تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمۡۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} (4)

المفردات :

بلسان قومه : أي : بلغة قومه .

{ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم4 ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور5 } .

التفسير :

4 { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم . . . } .

أي : وما أرسلنا رسولا إلى أمة من الأمم ، من قبلك ومن قبل قومك ، إلا بلغة قومه الذين أرسلناه إليهم ؛ ليفهمهم ما أرسل به إليهم ، من أمره ونهيه بسهولة ويسر ، ولتقوم عليهم الحجة وينقطع العذر ، وقد جاء هذا الكتاب بلغته ، وهو يتلى عليهم فأي عذر لهم في ألا يفقهوه ، وما الذي صدهم عن أن يدرسوه ؛ ليعلموا ما فيه من حكم وأحكام ، وإصلاح لنظم المجتمع ؛ ليسعدوا في حياتهم الدنيوية والأخروية ، والنبي صلى الله عليه وسلم ، وإن أرسل إلى الناس جميعا ، ولغاتهم متباينة ، وألسنتهم مختلفة ، فإرساله بلسان قومه أولى من إرساله بلسان غيرهم ، فإذا فهم قومه الرسالة ، وعرفوا أهدافها ، أمكن ترجمة ذلك إلى غيرهم من الأمم . روى الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لم يبعث الله عز وجل نبيا إلا بلغة قومه )2 .

{ فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء } . أي : فبعد إرسال كل رسول بلسان قومه ؛ ليبين لهم طريق الهداية ، ويرشدهم إلى ترك الضلال والغواية ، فيستجيب للرسل من اتبع سبيل الرشاد ، وجانب أسلوب العناد ، فانشرح صدره للإسلام ؛ بهداية الله وتوفيقه ، ومن الناس من يعرض عن الهدى ، ويختار الضلال والكفر ، ومثل هؤلاء يسلب الله عنهم هداه وتوفيقه ، ويتركهم في ضلال مبين .

وللعلماء في مثل الجملة كلام كثير يمكن تلخيصه فيما يأتي :

إن هداية الله غالية ، فمن رغب في الهدى ؛ يسر الله له أسبابه ، وأعانه باللطف والتوفيق ، ومن أعرض عن الهدى ، وصد عن رسالات السماء ؛ سلب الله عنه الهدى وتركه في ضلال وحيرة ، وفي معنى هذه الآية قال تعالى : { في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون } ( البقرة : 10 ) .

وقال عز وجل : { بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } ( المطففين : 14 ) .

ويكون معنى الآية :

يضل الله ؛ من ران على قلبه الغواية والضلالة ، واختار الكفر على الإيمان ، ويهدي الله ؛ من اختار الإيمان ، وسلك في طريق الهدى ، فيلهمه الله الهدى والرشاد .

{ وهو العزيز } فلا غالب في مشيئته .

{ الحكيم } . في تشريعاته وبيانه ، وأوامره ونواهيه .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمۡۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} (4)

قوله تعالى : { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيُضِلُّ الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم ( 4 ) ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيّام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ( 5 ) } .

لم يرسل الله من رسول في الأمم السابقة إلا بلغة الذين أرسل إليهم وهو منهم ومبعوث فيهم ( ليبين لهم ) أي دينهم الذي جاءهم به من عند الله ؛ فيتلقوه منه في سرعة ويسر من غير حاجة إلى ترجمان ، وهذه حجة لله على العباد إذ بعث فيهم النبيين من أنفسهم ، كل نبي بلغة قومه ؛ تسهيلا لهم وتيسيرا عليهم ؛ فيتسنى لهم بذلك فهم دينهم والوقوف على حقيقته ومعناه .

قوله : ( فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء ) ( فيضل ) ، مرفوع على الاستئناف{[2369]} .

والمعنى : ليس على الرسول إلا القيام بتبليغ الناس ، وما عليه هداية أحد ؛ فإنما الهادي هو الله وحده دون أحد من خلقه ، وما على النبي كذلك إضلال أحد ؛ وإنما يضل الله الناس إن كانوا لا يستحقون الهداية ؛ لفساد فطرتهم وسوء اختيارهم ، وذلك بخلاف المهتدين الذين يكتب الله لهم الهداية ؛ لاستقامة طبعهم وسلامة فطرتهم وحسن اختيارهم ؛ إذ سلكوا طريق الهداية حيث الفوز بالجنة والرضوان .

قوله : ( وهو العزيز الحكيم ) ( العزيز ) يعني القوي القادر على كل شيء والذي لا يغلبه شيء . و ( الحكيم ) ، الواضع للأشياء على ما اقتضته حكمته المطلقة وتقديره الكامل من غير نقص في ذلك ولا عيب ولا خلل .


[2369]:- روح المعاني جـ 7 ص 184 والتبيان للطوسي جـ 6 ص 272 وتفسير الماوردي جـ3 ص 121.