تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قَالُواْ يَٰصَٰلِحُ قَدۡ كُنتَ فِينَا مَرۡجُوّٗا قَبۡلَ هَٰذَآۖ أَتَنۡهَىٰنَآ أَن نَّعۡبُدَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكّٖ مِّمَّا تَدۡعُونَآ إِلَيۡهِ مُرِيبٖ} (62)

61

المفردات :

مرجوا قبل هذا : مأمولا أن تكون لنا سيدا ، أو مستشارا في الأمور .

مريب : موقع من الريبة أو الريب . أي : الظن والشك .

التفسير :

62 { قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا . . }

أي : كنت الرجاء والأمل بأن تكون سيدا من ساداتنا ؛ نستشيرك في الأمور العظام ، ونلجأ إليك في المهمات .

قال كعب : كانوا يرجونه للمملكة بعد ملكهم ؛ لأنه ذا حسب وثروة ، وعن ابن عباس : كان فاضلا خيرا ، وجمهور المفسرين : على أن رجاءهم فيه ، هو الاستشارة في مهام الأمور ، وأن يكون سيدا سادا مسد الأكابر . أي : إن رجاءنا قد انقطع منك ؛ بسبب دعوتك .

{ أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا } . أي : أتنهانا عن عبادة ما كان يعبده أسلافنا ؛ وقد تتابعوا على هذه العبادة كابرا عن كابر .

{ وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ } . وإننا نشك كثيرا في صحة ما تدعونا إليه : من عبادة الله وحده ، وترك التوسل إليه بالشفعاء المقربين عنده ، وهو شك موقع من التهمة وسوء الظن . والمقصود من هذا الكلام : التمسك بطريق التقليد ، ووجوب متابعة الآباء ، والشك العظيم في صحة ما يدعوهم إليه صالح ، وهذا نظير ما حكاه القرآن عن كفار مكة حين قالوا : { أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب } . ( ص : 5 ) .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَالُواْ يَٰصَٰلِحُ قَدۡ كُنتَ فِينَا مَرۡجُوّٗا قَبۡلَ هَٰذَآۖ أَتَنۡهَىٰنَآ أَن نَّعۡبُدَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكّٖ مِّمَّا تَدۡعُونَآ إِلَيۡهِ مُرِيبٖ} (62)

{ قَالُواْ يا صالح قَدْ كُنتَ فِينَا } أي فيما بيننا { مَرْجُوّا } فاضلاً خيراً نقدمك على جميعنا على ما روي عن ابن عباس .

وقال ابن عطية مشوراً نأمل منك أن تكون سيداً ساداً مسدّ الأكابر ، وقال كعب : كانوا يرجونه للملك بعد ملكهم لأنه كان ذا حسب وثروة .

وقال مقاتل : كانوا يرجون رجوعه إلى دينهم إذ كان يبغض أصنامهم ويعدل عن دينهم { قَبْلَ هذا } أي الذي باشرته من الدعوة إلى التوحيد وترك عبادة الآلهة فلما سمعنا منك ما سمعناه انقطع عنك رجاؤنا ، وقيل : كانوا يرجون دخوله في دينهم بعد دعواه إلى الحق ثم انقطع رجاؤهم فقبل هذا قبل هذا الوقت لا قبل الذي بشاره من الدعوة ، وحكى النقاش عن بعضهم أن { مَرْجُوّا } بمعنى حقيراً وكأنه فسره أولاً بمؤخراً غير معتنى به ولا مهتم بشأنه ، ثم أراد منه ذلك وإلا فمرجواً بمعنى حقير لم يأت في كلام العرب ، وجاء قولهم : { أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَا } على جهة التوعد والاستبشاع لتلك المقالة منه والتعبير بيعبد لحكاية الحال الماضية ، وقرأ طلحة { *مرجؤاً } بالمد والهمز { ءابَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكّ مّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ } من التوحيد وترك عبادة الآلهة وغير ذلك من الاستفغر والتوبة { مُرِيبٍ } اسم فاعل من أرابه المتعدي بنفسه إذا أوقعه في الريبة وهي قلق النفس وانتفاء الطمأنينة باليقين ، أو من أراب الرجل اللازم إذا كان ذا ريبة ، والإسناد على الوجهين مجازي إلا أن بينهما كما قال بعض المحققين فرقاً ، وهو أن الأول منقول من الأعيان إلى المعنى . والثاني منقول من صاحب الشك إلى الشك كما تقول : شعر شاعر ، فعلى الأولى هو من باب الإسناد إلى السبب لأن وجود الشك سبب لتشكيك المشكك ولولاه لما قدر على التشكيك ، والتنوين في { مُرِيبٍ } وفي { شَكٌّ } للتفخيم ، { وَإِنَّنَا } بثلاث نوات ، ويقال : إنا بنونين وهما لغتان لقريش .

قال الفراء : من قال : إننا أخرج الحرف على أصله لأن كناية المتكلمين ن فاجتمعتث لاث نونات ، ومن قال : إنا استثل اجتماعها فأسقط الثالثة وأبقى الأوليين .

واختار أبو حيان أن المحذوف النون الثانية لا الثالثة لأن في حذفها إجحافاً بالكلمة إذ لا يبقى منها إلا حرف واحد ساكن دون حذف الثانية لظهور بقاء حرفين بعده على أنه قد عهد حذف النون الثانية من إن مع غير ضمير المتكلمين ولم يعهد حذف نون ن ولا ريب في أن ارتكاب المعهود أولى من ارتكاب غير المعهود .