا بأنه صلى الله عليه وسلم أسرى به وكذا عرج يقظة لم يفارق بدنه إلا أن العارف الجامي قال : إن ذلك إلى المحدد ثم ألقى البدن هناك وقد تقدم ذلك ، وفي أسرار القرآن أن عليه الصلاة والسلام أسرى به من رؤية أفعاله إلى رؤية صفاته ومن رؤية صفاته إلى رؤية ذاته فرأى الحق بالحق وكانت صورته روحه وروحه عقله وعقله قلبه وقلبه سره وكأنه أراد أنه صلى الله عليه وسلم حصل له هذا الإسراء وإلا فإرادة أن الإسراء الذي في الآية هو هذا مما لا ينبغي .
ولا يخفى أن الإسراء غير المعراج نعم قد يطلقون الإسراء على المعراج بل قيل إنهما إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا ، وقد ذكروا أن الجميع الوارثين معراجاً إلا أنه معراج أرواح لا أشباح وإسراء أسرار لا أسوار ورؤية جنات لا عيان وسلوك ذوق وتحقيق لا سلوك مسافة وطريق إلى سموات معنى لا مغنى ، وهذا المعراج متفاوت حسب تفاوت مراتب الرجال ، وقد ذكر الشيخ الأكبر قدس سره في معراجه ما يحير الألباب ويقضي منه العجب العجاب ولم يستبعد ذلك منه بناء على أنه ختم الولاية المحمدية عندهم ، ومن عجائب ما اتفق في زماننا أن رجلاً يدعى بعبد السلام نائب القاضي في بغداد وكان جسوراً على الحكم بالباطل شرع في ترجمة معراج الشيخ قدس سره بالتركية مع شرح بعض مغلقاته ولم يكن من خبايا هاتيك الزوايا فقبل أن يتم مرامه ابتلى والعياذ بالله تعالى بآكلة في فمه فأكلته إلى أذنيه فمات وعرج بروحه إلى حيث شاء الله تعالى نسأل الله سبحانه العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة ، ونقل عن الشيخ قدس سره أن الإسراء وقع له صلى الله عليه وسلم ثلاثين مرة ، وفي كلام الشيخ عبد الوهاب الشعراني أن أسراً آته عليه الصلاة والسلام كان أربعاً وثلاثين واحد منها بجسمه والباقي بروحه ، وقد صرحوا أن الأول من خصائصه صلى الله عليه وسلم . وفي الخصائص الصغرى وخص عليه الصلاة والسلام بالإسراء وما تضمنه من خرق السموات السبع والعلو إلى قاب قوسين ووطئه مكاناًما وطئه نبي مرسل ولا ملك مقرب وأن قطع المسافة الطويلة في الزمن القصير مما يكون كرامة للولي ، والمشهور تسمية ذلك بطي المسافة وهو من أعظم خوارق العادات ؛ وأنكر ثبوته للأولياء الحنفية ومنهم ابن وهبان قال :
ومن لولي قال طي مسافة . . . يجوز جهول ثم بعض يكفر
وهذا منهم مع قولهم إذا ولد لمغربي ولد من امرأته المشرقية مثلاً يلحق به وإن لم يلتقيا ظاهراً غريب ، والكتب ملأى من حكايات الثقات هذه الكرامة لكثير من الصالحين ، وكأن مجهل قائلها بني تجهيله على أن في ذلك قولاً بتداخل الجواهر وقد أحاله المتكلمون خلافاً للنظام وبرهنوا على استحالته بما لا مزيد عليه وادعى بعضهم الضرورة في ذلك ، وأنت تعلم أن قطع المسافة الطويلة في الزمن القصير لا يتوقف على تداخل الجواهر لجواز أن يكون بالسرعة كما قالوا في الإسراء فليثبت للأولياء على هذا النحو على أن الكرامات كالمعجزات مجهولة الكيفية فنؤمن بما صح منها ونفوض كيفيته إلى من لا يعجزه شيء سبحانه وتعالى ، ومثل طي المسافة ما يحكمونه من نشر الزمان وأنا مؤمن ولله تعالى الحمد بما يصح نقله من الأمرين والمكفر جهول والمجهول ليس برسول والله تعالى الموفق للصواب إليه المرجع والمآب ؛ وأول المسجد الحرام بمقام القلب المحترم عن أن يطوف به مشركو القوى البدنية ويرتكب فيه فواحشها وخطاياها ، والمسجد الأقصى بمقام الروح الأبعد من العالم الجسماني { لِنُرِيَهُ مِنْ ءاياتنا } [ الإسراء : 1 ] أي آيات صفاتنا من جهة أنها منسوبة إلينا ونحن المشاهدون بها والأفاصل مشاهدة الفات في مقام القلب
{ 1 } { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ }
ينزه تعالى نفسه المقدسة ويعظمها لأن له الأفعال العظيمة والمنن الجسيمة التي من جملتها أن { أَسْرَى بِعَبْدِهِ } ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم { مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } الذي هو أجل المساجد على الإطلاق { إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى } الذي هو من المساجد الفاضلة وهو محل الأنبياء .
فأسري به في ليلة واحدة إلى مسافة بعيدة جدا ورجع في ليلته ، وأراه الله من آياته ما ازداد به هدى وبصيرة وثباتا وفرقانا ، وهذا من اعتنائه تعالى به ولطفه حيث يسره لليسرى في جميع أموره وخوله نعما فاق بها الأولين والآخرين ، وظاهر الآية أن الإسراء كان في أول الليل وأنه من نفس المسجد الحرام ، لكن ثبت في الصحيح أنه أسري به من بيت أم هانئ ، فعلى هذا تكون الفضيلة في المسجد الحرام لسائر الحرم ، فكله تضاعف فيه العبادة كتضاعفها في نفس المسجد ، وأن الإسراء بروحه وجسده معا وإلا لم يكن في ذلك آية كبرى ومنقبة عظيمة .
وقد تكاثرت الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الإسراء ، وذكر تفاصيل ما رأى وأنه أسري به إلى بيت المقدس ثم عرج به من هناك إلى السماوات حتى وصل إلى ما فوق السماوات العلى ورأى الجنة والنار ، والأنبياء على مراتبهم وفرض عليه الصلوات خمسين ، ثم ما زال يراجع ربه بإشارة موسى الكليم حتى صارت خمسا بالفعل ، وخمسين بالأجر والثواب ، وحاز من المفاخر تلك الليلة هو وأمته ما لا يعلم مقداره إلا الله عز وجل .
وذكره هنا وفي مقام الإنزال للقرآن ومقام التحدي بصفة العبودية لأنه نال هذه المقامات الكبار بتكميله لعبودية ربه .
وقوله : { الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ } أي : بكثرة الأشجار والأنهار والخصب الدائم .
ومن بركته تفضيله على غيره من المساجد سوى المسجد الحرام ومسجد المدينة ، وأنه يطلب شد الرحل إليه للعبادة والصلاة فيه وأن الله اختصه محلا لكثير من أنبيائه وأصفيائه .