تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ إِذۡ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَاْ مِن دُونِهِۦٓ إِلَٰهٗاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَآ إِذٗا شَطَطًا} (14)

المفردات :

ربطنا : شددنا وقوّينا ، وربط الله على قلبه ، أي : قوّى عزيمته .

قاموا : وقفوا بين يدي ملكهم الجبار دقيانوس .

إلها : أي : معبودا آخر لا استقلالا ولا شريكا .

التفسير :

14- { وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا } .

أي : ألهمناهم قوة العزيمة وصدق الإيمان ، وثبات اليقين ، حين وقفوا أمام الملك الظالم ديقيانوس في ثبات وصدق ، ولم يستجيبوا لدعوته لهم إلى عبادة الأوثان ، بل أعلنوا إيمانهم بالله وحده لا شريك له ، وقالوا : { ربنا رب السماوات والأرض } هو وحده خالق السماوات والأرض والكون كله ؛ فينبغي أن نتوجه إليه وحده بالعبادة .

{ لن ندعو من دونه إلها } . أي : لن نعبد من دون رب السماوات والأرض إلها ، لا على طريق الاستقلال ، ولا على سبيل الاشتراك ؛ إذ لا رب غيره ولا معبود سواه .

{ لقد قلنا إذن شططا } .

أي : إذا دعونا غير الله ، وعبدنا الأوثان أو الأصنام أو غيرهما ؛ لقد أبعدنا عن الحق ، وتجاوزنا الصواب .

قال الآلوسي :

إنهم أشاروا بالجملة الأولى وهي : { ربنا رب السماوات والأرض } إلى توحيد الربوبية .

وأشاروا بالجملة الثانية : { لن ندعو من دونه إلها إلى توحيد الألوهية . 1 ه .

فهم يعبدون الله وحده سبحانه رب السماوات والأرض ولا يعبدون مع الله آلهة أخرى من الأوثان .

وعبدة الأصنام كانوا يؤمنون بوجود الله ، وكانوا مع ذلك يعبدون آلهة أخرى يتقربون بعبادتنا إلى الله ، وهو انحراف في العقيدة .

وقد حكى القرآن عنهم قوله : { ولئن سألتم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله . . . ( لقمان : 25 ، الزمر : 38 ) .

وقوله سبحانه حكاية عنهم : { ما نعبدهم إلا ليقرّبونا إلى الله زلفى } . الزمر : 3 .

وكان أهل الجاهلية يقولون في تلبيتهم للحج : لبيك لا شريك لك ، إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ إِذۡ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَاْ مِن دُونِهِۦٓ إِلَٰهٗاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَآ إِذٗا شَطَطًا} (14)

قوله : ( وربطنا على قلوبهم ) أي ثبتناهم وقويناهم بالصبر على مخالفة قومهم المشركين ومفارقة ما كانوا فيه من النعمة والسعة والعيش الرغيد فرارا بدينهم وخشية الفتنة .

قوله : ( إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها ) ذكر بعض المفسرين أن هؤلاء الفتية كانوا من أبناء ملوك الروم وسادتهم ، وأنهم خرجوا يوما في بعض أعياد قومهم وكان لهم مجتمع في السنة يجتمعون فيه ، وكانوا يعبدون الأصنام والطواغيت ويذبحون لها ، وكان لهم ملك جبار عنيد يقال له دقيانوس وكان يأمر الناس بذلك ويحثهم عليه . فلما خرج الناس لمجتمعهم ذلك وخرج هؤلاء الفتية مع آبائهم وقومهم ونظروا إلى ما يصنع قومهم بعين بصيرتهم عرفوا أن هذا الذي يصنعه قومهم من السجود لأصنامهم ، والذبح لها لا ينبغي إلا لله الذي خلق السماوات والأرض . فجعل كل منهم يتخلص من قومه وينحاز منهم ويتبرز عنهم ناحية . حتى اجتمعوا كلهم على قدر تحت ظل شجرة . وإنما جمعهم هناك الذي جمع قلوبهم على الإيمان . وقد جاء في حديث البخاري عن عائشة ( رضي الله عنها ) قالت : قال رسول الله ( ص ) : " الأرواح جنود مجندة ، فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف " {[2777]} . ولما عرف بهم قومهم وشوا بأمرهم إلى الملك فاستحضرهم بين يديه فسألهم عن أمرهم وما هم عليه فأجابوه بالحق ، وأمرهم باتباع دينه وتوعدهم على رفض ذلك بالقتل فقالوا له في عزم وثبات ما قاله الله : ( ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا ) ( شططا ) ، منصوب على أنه صفقة لمصدر محذوف ، وتقديره : قولا شططا . وقيل : منصوب بالفعل ( قلنا ) {[2778]} والشطط ، في اللغة ، مجاوزة القدر في كل شيء{[2779]} وهو الجور والظلم . والشطوط ، معناه البعد . واشتط ؛ أي أبعد . والمراد به هنا : الإفراط في الظلم والافتراء ، والإبعاد في الجور والكذب .


[2777]:- تفسير ابن كثير جـ3 ص 74.
[2778]:-البيان لابن الأنباري جـ2 ص 101.
[2779]:- المصباح جـ1 ص 335 ومختار الصحاح 338.