نسبا وصهرا : ذكورا ينسب إليهم ، وإناثا يصاهرن بهن .
54- { وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا } .
وهذا أيضا لون من ألوان القدرة ، حيث خلق الله من النطفة المهينة حين يختلط ماء الرجل بماء المرأة ويتم الإخصاب ، حيث يتحول الماء المهين إلى نطفة مخصّبة تعلق في جدار الرّحم وتتشبث به ، وتسبح في دماء من دماء الأم ، وتتحول العلقة إلى قطعة لحم قدر ما يمضغ تسمى المضغة ، ثم تتحول المضغة إلى عظام ، أو هيكل عظمي هو أساس تكوين الإنسان ، ثم يكسى هذا الهيكل العظمي باللحم ، ثم يتحول خلقا آخر متكامل الخلقة والتقاسيم ، مستكمل أسباب الوجود والحياة ، فيه العينان والأذنان واليدان والرجلان وسائر الأجهزة : كالجهاز العصبي ، والجهاز اللمفاوي والجهاز التناسلي ، والجهاز الهضمي ، فضلا عن مشروع متكامل ، لإنسان مستكمل الجمال والأطراف والخلقة ، كالشعر والأنف والأسنان والفم واللهاة ، والبلعوم والمرىء والبطن والفخذ والساق ، والقدم وسائر الأجزاء ، التي تتمم إنسانية الإنسان ، وتجعل منه مخلوقا كامل الأعصاب والإرادة والاختيار والعقل والتصرف ، وهو سيد المخلوقات ، قال تعالى : { إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا* إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا } [ الإنسان : 2-3 ] .
وقال سبحانه : { ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا } [ الإسراء : 70 ] .
وقال عز شأنه : { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة . . } [ النحل : 78 ] .
وقال تعالى : { ألم نجعل له عينين*ولسانا وشفتين*وهديناه النجدين } [ البلد : 8-10 ]
وقال تعالى : { يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم* الذي خلقك فسواك فعدلك* في أي صورة ما شاء ركبك } [ الانفطار : 6-8 ] .
{ وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا }
أي : خلق الله الإنسان من الماء ، قال تعالى : { وجعلنا من الماء كل شيء حي . . } [ الأنبياء : 30 ] فالماء يروي الزرع ، والإنسان يتغذى به ، ثم تكون النطفة التي هي أصل الإنسان ، أو أن الإنسان مخلوق من ماء المنّي ، حيث خلقه الله بشرا سويا ، وجعل منه الذكر والأنثى ، فالذكر ينسب إليه الإنسان ، فيقال : فلان ابن فلان ، نسبة إلى أبيه ، والأنثى تكون سببا في المصاهرة والزواج ، وأصهار الزوج هم أقارب زوجته .
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد
وقال تعالى : { أيحسب الإنسان أن يترك سدى* ألم يكن نطفة من مني يمنى* ثم كان علقة فخلق فسوّى* فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى } [ القيامة : 36-39 ] .
قال النيسابوري : ومن دلائل القدرة ، أحوال خلقة الإنسان ، والماء إما ماء العنصر ، كقوله : { وجعلنا من الماء كل شيء حي . . } [ الأنبياء : 30 ] أو النطفة .
ومعنى : { فجعله نسبا وصهرا } أنه قسم البشر قسمين : ذوي نسب ، وذوات صهر ، والأوّل : الذكور الذين ينسب إليهم الإنسان ، والثاني : الإناث اللاتي يصاهر بهن ، ونحوه قوله تعالى : { فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى } [ القيامة : 39 ] ، والأصهار : أهل بيت المرأة ، كما قال الخليل بن أحمد21 .
1- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ، ثم أربعين يوما علقة ، ثم أربعين يوما مضغة ، ثم ينفخ فيه الروح ، ويكتب أجله ورزقه ، وشقي أو سعيد )22 .
2- إذا لم يكن النسب ثابتا شرعا لم تثبت حرمة المصاهرة ، وعليه قال الجمهور : إذا لم يكن نسب شرعا ، فلا صهر شرعا ، فلا يحرم الزنا بنت أم ولا أم بنت ، ولا بنتا من الزنا ، وما يحرم من الحلال ، لا يحرم من الحرام ، لأن الله امتن بالنسب والصهر على عباده ، ورفع قدرهما ، وعلق الأحكام في الحل والحرمة عليها ، فلا يلحق الباطل بهما ولا يساويهما ، وقال الحنفية : تحرم البنت من الزنا ، أو الأخت أو بنت الابن من الزنا ، بسبب التولد من ماء الرجل .
{ وَهُوَ الذى خَلَقَ مِنَ الماء بَشَراً } هو الماء الذي خمر به طينة آدم عليه السلام وجعله جزءاً من مادة البشر لتجتمع وتسلس وتستعد لقبول الإشكال والهيئات ، فالمراد بالماء الماء المعروف وتعريفه للجنس والمراد بالبشر آدم عليه السلام وتنوينه للتعظيم أو جنس البشر الصادق عليه عليه السلام وعلى ذريته ، ومن ابتدائية ، ويجوز أن يراد بالماء النطفة وحينئذ يتعين حمل البشر على أولاد آدم عليه السلام .
{ فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً } أي قسمه قسمين ذوي نسب أي ذكوراً ينسب إليهم وذوات صهر أي إناثاً يصاهر بهن فهو كقوله تعالى : { فَجَعَلَ مِنْهُ الزوجين الذكر والانثى } [ القيامة : 39 ] فالواو للتقسيم والكلام على تقدير مضاف حذف ليدل على المبالغة ظاهراً وعدل عن ذكر وأنثى ليؤذن بالانشعاب نصاً ، وهذ الجعل والتقسيم مما لا خفاء فيه على تقدير أن يراد بالبشر الجنس ، وأما على تقدير أن يراد به آدم عليه السلام فقيل : هو باعتبار الجنس وفي الكلام ما هو من قبيل الاستخدام نظير ما في قولك : عندي درهم ونصفه ، وقيل : لا حاجة إلى اعتبار ذلك والكلام من باب الحذف والإيصال ، أي جعل منه وقد جيء به على الأصل في نظير هذه الآية وهو ما سمعته آنفاً ، وقيل : معنى جعل آدم نسباً وصهراً خلق حواء منه وإبقاؤه على ما كان عليه من الذكورة .
وتعقيب جعل الجنس قسمين خلق آدم أو الجنس باعتبار خلقه أو جعل قسمين من آدم خلقه عليه السلام كما تؤذن به الفاء ظاهر ، وربما يتوهم أن الضمير المنصوب في جعله عائد على الماء والفاء مثلها في قوله تعالى : { وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبّ } [ هود : 45 ] الخ وقوله تعالى : { وَكَم مّن قَرْيَةٍ أهلكناها فَجَاءهَا بَأْسُنَا بياتا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } [ الأعراف : 4 ] وليس بشي .
وعن علي كرم الله تعالى وجهه أن النسب ما لا يحل نكاحه والصهر ما يحل نكاحه ، وفي رواية أخرى عنه رضي الله تعالى عنه النسب ما لا يحل نكاحه والصهر قرابة الرضاع ، وتفسير الصهر بذلك مروى عن الضحاك أيضاً .
{ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً } مبالغاً في القدرة حيث قدر على أن يخلق من مادة واحدة بشراً ذا أعضاء مختلفة وطباع متباعدة ، وجعله قسمين متقابلين { وَكَانَ } في مثل هذا الموضع للاستمرار . وإذا قلنا بأن الجملة الإسمية نفسها تفيد ذلك أيضاً أفاد الكلام استمراراً على استمرار . وربما أشعر ذلك بأن القدرة البالغة من مقتضيات ذاته جل وعلا . ومن العجب ما زعمه بعض من يدعي التفرد بالتحقيق ممن صحبناه من علماء العصر رحمة الله تعالى عليه إن { كَانَ } في مثله للاستمرار فيما لم يزل والجملة الاسمية للاستمرار فيما لا يزال فيفيد جمعهما استمرار ثبوت الخبر للمتبدأ أزلاً وأبداً ، ويعلم منه مبلغ الرجل في العلم .
{ 54 } { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا }
أي : وهو الله وحده لا شريك له الذي خلق الآدمي من ماء مهين ، ثم نشر منه ذرية كثيرة وجعلهم أنسابا وأصهارا متفرقين ومجتمعين ، والمادة كلها من ذلك الماء المهين ، فهذا يدل على كمال اقتداره لقوله : { وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا } ويدل على أن عبادته هي الحق وعبادة غيره باطلة لقوله : { وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا }
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.